لبنان بين إيران وإسرائيل: الدّولة هي الضّحيّة

مدة القراءة 5 د

لم تكن إيران الجهة الإقليميّة الوحيدة التي انخرطت في حروب لبنان، بل سبقتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة وسوريا وإسرائيل ودول أخرى. ولم يكن ممكناً لإيران أن تتمدّد بلا صدام مع الأطراف النافذة في لبنان، لا سيما في الوسط الشيعيّ.

 

منذ أواخر الستّينيّات برز الإمام موسى الصدر رافعاً لواء التصدّي للحرمان وتثبيت المرجعيّة الدينيّة عبر إنشاء المجلس الشيعيّ الأعلى. وأسّس حركة “أمل” ذراعاً عسكريّاً لحركته السياسيّة والمطلبيّة. لكن في كلّ الحالات ظلّت بوصلة الإمام الصدر باتّجاه الانخراط في الدولة.

أمّا “الحزب” فسلك مساراً مغايراً منذ البداية، فكان له ارتباط وثيق بإيران في السياسة والعسكر والدين وتعارض جذريّ مع الدولة ومؤسّساتها. بعد الإعلان الرسميّ لتأسيس “الحزب” عام 1985، وقع الصدام مع القوى الفاعلة في الوسط الشيعيّ، حركة “أمل” واليسار تحديداً. توطّدت العلاقة بين إيران وياسر عرفات قبل الثورة وبعدها، بينما توثّقت بين حركة “أمل” وسوريا. وقعت “حرب المخيّمات” بين حركة “أمل”، مدعومة من سوريا، وأطراف فلسطينيّة موالية لعرفات.

انتهت الحرب عام 1990 وأُقرّ اتّفاق الطائف وتعزّزت العلاقات السوريّة – الإيرانيّة، وبات “الحزب” من دون سواه مولجاً بالتصدّي العسكريّ لإسرائيل في الجنوب. إثر قراره التأقلم مع مستجدّات مرحلة ما بعد الحرب، حصل انشقاق داخليّ وخرج الأمين العامّ الشيخ صبحي الطفيلي من صفوفه. شارك “الحزب” في الانتخابات النيابيّة في 1992 بتكليف شرعيّ من الوليّ الفقيه.

إلى حماية الموقع، جاء توزيع الأدوار بين “أمل” و”الحزب” برعاية طهران ودمشق بعد صدامات عسكريّة مكلفة. هكذا وُضعت المداميك الأولى للثنائيّ الشيعيّ وتوطّدت العلاقة لاحقاً بين الرئيس نبيه برّي والراحل السيّد حسن نصرالله.

مع كلّ حرب منذ 2023 خسر لبنان الأسباب التخفيفيّة التي طالما استند إليها في الماضي. أصبح الجميع في ورطة

تموضع سياسيّ جديد بعد 2000

انطلقت مرحلة أخرى بعد التحرير عام 2000، ثمّ جاء الانسحاب السوريّ عام 2005. سار “الحزب” بتموضع سياسيّ جديد تمثّل في تحالف الضرورة مع قوى 14 آذار في انتخابات 2005. لم يدُم التحالف طويلاً، وسرعان ما حصل تموضع آخر في شباط 2006 جرّاء التقارب بين “الحزب” والعماد ميشال عون الذي استُبعد من التحالف الرباعيّ الذي شهدته الانتخابات النيابيّة ومن الحكومة.

بعد حرب 2006، عزّز “الحزب” قدراته السياسيّة والعسكريّة ووظّفها داخليّاً وخارجيّاً بلا تردّد. أمّا القرار الأمميّ 1701 فبقي حبراً على ورق وأُشبع انتهاكاً من الطرفين. في حرب نهر البارد بين الجيش اللبنانيّ و”فتح الإسلام”، اعتبر “الحزب” أنّ دخول المخيّم “خطّ أحمر”. وفي المنطقة، وسّع “الحزب” حضوره العسكريّ، لا سيما في اليمن والعراق، بالتنسيق مع إيران. ثمّ جاءت أحداث 7 أيّار 2008 والصدام بين “الحزب” ومناصريه وبين أطراف أخرى في بيروت وخارجها بعدما اتّخذت الحكومة قرارات تصيب “الحزب” وقدراته. انتهت الأزمة باتّفاق الدوحة الذي أرسى قواعد مخالِفة للدستور وأعطى “الحزب” موقع نفوذ فاعل.

لبنان

بعد هدنة طويلة في الجنوب منذ عام 2006، أطلق “الحزب” حرب إسناد في 2023 دعماً لـ”حماس” في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى”. لكن هذه المرّة بدّلت إسرائيل قواعد الاشتباك واغتالت قادة “الحزب” وأبرز كوادره في 2024 واستعادت الاحتلال. ثمّ اندلعت حرب بين أميركا وإسرائيل وبين إيران في 2026، وانخرط “الحزب” مجدّداً بالحرب بإشراف الحرس الثوريّ بعد اغتيال الوليّ الفقيه عليّ خامنئي.

لم تكن إيران الجهة الإقليميّة الوحيدة التي انخرطت في حروب لبنان، بل سبقتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة وسوريا وإسرائيل ودول أخرى

في السنوات الماضية، لم يعد التموضع مجدياً مع تلاشي المسافة الفاصلة بين “الحزب” والدولة التي كان “الحزب” حريصاً عليها في البدايات. لم تعد المعضلة خافية، إذ لا يستطيع “الحزب” أن يحلّ مكان الدولة بالكامل، فيما يريد الحفاظ على حركته العسكريّة خارج نطاق الدولة لكن بتأييد منها. لم يعد ذلك متاحاً بعدما بات على الدولة، بقيادتها الجديدة منذ مطلع 2025، أن تستعيد دورها المغيّب منذ أكثر من نصف قرن، لا سيما بعدما تبدّلت المعادلات الإقليميّة والدوليّة.

مأزق مزدوج

اتّخذت الحكومة قرارات حاسمة تعامل معها “الحزب” كأنّها غير موجودة، وأخذ التخوين مداه في الاتّجاهات كافّة. هكذا بدا المأزق مزدوجاً: لا قدرة عسكريّة لـ”الحزب” على ردع إسرائيل وفرض انسحابها، ولا قدرة للدولة على فرض قراراتها على “الحزب”. أمّا البديل فهو أمر واقع الاحتلال والاعتداءات، ومفاوضات بين لبنان وإسرائيل بدعم أميركيّ، بينما أميركا منشغلة بأولويّة التسوية مع إيران.

مع كلّ حرب منذ 2023 خسر لبنان الأسباب التخفيفيّة التي طالما استند إليها في الماضي. أصبح الجميع في ورطة: حزب يخوض حرباً متحدّياً الدولة، ودولة محاصَرة بمعادلات حروب سواها. هكذا بات تعامل إسرائيل مع لبنان وكأن لا دولة فيه، وهو مثيل تعامل “الحزب” وإيران مع الدولة في لبنان. تسود دوّامة عنف بلا مخارج، وبأثمان باهظة تصيب الناس بالتهجير الجماعيّ والاقتصاد.

إقرأ أيضاً: مذكّرة التّفاهم: فرصة لـ”الحزب” أم لإسرائيل؟

الواقع أنّ ما كان ممكناً قبل أشهر لم يعد متاحاً اليوم. أصبحت طريق الحلول مرتبطة بموازين القوى العسكريّة في الداخل وعلى المستويَين الإقليميّ والدوليّ. أمّا الثابت فهو الضحيّة: لبنان دولةً ومجتمعاً وإنساناً مرّة جديدة مكرّرة.

مواضيع ذات صلة

شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر…

الرباعيّ الإقليميّ: أقل من حلف وأكثر من تفاهم..

لا تكمن أهميّة الاجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة…

إيران في المحور الأميركيّ؟

ما نشهده اليوم هو أكثر من جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران. إذ توحي المؤشّرات المتراكمة بأنّ المنطقة أمام إعادة تموضع استراتيجيّة كبرى، عنوانها…

الردع الباكستاني.. مظلةٌ للسعودية أم مظلةٌ لإيران؟

يتّضح خلال الأسبوع الأخير تقاربٌ لافتٌ وغير مريح في الخطاب الاستراتيجي الباكستاني-الأميركي، على حساب أمن ومصالح دول مجلس التعاون.   فبعد ستة أيام فقط من…