فرنسا تخسر آخر معاقلها في الشرق “لبنان”

مدة القراءة 6 د

اجتمع السفيران اللبنانيّ والاسرائيليّ. مرةً واثنين. احتكر الوسيط الأميركيّ رعاية اللقاءات. وغابت عنها فرنسا. غياب لافت وغير مسبوق. سبقه مواقف أبعدت بين باريس من جهة وبين واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.

 

لا داعي للعودة الى العلاقة التاريخيّة بين لبنان وفرنسا. كما لا داعي للتأكيد من جديد على أهميّة بلاد الأرز الجيوسياسيّة بالنسبة للإمبراطورية السابقة كبلد على شرق المتوسط وفي قلب المنطقة العربيّة وحامل الرسالة الفرانكوفونيّة… هذه عوامل مهمّة. ولكن الأهم أن لبنان هو آخر نفوذ فرنسيّ في المنطقة. تحاول الحفاظ عليه. الاجتماعات التمهيديّة للمفاوضات اللبنانيّة – الاسرائيليّة الجارية في واشنطن تؤشّر على خسارتها له. لماذا؟

اجتمع السفيران اللبنانيّ والاسرائيليّ. مرةً واثنين. احتكر الوسيط الأميركيّ رعاية اللقاءات. وغابت عنها فرنسا

فرنسا ولبنان

قبل الإجابة على السؤال من المهمّ التذكير إن فرنسا كانت دائماً حاضرة في الملفات المتعلّقة بلبنان. وكانت واشنطن تأخذ بالاعتبار المصالح الفرنسيّة في بلاد الأرز.

فبعد الاجتياح الاسرائيليّ للبنان شاركت القوّات الفرنسيّة في القوّة المتعدّدة الجنسيات الى جانب القوات الأميركيّة والبريطانيّة والإيطاليّة. كما ساهمت دبلوماسيتها في إنهاء عمليّة “عناقيد الغضب” الاسرائيليّة ضد حزب الله في ١٩٩٦. وشاركت في وضع مسودة القرار الأمميّ ١٥٥٩ بالتنسيق مع الإدارة الأميركيّة في عهد جورج بوش الإبن. كما شاركت في صياغة القرار ١٧٠١ الذي وضع حدّ لحرب ٢٠٠٦.

اقتصادياً عقدت باريس عدّة مؤتمرات لمساعدة لبنان. كان آخرها في نيسان ٢٠١٨. وكانت الإدارات الأميركيّة تشارك في تلك المؤتمرات.

بعد نهاية عهد ميشال عون شاركت فرنسا، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركيّة والسعوديّة ومصر وقطر، في اللجنة الخُماسية لمساعدة لبنان على الخروج من الفراغ الرئاسيّ.

عاملان أساسيان

بالعودة الى غياب فرنسا عن اللقاءات اللبنانيّة – الاسرائيليّة التي تُعقد في واشنطن، ثلاثة عوامل خلف هذا الغياب.

  • سوء العلاقة بين واشنطن وباريس على خلفية عدّة ملفات: مواقف فرنسا من الحرب في غزّة، رفضها المشاركة في مجلس السلام الذي يترأسه دونالد ترامب، قيادة الحراك الدبلوماسي الدوليّ، بالشراكة مع المملكة العربيّة السعوديّة، من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة… أخيراً وليس آخراً عدم تأييد ايمانويل ماكرون للحرب الأميركيّة – الاسرائيليّة على إيران ورفضه تقديم المساعدة لفتح مضيق هرمز، وقيادته، مع كير ستارمر، مبادرة تشكيل تحالف دوليّ لتأمين الملاحة في المضيق بطرق سلميّة!
  • العامل الثانيّ تدهور العلاقة بين باريس وتل أبيب بشكل غير مسبوق وللأسباب ذاتها. مصادر فرنسيّة أفادت أن ايمانويل ماكرون بحاول منذ أسابيع الاتّصال مع بنيامين نتنياهو، ويرفض هذا الأخير الرد الى اتّصالاته. ما دفع الرئيس الفرنسيّ الى الاستعاضة بالاتّصال بنظيره الاسرائيليّ الذي لا سلطة فعليّة له في السياسة الاسرائيليّة. وبحسب مصادر فرنسيّة أيضاً، انتظر جان نويل بارو في الطائرة التي كان تقلّه الى لبنان في زيارته الأخيرة، للحصول على جواب الخارجيّة الاسرائيليّة لزيارة تل أبيب أيضاً.
  • العامل الثالث هو تراجع قوّة فرنسا السياسيّة والدبلوماسيّة في ملفات المنطقة وفي الملف اللبنانيّ تحديداً. حراك ممثّلها في اللجنة الخُماسية كشفه. كان “حركة بلا بركة”. في النهاية لم ينتهِ الفراغ الرئاسيّ إلا بقرار أميركيّ سعوديّ بانتخاب جوزف عون. في حين كانت باريس تسوّق لانتخاب سليمان فرنجيّة.

محاولات الاستلحاق

رغم كل هذه العوامل تحاول فرنسا اليوم استلحاق نفسها للجلوس إلى طاولة المفاوضات اللبنانيّة – الاسرائيليّة. في هذا الإطار تأتي إشادة ماكرون بوقف إطلاق النار واعتباره “ممتازاً”، علماً أنه اتفاق هشّ. يُخرق كل يوم. ويمكن أن يسقط في أي لحظة. ودعا نواف سلام لزيارة باريس واستقبله بحرارة في قصر الأليزيه.

تعامل باريس مع مقتل الجندي الفرنسيّ واتّهام حزب الله، وتبديل خطابها تجاه سلاح الحزب ودعوتها الصريحة الى نزعه بعد أن كانت تساير الحزب وتميّز بين جناحيه السياسيّ والعسكريّ، يندرج أيضاً في إطار محاولتها تحسين علاقتها مع واشنطن وتل أبيب علّها تحجز لها مقعداً على طاولة المفاوضات. ولكن الجانب الاسرائيليّ اتّخذ قراره بعدم قبوله مشاركة فرنسا. وقد عبّر عن هذا الموقف السفير يحيئيل لايتر بالقول إنه “غير ضروريّ”. ولكن أين مصلحة لبنان؟

بعد نهاية عهد ميشال عون شاركت فرنسا، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركيّة والسعوديّة ومصر وقطر، في اللجنة الخُماسية لمساعدة لبنان على الخروج من الفراغ الرئاسيّ

مصلحة لبنان

لا شك أن مصلحة لبنان هي بمشاركة فرنسا في المفاوضات لدعم موقفه الضعيف. ويتمثّل ضعفه هذا في عدّة نقاط:

  • فشله في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة جنوب الليطاني وظهور الفجوة الكبيرة بين قرارات الحكومة اللبنانيّة ومواقف رئيس الجمهوريّة والتنفيذ على أرض الواقع. ما أظهر ضعف الدولة وعدم سيطرتها على مؤسّساتها العسكريّة والأمنيّة وعلى إداراتها، وهي الأذرع التي من المفترض أن تنفّذ قراراتها.
  • احتلال إسرائيل لمئات الكيلومترات في الجنوب وتدمير المنازل فيها وعملها لفرض حزام أمني على طول الحدود بما بات يُعرف بالخط الأصفر. وللتذكير، قبل حرب إسناد إيران، وقبلها حرب إسناد غزّة، كان لبنان يُطالب بمعالجة النقاط الـ ١٣ الخلافية على الحدود مع إسرائيل.
  • الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يعاني منه لبنان منذ العام ٢٠١٩، وحاجته الى مساعدة المؤسّسات الدوليّة التي تسيطر على قرارها واشنطن. كما حاجته الى مساعدات الدول المانحة. ولن يحصل على هذه المساعدات دون موافقة واشنطن.

هل تنجح الجهود الفرنسيّة بحجز مقعد لها على طاولات المفاوضات قبل انطلاقها رسمياً؟ وهل بإمكان لبنان اشتراط مشاركة فرنسا في المفاوضات للجلوس الى الطاولة؟ المسألة تبدو صعبة. وفرنسا هي الخاسرة.

إقرأ أيضاً: تفاوض الضّرورة والبدائل المجرّبة

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Fadi_ahmar

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…