تحوّلات إيران وظرفيّة “وحدة السّاحات”

مدة القراءة 6 د

تحوّلات غير مسبوقة وبوتيرة سريعة يشهدها الشرق الأوسط جرّاء الحروب المتتالية وكثرة أطرافها ودوافعهم المختلفة. ربّما أبرز تجلّياتها أحداث إيران، وما لذلك من تداعيات على مسار العلاقات مع الولايات المتّحدة ودول المنطقة.

 

مع الصفويّين انتقلت إيران مطلع القرن السادس عشر إلى الشيعيّة الاثني عشريّة. في عام 1925 انطلق حكم رضا بهلوي الذي أسّس سلالة ملكيّة سقطت مع نظام الشاه محمّد رضا عام 1979 إثر اشتداد الاستبداد وتعاظم دور الجاه والمال.

سار الحكم البهلويّ بالدولة الوطنيّة المرتبطة بالمعسكر الغربيّ وبَسَط النفوذ الإقليميّ بحدود الممكن، لا سيما بعد الصدام مع رئيس الحكومة محمّد مصدّق مطلع الخمسينيّات وإزاحته بدعم أميركيّ وبريطانيّ. أقامت إيران علاقات طبيعيّة مع دول الخليج والمحيط العربيّ وتركيا، وخصّت إسرائيل بعلاقات مميّزة. تواصل الصدام مع العراق، إلى حين اتّفاق الجزائر عام 1975، بعدما أوقفت طهران دعمها للأكراد مقابل تسوية مرحليّة مع حزب البعث الحاكم في العراق.

كان الإمام الخمينيّ من موقعه الدينيّ النافذ أحد أبرز معارضي نظام الشاه لزمن طويل. أُخرج من البلاد منتصف الستّينيّات واستقرّ في النجف في العراق لسنوات، ثمّ انتقل إلى فرنسا عام 1978. عاد الإمام الخمينيّ إلى بلاده منتصراً في شباط 1979، قائداً مؤثّراً وبتأييد شعبيّ واسع. انهار نظام الشاه وأصبحت سيطرة الخمينيّ ومناصريه كاملة، خصوصاً بعد إزاحة معارضي نظام الشاه من خارج الوسط الإسلاميّ، الليبراليّين واليسار.

مع الإمام الخمينيّ على رأس السلطة، حصل دمج غير مسبوق بين القوميّ والدينيّ، وباتت إيران دولة فارسيّة وثورة إسلاميّة في آن. لم يحصل هذا التقاطع في أيّ من دول المنطقة، ولا في أيّ من الثورات الحديثة التي غالباً ما تبنّت العلمانيّة أو الإلحاد.

سرعان ما اصطدمت إيران بالمملكة السعوديّة ومصر ودول عربيّة أخرى ووصلت العلاقات إلى حدّ القطيعة

تصدير الثّورة

تحرّكت الجمهوريّة الإسلاميّة وفق استراتيجية واضحة المعالم والأهداف، ولم تتأخّر “بتصدير الثورة” عبر التمدّد العسكريّ والسياسيّ والدينيّ. كانت البداية في لبنان، حيث الحرب مشتعلة، فتمّ إنشاء “الحزب” الموالي للإمام الحاكم، الوليّ الفقيه. استفادت إيران في العراق من ظروف مؤاتية عقب الاجتياح الأميركيّ عام 2003 الذي فتح البلاد للنفوذ الإيرانيّ العسكريّ والسياسيّ والدينيّ. مع سوريا، أقامت إيران تحالفاً استراتيجيّاً خدم مصالح الطرفين، وخلال الحرب الأهليّة دعمت طهران نظام الأسد بالسلاح والمال.

سرعان ما اصطدمت إيران بالمملكة السعوديّة ومصر ودول عربيّة أخرى ووصلت العلاقات إلى حدّ القطيعة. وحصلت مواجهة في البحرين استدعت تدخّلاً عسكريّاً بقيادة سعوديّة. إلى ذلك، وقعت حرب اليمن فوقع صدام بين إيران والمملكة السعوديّة ومناصري الطرفين. في المقابل، حافظت إيران على علاقات مفيدة مع دولة الامارات، وإن احتلّت جزرها الثلاث وأقامت قاعدة عسكريّة في إحداها.

على الساحة الفلسطينيّة العلاقات متحرّكة. قبل عام 1979، درّبت “فتح” أنصار الخمينيّ في لبنان. بعد الثورة، حلّت سفارة فلسطين مكان سفارة إسرائيل في طهران. تراجعت العلاقات مع ياسر عرفات خلال الحرب العراقيّة – الإيرانيّة إلى حدّ القطيعة بعد اتّفاق أوسلو الذي عارضته إيران ودعمت مناوئيه، حركتَي الجهاد الإسلاميّ وحماس. سعت إيران إلى موقع نفوذ في فلسطين وليس إلى حرب مفتوحة أرادتها حركة حماس إثر “طوفان الأقصى” الذي فتح الباب لحربَي غزّة ولبنان، وبالتالي للمواجهة المباشرة مع إيران.

إيران

تجاوزت طموحات الجمهوريّة الإسلاميّة حدود المنطقة لتصل إلى “الشيطان الأكبر” (أميركا). لكنّ ثمّة فارقاً كبيراً بين طموحات إيران النوويّة زمن الشاه بالتعاون مع الدول الكبرى وبين القدرات النوويّة والصواريخ الباليستيّة التي طوّرتها إيران الإسلاميّة. إذا افترضنا أنّ للسلاح النوويّ وظيفة معيّنة، هي إرساء توازن رعب كما هي الحال بين الكوريّتين أو بين الهند وباكستان، فما وظيفة السلاح النوويّ بيد نظام يحكمه نائب الإمام الغائب وفق عقيدة دينيّة؟

مع الإمام الخمينيّ على رأس السلطة، حصل دمج غير مسبوق بين القوميّ والدينيّ، وباتت إيران دولة فارسيّة وثورة إسلاميّة في آن

واقعيّة الخمينيّ وتشدّد خامنئي

المفارقة أنّ الإمام الخمينيّ سار بخيارات واقعيّة خلال الحرب مع العراق وبتسوية لإنهائها في 1988، فيما سلك خليفته الإمام خامنئي طريق المواجهة مع تعاظم نفوذ الحرس الثوريّ ورهانات القوّة في الداخل وتجاه الخارج. بعد أكثر من خمسة وأربعين عاماً من السلطة الكاملة، عادت إيران إلى حيث كانت عشيّة سقوط نظام الشاه: فقر وقمع ومعارضة شعبيّة واسعة.

استطاعت إيران أن تطوّر قدرات عسكريّة وازنة على الرغم من الحصار والاستهداف، إلّا أنّها أصبحت مهدِّدة، وبالتالي مهدَّدة. فائض القوّة في المنطقة شيء وطموحات تبديل موازين القوى الدوليّة شيء آخر. هكذا قدّمت إيران الأسباب الموجبة لتحصين التحالف بين أميركا وإسرائيل، علماً أنّ التباين كان قائماً بداية بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.

يثبت التفاوض الراهن بين واشنطن وطهران برعاية باكستان أولويّات الطرفين، وكذلك الفصل العمليّ بين غايات أميركا وإسرائيل تجاه إيران والمنطقة، لا سيما في لبنان. المواجهة في لبنان بين إسرائيل و”الحزب” لها خصوصيّة تشمل الأمن والجغرافيا وتجارب الميدان. انسحبت إسرائيل من لبنان عام 2000 واستعادت الاحتلال أخيراً في ظلّ ظروف مؤاتية.

إقرأ أيضاً: لماذا لن تتوقّف الحرب الإسرائيليّة؟

بعد “طوفان الأقصى” بدّلت إسرائيل قواعد الاشتباك في لبنان، وانطلقت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة، ومن تداعياتها استعادة “وحدة الساحات”، لكن لأغراض ظرفيّة ومحدّدة. الواقع أنّ التباين بين دوافع ترامب ونتنياهو وغاياتهما تجاه إيران بات أكثر وضوحاً وتباعداً. تسود “وحدة ساحات” عند الحاجة. أولويّات إيران الدولة تتصدّر هموم حكّامها، فيما جبهة لبنان مشتعلة ما دامت أسبابها قائمة بمعزل عن التسويات.

مواضيع ذات صلة

عزيزي السّيّد وحيدي.. الغرور مقبرة الإمبراطوريّات!

حتّى ليلة السابع من حزيران 2026، ليلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، كانت إيران “منتصرة“ لأنّها صمدت وأفشلت أهداف الحرب. بقي النظام بما بقي من نوويّه…

استقلال المفاوض اللّبنانيّ: تقدير سعوديّ وتفهّم أميركيّ؟

تداعيات سياسيّة كثيرة يمكن أن تنجم عن إثبات الحكم اللبنانيّ استقلاليّة قراره عن إيران في مفاوضاته مع إسرائيل، خلافاً لربطه السابق سواء بنظام الحكم الأسديّ…

من سايروس إلى ترامب: أسطورة التكليف الإلهي

يروي الإنجيل المقدس في القسم 45 من كتاب النبي إشعيا، كيف أنّ الله اختار الملك سايروس، ملك إيران – وكان ملحداً – للقيام بمهمة دينية…

ما علاقة دمشق بمسيّرات “الفايبر أوبتيك”؟

لم يخفِ الرئيس الأميركيّ حماسته لانخراط دمشق والرئيس السوريّ أحمد الشرع في الحرب ضدّ “الحزب”، وهو يعلم أنّ سوريا لن تلبّي طلبه التدخّل عسكريّاً، فيما…