تكشف حادثة السحل في منطقة كفرتخاريم السوريّة لشخص وُصف بأنّه من شبّيحة النظام السابق عن لحظة خطِرة في مسار العدالة الانتقاليّة في سوريا. يظهر الغضب الشعبيّ هنا كقوّة ضاغطة تبحث عن المحاسبة، وفي الوقت نفسه كإنذار من الانزلاق نحو الانتقام خارج القانون. فقد شهدت عدّة محافظات سوريّة، خلال الأيّام الأخيرة، حراكاً متصاعداً للمطالبة بتسريع العدالة الانتقاليّة ومحاسبة المتّهمين بالانتهاكات، وسط رفض واضح لعودة شخصيّات محسوبة على النظام السابق إلى المدن والأحياء من دون مساءلة.
اتّسع الحراك من الشرق إلى الشمال والوسط، من دير الزور والرقّة إلى إدلب وريف حماه وحلب وريف دمشق وتدمر، مع بروز بلدات ومدن مثل كفرتخاريم وأورم الجوز ومعرّة مصرين وأريحا وطيبة الإمام. ورفعت التظاهرات والفعّاليّات المحلّيّة شعارات ضدّ إعادة تعويم المتّهمين بالمشاركة في القمع أو دعم أجهزة النظام وميليشياته. وزاد الاحتقان مع الحديث عن تسويات محليّة مثيرة للجدل في دير الزور والرقّة، رأى فيها الأهالي محاولة لإعادة تدوير بعض شبكات النفوذ السابقة. هنا لا يعود الخطر في الغضب نفسه، بل في الفراغ الذي تتركه العدالة حين تتأخّر، فتملؤه الجماعات والأحياء بمنطقها الخاصّ.
لا يقتصر الاعتراض في دير الزور والرقّة على عودة أفراد محسوبين على النظام السابق، وإنّما يتّصل أيضاً بما يراه الأهالي من تسويات مثيرة للقلق مع شخصيّات عشائريّة يُتّهم بعضها بالقتال إلى جانب الحرس الثوريّ
حقّ الضّحايا وغضب الشّارع
ليس هذا الغضب الشعبيّ انفعالاً لحظيّاً، بل نتيجة طبيعيّة لعقود من القمع والقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير في زمن نظام الأسد الأب والابن. فالضحايا وذووهم يطالبون بحقّ أساسيّ في الحقيقة والعدالة والمساءلة، ومن الطبيعيّ أن تثير عودة شخصيّات ارتبطت بالنظام السابق أو بميليشياته استفزازاً واسعاً في مجتمعات دفعت أثماناً باهظة من أبنائها وأمنها وذاكرتها وأسقف منازلها.
لا يقتصر الاعتراض في دير الزور والرقّة على عودة أفراد محسوبين على النظام السابق، وإنّما يتّصل أيضاً بما يراه الأهالي من تسويات مثيرة للقلق مع شخصيّات عشائريّة يُتّهم بعضها بالقتال إلى جانب الحرس الثوريّ الإيرانيّ، أو بالعمل مع اللواء سهيل الحسن وأجهزة النظام السابق. بالنسبة إلى الضحايا، تبدو هذه العودة رسالة قاسية مفادها أنّ أصحاب النفوذ قادرون على إعادة إنتاج مواقعهم، بينما ما تزال ملفّات الضحايا معلّقة بلا حسم. لا يبدأ الخطر من غضب الضحايا، بل من ترك هذا الغضب بلا طريق قانونيّ واضح.
من المحاسبة إلى الانتقام
لا تعني مشروعيّة الغضب أن يتحوّل الشارع إلى محكمة، ولا أن يصبح السحل أو الاعتداء أو التشهير بديلاً عن القضاء. فحين تنتقل العدالة من مسارها المؤسّسيّ إلى منطق الثأر، تضيع الحقوق بدل أن تُستعاد، وتُفتح الأبواب أمام الفوضى والعقاب الجماعيّ وتصفية الحسابات الشخصيّة.
يعرف الأهالي، بحكم التجربة والخسارة والمعايشة اليوميّة، كثيراً من الوجوه التي شاركت في القمع أو استفادت من شبكات النظام السابق. غير أنّ الذاكرة، مهما كانت موجعة ودقيقة، لا تتحوّل وحدها إلى عدالة. بين معرفة الناس وإدانة المتّهمين توجد مسافة لا يملؤها الغضب، بل التحقيق والشهادة والوثيقة وسلسلة المسؤوليّة. عند هذه النقطة فقط تصبح المحاسبة عدالة، لا ردّ فعل غاضباً.
لا تكفي الصفة الشعبيّة المتداولة، أو اتّهام شخص بأنّه “شبّيح” لإدانته قضائيّاً، حتّى لو كانت هذه الصفة راسخة في ذاكرة المجتمع. المطلوب تحديد الدور: هل شارك؟ هل حرّض؟ هل موّل؟ هل قاد؟ هل سهّل الانتهاك أو تستّر عليه؟ ومن عمل ضمن تشكيلات أمنيّة أو عسكريّة ارتكبت جرائم بحقّ المدنيّين أو المعتقلين؟ فالعدالة حين تتأخّر لا تبقى فكرة نبيلة فحسب، بل تتحوّل إلى فراغ يملؤه الأقوى صوتاً والأسرع يداً.
ليس هذا الغضب الشعبيّ انفعالاً لحظيّاً، بل نتيجة طبيعيّة لعقود من القمع والقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير في زمن نظام الأسد الأب والابن
يحوِّل تجاوُز هذا المسار العدالة الانتقاليّة إلى انتقام، ويمنح المتورّطين الحقيقيّين فرصة للادّعاء أنّهم ضحايا فوضى لا متّهمون بجرائم. قد تنتج أيّ اعتداءات خارج القانون مظالم جديدة، وتزرع خوفاً اجتماعيّاً واسعاً، وتدفع البلاد إلى دائرة من الثأر المتبادل. عندها لا يعود الحديث عن بناء دولة قانون، وإنّما عن انتقال من ظلم قديم إلى جحيم جديد، عنوانه أنّ كلّ جماعة تنتزع حقّها بيدها، وأنّ الشارع يقرّر من يستحقّ العقاب ومن يستحقّ النجاة.
مسار العدالة الانتقاليّة
جاءت مواقف وزارة الداخليّة والهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقاليّة لتضع حدّاً نظريّاً بين المحاسبة والثأر، مؤكّدة أنّ الدولة هي الجهة المسؤولة عن تحويل مطالب الضحايا إلى ملفّات قضائيّة.
ودعت وزارة الداخليّة المواطنين إلى تقديم المعلومات والأدلّة عبر القنوات الرسميّة، مؤكّدة أنّ القضايا الموثّقة ستتابَع قضائيّاً. وفي السياق ذاته، أعلنت إجراءات أمنيّة، منها إلقاء القبض على ضبّاط وشخصيّات متّهمة بجرائم، وتفكيك خليّة أمنيّة مرتبطة بالنظام السابق. غير أنّ هذه الخطوات تحتاج إلى إطار أوسع: آليّة واضحة لجمع الأدلّة، وحماية الشهود، وإعلان مسارات التقاضي، وإشراك منظّمات الضحايا، ومنع أيّ انتهاك باسم العدالة.
إقرأ أيضاً: من الجيش إلى الطّاقة: هل تعود روسيا إلى سوريا؟
يحتاج ملفّ التسويات المحليّة في دير الزور والرقّة إلى مراجعة وتدقيق علنيَّين لأنّ تمرير هذه الملفّات تحت عنوان الاستقرار قد يتحوّل إلى مصدر جديد للانفجار الاجتماعيّ. فالاستقرار لا يُبنى بإعادة تدوير أصحاب النفوذ، ولا بتجاهل ذاكرة الضحايا، وإنّما بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليّات ومحاسبة المتورّطين وفق القانون.
لا يحمي السحل ذاكرة الضحايا، ولا يضمن محاسبة الجناة، ولا يبني دولة القانون. ما يحمي الضحايا هو أن تتحوّل أسماؤهم وملفّاتهم إلى قضايا لا تُنسى، وأن يتحوّل الغضب العامّ إلى مسار قضائيّ علنيّ لا يسمح للجناة بالعودة، ولا يسمح للشارع بأن يصبح جلّاداً جديداً. بين العدالة والثأر تقف الدولة، فإذا تأخّرت، تركت المجتمع على باب الجحيم.
