إنّها ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها التفاوض بين لبنان وإسرائيل، بدءاً باتّفاقيّة الهدنة برعاية دوليّة عام 1949، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل عام 2022 برعاية أميركيّة ودوليّة.
شارك لبنان في المفاوضات العربيّة – الإسرائيليّة التي انطلقت في مدريد أواخر عام 1991. ثمّ جاء خروجه من المفاوضات عندما أصبحت جدّيّة، أي بعدما انخرطت سوريا برعاية أميركيّة في التفاوض مع إسرائيل عقب اتّفاق أوسلو، وكادت توقّع معاهدة سلام مع إسرائيل لولا الإصرار الإسرائيليّ على إبقاء بحيرة طبريّة ضمن حدودها، خلافاً لطلب الرئيس حافظ الأسد في اللقاء الأخير الذي جمعه مع الرئيس بيل كلينتون في جنيف عام 2000. سبق ذلك اتّفاق بين سوريا وإسرائيل تناول تفاصيل الترتيبات العسكريّة والأمنيّة والاقتصاديّة في الجولان.
في 1983 جرت مفاوضات بين لبنان وإسرائيل بإشراف أميركيّ أنتجت اتّفاق 17 أيّار الذي سقط لأسباب تخصّ الاتّفاق، وتحديداً لجهة ربط انسحاب إسرائيل بالانسحاب السوريّ، وجرّاء المعارضة الداخليّة وموقف دمشق المناوئ والمدعوم من الاتّحاد السوفيتيّ. في تلك المرحلة، كانت لسوريا الكلمة الفصل في الشأن الإقليميّ في لبنان، ولإسرائيل خيار الانسحاب إلى الجنوب بعد إخراج منظّمة التحرير وفشل الاتّفاق مع لبنان. كانت لأميركا بدورها مصالح محدودة في لبنان، فتحتمّ خروجها بعد استهداف سفارتها وقوّاتها في بيروت. هكذا استعادت سوريا نفوذها وسلّم المجتمع الدوليّ بالأمر الواقع في لبنان.
في 1983 جرت مفاوضات بين لبنان وإسرائيل بإشراف أميركيّ أنتجت اتّفاق 17 أيّار الذي سقط لأسباب تخصّ الاتّفاق، وتحديداً لجهة ربط انسحاب إسرائيل بالانسحاب السوريّ
سوريا في موقع مغاير
أمّا الآن فالأوضاع مختلفة داخل لبنان وخارجه. بدأت المواجهات العسكريّة مع إسرائيل من لبنان عام 1969 على يد التنظيمات الفلسطينيّة، وتواصلت مع جهات لبنانيّة بعد اجتياح 1982، ثمّ حصراً مع “الحزب” في التسعينيّات. بعد التحرير وخروج إسرائيل من الجنوب عام 2000، أعادت إسرائيل احتلال أراضٍ لبنانيّة واعتداءاتها إثر حرب 2023 والحرب الحاليّة. أمّا إيران فتخوض حرباً مع أميركا وإسرائيل، والمسائل الخلافيّة المطروحة تتجاوز لبنان و”الحزب”. هذا وسوريا في موقع مغاير اليوم لذلك الذي كانت فيه سابقاً.
من جهته، بات “الحزب” في حضرة حالتين: خطاب مكرّر تجاوزته الأحداث وتهديد يصل إلى حدّ الحرب الأهليّة والتخوين. مع المواجهات العسكريّة الأخيرة جاءت الخسائر مضاعفة بشريّاً ومادّيّاً. يتكرّر مسار واحد: قبل المواجهات العسكريّة وخلالها يكون “الحزب” هو صاحب القرار، فيما يقتصر دور الدولة على إغاثة المصابين والنازحين، علماً أنّ الدولة بحاجة إلى من ينقذها بعد أزمات متتالية منذ 2019 وحصار متزايد وعدم قدرتها على تنفيذ قرارات حاسمة اتّخذتها في الأشهر الماضية. حلقة مفرغة تواجه الجميع، والخروج منها لا يتمّ بتدوير الزوايا أو بالتأجيل المعهود.
إزاء هذا الواقع المغلق يأتي تفاوض الضرورة مع إسرائيل بعدما جُرّبت البدائل المرتبطة حاليّاً بحرب إقليميّة ودوليّة واسعة وشرسة. الواقع أنّ البدائل باتت غير مجدية أو هي معروفة النتائج والأثمان، فيما الدولة تمثّل حالة وحيدة لا شبيه لها في العالم يصدر قرار السلم والحرب خارج نطاقها.
الخيارات محدودة: إمّا العودة إلى حرب مفتوحة بلا حدود، وإمّا وضع حدّ للجبهة العسكريّة المفتوحة منذ أكثر من نصف قرن، وبالتالي استعادة الاستقرار. أمّا السلام، السقف الأعلى في أيّ مفاوضات مع إسرائيل، فهو غير قابل للصرف خارج سياق التوجّه العربيّ الذي يظلّله الموقف السعوديّ المؤيّد لحلّ الدولتين. قد تشكّل سوريا النموذج الأقرب لجهة الترتيبات الأمنيّة الممكنة.
بات “الحزب” في حضرة حالتين: خطاب مكرّر تجاوزته الأحداث وتهديد يصل إلى حدّ الحرب الأهليّة والتخوين
العداء الموازي: للدولة وإسرائيل؟
في عام 1948 كانت المرّة الأخيرة التي كانت فيها الدولة صاحبة القرار الحصريّ بشأن النزاع العربيّ – الإسرائيليّ. أنتجت ظروف ملائمة اتّفاقيّة الهدنة في 1949 التي اعترفت بالحدود الدوليّة بين لبنان وإسرائيل، خلافاً لاتّفاقيّات الهدنة الأخرى. كانت إسرائيل في بدايات الدولة الناشئة خلافاً لأقصى التطرّف الذي يمارسه نتنياهو اليوم. وكانت موازين القوى الإقليميّة مسألة عربيّة، بينما أميركا في بدايات الحرب الباردة.
لا تقارَن ظروف أواخر أربعينيّات القرن الماضي بمجريات اليوم، حيث المواجهة مرتبطة بطموحات إيران النوويّة، ويقابلها تحالف وثيق بين أميركا وإسرائيل. في إيران الإسلاميّة، بعد أكثر من خمسة وأربعين عاماً من انطلاقها، انتقلت حراسة الثورة إلى حراسة الدولة، وبالتالي إلى مصالح “الحرّاس” الذاتيّة للحماية والسلطة.
تلاشت معادلات الماضي وحلّت مكانها موازين قوى عسكريّة ساحتها الميدان. لإيران مصالح وأولويّات، وكذلك لأعدائها. للبنان الدولة أولويّات غير متطابقة مع سياسات مناوئيها في الداخل والخارج. التساؤل هنا مشروع: هل بات العداء للدولة في لبنان موازياً للعداء لإسرائيل؟ هل التهديد بحرب أهليّة يحصّن لبنان تجاه الأعداء ويحرّر فلسطين؟
جعلت التحوّلات الكبرى في نزاعات المنطقة منذ نحو قرن إلى اليوم، وفي مقدَّمها النزاع العربيّ – الإسرائيليّ، لبنانَ جبهةً رديفة لمصلحة الغير في أحسن الأحوال أو جبهة متروكة لمصيرها في أسوئها، مثلما هي حال غزّة المنكوبة والمحاصَرة. لذلك المطلوب إخراج لبنان من دوّامة العنف بالوسائل المتاحة بدل استحضار الفتن.
إقرأ أيضاً: لماذا لا تستطيع أميركا مغادرة المنطقة؟
ازدواجيّة السّلطة
التفاوض في ظلّ ازدواجيّة السلطة طريق صعب حافل بالمطبّات. أمّا الطريق الأقصر والأجدى والأقلّ كلفة فقوامه تسوية داخليّة. الرهان على الممكن ليس بالأمر السهل، فيما مصارعة المستحيل مغامرة مفتوحة.
الكرة في ملعب الدولة التي تتفاوض مع إسرائيل والملعب بيد سواها، واللاعبون كثر تحرّكهم المصالح والطموحات لا القواعد الواضحة. ولمّا كانت المفاوضات تكشف المستور- المعلوم فقد باتت هي المعضلة والحلّ معاً. يبقى أنّ المسؤوليّة تتطلّب الإقدام على نقل البلاد من أرض معارك بلا أفق إلى واقع لمصلحة لبنان ومكوّناته جميعها.
