طوباويّ جديد للبنان. للمرّة الثانية الطوباويّ ليس راهباً متنسّكاً في محبَسه أو عاملاً في حقله، ولا راهبة متألّمة بصمت في فراشها، إنّما هو بطريركٌ. إنّه البطريرك إلياس الحويّك الذي طوّبه اللبنانيّون زعيماً وطنيّاً، بطريرك لبنان الكبير.
في عام 2010 بدأت التحقيقات في دعوى تطويب البطريرك إلياس الحويّك. بعد تسع سنوات، وتحديداً في 5 تمّوز 2019 وافق البابا فرنسيس على إعلانه مكرّماً (درجة كنسيّة تسبق التطويب). في سنة 2020 قدّمت اللجنة الكنسيّة التي يرأسها المطران خليل علوان دعوى التطويب إلى مجمع دعاوى القدّيسين في الفاتيكان بالاستناد إلى أعجوبة شفاء تحقّقت على يد الحويك في عام 1965. والأعجوبة شرط أساسيّ لإعلان شخصٍ ما طوباويّاً أو قدّيساً، إضافة إلى سيرة حياته. الأعجوبة جرت مع نايف أبو عاصي من طائفة الموحّدين الدروز. كان ضابطاً في الجيش اللبنانيّ ومصاباً بمرض عُضالٍ استعصى على الأطبّاء علاجه. بيد أنّ البطريرك الحويّك شفاه من مرضه. لذا قُبل الملفّ، ثمّ أُجريت التحقيقات الطبّيّة والكنسيّة اللازمة. وأقرّ التقرير بثبوت صحّة الأعجوبة. وعلى أساسها أعلن البابا لاون الرابع عشر البطريرك الحويّك طوباويّاً في الكنيسة الكاثوليكيّة. وسيُقام الاحتفال في الخامس والعشرين من شهر تمّوز الجاري في مقرّ البطريركيّة المارونيّة الصيفيّ في الديمان (قضاء بشرّي)، المطلّ على وادي قنّوبين – وادي القدّيسين.
طوباويّ جديد للبنان. للمرّة الثانية الطوباويّ ليس راهباً متنسّكاً في محبَسه أو عاملاً في حقله، ولا راهبة متألّمة بصمت في فراشها، إنّما هو بطريركٌ
الابن والكاهن
قبل الحديث عن أعمال الحويّك الكنسيّة والوطنيّة، لا بدّ من التوقّف عند سيرته الذاتيّة. وقد ذُكرت بالتفصيل في ملفّ دعوى التطويب المؤلّف من 1,200 صفحة.
ولد منصور (اسمه الأصليّ) في عام 1843 في قرية حِلتا بقضاء البترون. كان الابن البكر لعائلة مؤلّفة من سبعة أولاد. والده الخوري بطرس عبّود الحويّك. تلقّى علومه الأولى في مدرسة دير مار يوحنّا مارون في كفرحَي، وهي مدرسة تحت السنديانة. تابعها في إكليريكيّة غزير المخصّصة لتنشئة الكهنة. لمع الحويّك في دروسه، خاصّة اللغات الأجنبيّة التي أتقنها: اللاتينيّة (لغة دراسة اللاهوت حينذاك) والفرنسيّة، إضافة إلى العربيّة والسريانيّة، فأُرسل إلى روما (1866) لمتابعة دراسة اللاهوت. وهناك سِيم كاهناً في 1870 واتّخذ اسم إلياس.
بعد عودته إلى لبنان درّس الخوري إلياس في مدرسة كفرحَي. وفي عام 1872 استدعاه البطريرك بولس مسعد إلى بكركي وعيّنه أمين سرّ البطريركيّة. استمرّ في عمله 17 عاماً برزت خلالها صفاته الإداريّة ورؤيته الكنسيّة وشخصيّته القياديّة. انتُخب بعدها أسقفاً (1889).
بين باريس وروما
في عام 1895 كلّف البطريرك يوحنّا الحاج المطران إلياس الحويّك إعادة تشييد المدرسة المارونيّة في روما، التي كانت الدولة الفرنسيّة قد صادرتها خلال حملة نابوليون بونابرت. توجّه الحويّك إلى الفاتيكان وطلب المساعدة. لكنّ المسؤولين هناك وضعوا شروطاً كنسيّة وإداريّة لم يقبلها الحويّك للحفاظ على استقلاليّة كنيسته. بعدها توجّه إلى فرنسا حيث جمع التبرّعات من الموارنة الميسورين، وعاد بها إلى روما. هناك اشترى قطعة أرض وشرَعَ في بناء المدرسة المارونيّة الجديدة التي لا تزال حتّى اليوم المقرّ الرسميّ للبطريركيّة المارونيّة في روما.
خلال إقامته في باريس التقى الحويّك ريمون بوانكاريه الذي سيصبح رئيساً للجمهوريّة الفرنسيّة بين عامَي 1913 و1919. نسج علاقات مع كبار المسؤولين الفرنسيّين. لم تفِده هذه اللقاءات في الحصول على المال لبناء المدرسة المارونيّة، إنّما ستفيده تلك العلاقات في إطعام أبنائه خلال المجاعة التي سبّبها حصار السلطنة العثمانيّة على جبل لبنان، وفي المفاوضات من أجل دولة لبنان الكبير في مؤتمر فرساي.
بعد عودته إلى لبنان درّس الخوري إلياس في مدرسة كفرحَي. وفي عام 1872 استدعاه البطريرك بولس مسعد إلى بكركي وعيّنه أمين سرّ البطريركيّة
البطريرك الـ 72
عند وفاة البطريرك يوحنا الحاج (ليلة عيد الميلاد 24 كانون الأوّل 1898) كان المطران إلياس الحويّك في باريس يُكمل مهمّته لإعادة تشييد المدرسة المارونيّة في روما. انتقل سريعاً إلى مرسيليا. ومن هناك أبحر إلى مرفأ بيروت ومنه إلى بكركي. في اليوم التالي شارك في المجمع البطريركيّ لانتخاب البطريرك الجديد. نافسه على المنصب المطران يوسف نجم الذي كانت له علاقات جيّدة مع القناصل الإنكليز. لذلك يعتبر بعض المؤرّخين أنّ المنافسة كانت سياسيّة بين الإنكليز والفرنسيّين الذين تربطهم علاقة جيّدة بالمطران الحويك. بيد أنّ المنافسة لم تكن حادّة داخل المجمع، فانتُخب إلياس الحويّك بطريركاً في الدورة الأولى في 6 كانون الثاني 1899، وأصبح البطريركَ الثانيَ والسبعين في تاريخ الكنيسة. وسيطبع حبريّته حدثان مهمّان.
المجاعة
الحدث الأوّل هو المجاعة التي حصلت في جبل لبنان بسبب الحصار الذي فرضته السلطنة العثمانيّة لمعاقبة المسيحيّين المتعاونين مع الفرنسيّين والإنكليز. حينذاك، رهن البطريرك مقتنيات البطريركيّة إلى الدولة الفرنسيّة للحصول على الأموال لشراء القمح لإطعام الجائعين. وطلب من المؤسّسات الكنسيّة أن تحذو حذوه. وكان أوّل من لبّى الطلب الأباتي إغناطيوس التنّوري، رئيس عامّ الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، فعمد إلى رهن أملاك الرهبانيّة لجمع المال اللازم لشراء القمح وإطعام سكّان جبل لبنان على اختلاف طوائفهم. كانت هذه المجاعة حدثاً مهمّاً سيطبع الفكر الجيوسياسيّ للبطريرك الحويّك، الذي أدرك آنذاك أنّ الجبل بطبيعته الوعرة لن يوفّر الأمن الغذائيّ، لذلك لا بدّ من السهول الزراعيّة. من هنا كان إصراره على أن تشمل خارطة الوطن الجديد سهلَي البقاع وعكّار.
بطريرك لبنان الكبير
الحدث الثاني الذي طبع حبريّة البطريرك الحويّك نهاية الحرب العالميّة الأولى وسقوط السلطنة العثمانيّة سنة 1918. في آب من السنة التالية توجّه البطريرك إلى مدينة فرساي، حيث كان ينعقد مؤتمر الصلح لتقرير مصير المنطقة وتقاسم إرث السلطنة، على رأس وفد ضمّ شخصيّات مسيحيّة متسلّحاً بتفويض من المسلمين والدروز للمفاوضة باسمهم على مشروع الوطن الجديد. هناك واجه البطريرك المشاريع الجيوسياسيّة للقوى الكبرى، وواجه مشروع سوريا الكبرى الذي كان يطمح إليه الأمير فيصل بن الحسين.
أبرز شخصيّات لقاءات البطريرك الحويّك في فرساي كانت رئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو الذي قدّم له مذكّرة خطّيّة تركّز على ثلاثة مطالب: استقلال لبنان، إعادة الأقضية الأربعة (سهل البقاع) والمدن الساحليّة، وضمان الحماية الفرنسيّة المؤقّتة للدولة الجديدة. التقى شخصيّات أخرى مشارِكة في المؤتمر لشرح القضيّة اللبنانيّة. وقد أثمرت جهود البطريرك بأن تعهّدت فرنسا خطّيّاً في تشرين الثاني من عام 1919 بالعمل على مساعدة لبنان لتحقيق استقلاله وإعادة أراضيه السليبة. وهذا ما سيُترجم بعد سنة، وتحديداً في الأوّل من أيلول 1920، بإعلان دولة “لبنان الكبير” من قصر الصنوبر في بيروت.
البطريرك المعلّم
قبل أن يكون أبا الاستقلال الأوّل، كان البطريرك الحويّك رأس الكنيسة المارونيّة، وله فيها إنجازات كبيرة، أبرزها تأسيس راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات في عبرين مذ كان أسقفاً سنة 1895، ومهمّتها الأساسيّة تعليم الفتيات، عملاً بتعليم المجمع المارونيّ الأوّل عام 1736 الذي أقرّ إلزاميّة التعليم ومجانيته للأولاد، فسبق بذلك زمنيّاً العديد من كبرى الدول المتطوّرة. إلى ذلك أسّس المدرسة البطريركيّة في بيروت عام 1921. وأرسل الكهنة والأساقفة لرعاية الموارنة المنتشرين في بلاد الاغتراب. وتوفيّ البطريرك الحويّك، مثل سلفه، ليلة عيد الميلاد عام ١٩٣١.
إقرأ أيضاً: قصّة الشّراكة بين المفتي نجا والبطريرك الحويّك؟
بعد مئة عام…
بعد مئة عام لا يزال عدد من المسيحيّين، وتحديداً الموارنة، يتجادلون في صوابيّة خيار البطريرك الحويّك تأسيس “لبنان الكبير”. يقوِّم بعضهم الحدث انطلاقاً ممّا نعيشه اليوم، والبعض الآخر انطلاقاً من نظريّة قوميّة مارونيّة. ولا يأخذ الاثنان في الاعتبار الواقع الجيوسياسيّ الذي كان قائماً في زمن البطريرك.
اعتاد المطران سمير مظلوم، رئيس المركز المارونيّ للأبحاث والتوثيق، الإجابة على المتشكّكين في خيار “لبنان الكبير” بالقول: “البطريرك إلياس الحويّك عمِل من أجل “لبنان الكبير” آملاً أن يكون أبناؤه كباراً في الحفاظ عليه”.
