في اللحظة التي يؤكد فيها الرئيس أحمد الشرع أنّ أولوية سوريا هي تثبيت الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء الدولة، فإنّ تصريح الرئيس دونالد ترامب عن إمكان الاستعانة بسوريا في مواجهة “الحزب” في لبنان، ليس بالأمر الأميركي الجديد، فهي فكرة المبعوث الرئاسي توم باراك الذي عبّر عنها في أكثر من مناسبة. إلّا أنّ توقيت التصريح الآن يضع الإدارة السورية أمام اختبار بالغ الحساسية. وبصرف النظر عن جدية الطرح، أكان ضغطًا سياسيًا أم بالون اختبار، تكفي الحسابات السورية وحدها لكشف حجم المخاطر. فدمشق، الساعية إلى تقديم نفسها كدولة خارجة من الحرب ومنفتحة على الاقتصاد والاستثمار، غير مستعدة لأنها مغامرات خارجية وتحديداً في لبنان كما عبّر عن ذلك تكراراً الشرع.
إنّ أي انخراط سوري في مواجهة مع “الحزب”، داخل لبنان أو على حدوده، سينقل الحكومة السورية من موقع طمأنة المستثمرين ودول الجوار إلى قلب جبهة شديدة الاشتعال. وما قد يبدو مكسبًا سريعًا في واشنطن قد يتحوّل إلى كلفة طويلة داخل سوريا: اهتزاز أمني، وتوتر داخلي، وضغط حدودي، وإرباك عربي وإقليمي، وتعطيل لمشاريع الطاقة والترانزيت التي يراهن عليها الشرع منذ وصوله إلى القصر الرئاسي.
ما هي الحسابات السورية؟
ميدانيًا، ستكون أي مواجهة بين الجيش السوري، وهو في طور إعادة البناء، و”الحزب” شديدة التعقيد. فالحزب ليس جيشًا نظاميًا يمكن التعامل معه وفق قواعد المواجهة التقليدية، بل شبكة عسكرية وأمنية واجتماعية عابرة للحدود، تمتد في لبنان وسوريا.
تزيد طبيعة الأرض صعوبة المهمة: فالقلمون، والقصير، والهرمل، والبقاع فضاء حدودي مختلط، تتداخل فيه العشائر، وطرق التهريب، والقرى المتقابلة، والروابط العائلية. لذلك قد يتحول أي احتكاك محدود إلى أزمة أوسع مع بيئات محلية وشبكات نفوذ يصعب ضبطها.
لا يزال الجيش السوري يعيد ترتيب نفسه بعد سنوات الانهيار، ويحتاج إلى تثبيت الداخل قبل مواجهة قوة متمرسة كالحزب
في المقابل، لا يزال الجيش السوري يعيد ترتيب نفسه بعد سنوات الانهيار، ويحتاج إلى تثبيت الداخل قبل مواجهة قوة متمرسة كالحزب. لذلك، لا يكمن التحدي في بدء المواجهة، بل في منعها من التحول إلى حرب مفتوحة. الخيار الواقعي، إن أرادت دمشق لعب دور، هو ضبط الحدود ومنع استخدامها كممرات مفتوحة كما تفعل اليوم عبر التنسيق مع الأجهزة اللبنانية الرسمية.
الأخطر أنّ المواجهة لن تبقى بالضرورة محصورة بالحزب. فدخول دمشق في مواجهة مباشرة ضده قد يضع العاصمة السورية ضمن حسابات الرد الإيراني، بما في ذلك احتمال التهديد بالصواريخ البالستية أو الضغط العسكري غير المباشر.
اللاجئون السوريون: الحلقة الأضعف
تطال الكلفة اللاجئين السوريين في لبنان، وهم أصلًا في موقع حساس داخل بيئة مأزومة ومشحونة. ففي حال مواجهة سورية مع الحزب، قد يتعرض هؤلاء لعمليات انتقامية أو حملات تضييق واشتباه جماعي، سواء من جمهور “الحزب” أو من قوى لبنانية ترفض أي تدخل سوري. عندها يدفع اللاجئون ثمن قرار لا علاقة لهم به، عبر الضغط أو الطرد أو الاعتداء أو الدفع نحو العودة القسرية.

الأخطر أنّ العودة القسرية لن تكون حلًا لسوريا الجديدة، بل عبئًا إضافيًا عليها؛ فهؤلاء سيعودون إلى دولة خارجة من الحرب، تعاني اقتصادًا منهكًا وبطالة واسعة، فيما تشير تقديرات أممية إلى أنّ أكثر من 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. وهكذا تصبح خسارة اللاجئين مزدوجة: خطر عليهم في لبنان، وضغط اجتماعي واقتصادي جديد على سوريا إذا عادوا قسرًا.
ارتدادات العراق والخليج وتركيا
إقليميًا، قد تجد سوريا نفسها أمام تداعيات تتجاوز حدود لبنان. فالدخول في مواجهة مع “الحزب” غربًا قد يستدعي ضغطًا معاكسًا من الشرق، حيث الحشد الشعبي وفصائل المحور في العراق.
يُعتبر خط العراق- سورياـ لبنان شبكة نفوذ وسلاح ومصالح، لا مجرد امتداد جغرافي، وأي استهداف للحزب من الساحة السورية قد يفتح الباب أمام تهريب، أو تسليح، أو تهديدات حدودية من البوابة العراقية.
يؤكد الرئيس أحمد الشرع أنّ أولوية سوريا هي تثبيت الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء الدولة
لا يقف الخطر عند الجانب الأمني، بل يطاول مشاريع الطاقة والترانزيت التي تراهن عليها دمشق، من تدفق النفط عبر الصهاريج إلى الشراكات المحتملة مع بغداد، ومنها مشروع خط كركوك ـ بانياس. فهذه المشاريع تحتاج إلى بيئة مستقرة وتفاهمات إقليمية، لا إلى اصطفاف حاد ضد طرف مركزي في محور إيران.
عربيًا، سيُربك دخول سوريا الحرب الحسابات الخليجية والأردنية التي سعت منذ البداية إلى منع توسّع المواجهة. فالسعودية سعت إلى إبقاء الخليج خارج حرب مفتوحة، مدركة أنّ توسّع النار يمنح إيران فرصة لخلط الأوراق، ويفتح تهديدات تمتد من الخليج إلى العراق والأردن. وعمّان تحديدًا لا تحتاج إلى توتر جديد قرب حدودها، وهي تواجه أصلًا تحديات التهريب والسلاح والمخدرات المرتبطة بالنفوذ الإيراني والحدود السورية.
قد تطال التداعيات تركيا أيضًا. فأنقرة تريد سوريا قابلة للضبط، لا ساحة فوضى جديدة، ولا ترى بالضرورة أنّ انهيار “الحزب” الكامل يخدم مصالحها إذا أدى ذلك إلى إطلاق يد إسرائيل أكثر في المشرق. لذلك فإنّ الطلب الأميركي من دمشق مواجهة “الحزب” قد يربك علاقتها مع تركيا، وهي علاقة تحتاجها سوريا الجديدة بقدر حاجتها إلى القبول الغربي.
الخلاصة أنّ الثمن أكبر من الجائزة. فالمكسب السياسي الخارجي، مهما بدا مغريًا، لا يوازي ما قد تخسره دمشق من استقرار داخلي، وفرص استثمار، وثقة عربية وإقليمية، فضلًا عن سلامة اللاجئين السوريين في لبنان ومشروعها كعقدة للطاقة والترانزيت. وإذا كانت سوريا الجديدة تبحث عن الاعتراف، فطريقه يمر عبر تثبيت الدولة وضبط الحدود وحماية المصالح، لا عبر الترشيح الأميركي للدخول في حرب على “الحزب” أو التحول إلى ساحة في معركة الآخرين.
إقرأ أيضاً: رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟
يبقى السؤال: هل يعود الرئيس الشرع من زيارة واشنطن المرتقبة إلى بيروت بفعل رغبة ترامب؟
الحكمة والتعقل الذي أثبته الشرع امتلاكهما، هو الضمانة الوحيدة لتجنّب الفخ اللبناني.
لمتابعة الكاتب على X:
