الزيديّ في طهران: طموح الدّور وحقائق الإقليم

مدة القراءة 7 د

زيارة رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ إلى العاصمة الأميركيّة واشنطن، تلبيةً لدعوة من الرئيس دونالد ترامب، لم تكن زيارة روتينيّة عابرة، بل بداية لمرحلة جديدة من تاريخ العراق السياسيّ، ولا سيما أنّها تأتي في لحظة مفصليّة تمرّ بها منطقة غرب آسيا عامّة، والشرق الأوسط تحديداً.

 

أن تكون زيارة الزيدي لواشنطن أولى محطّات زياراته الخارجيّة يعني أنّ تحوّلاً قد حصل في الموقف الأميركيّ ولدى الرئيس ترامب، الذي لم يتعامل مع سلفه بالأسلوب نفسه، ولم يحدّد له موعداً لزيارة واشنطن. فاللقاء الوحيد الذي جمع بين ترامب ومحمّد شياع السوداني لم يكن في البيت الأبيض، بل على هامش مؤتمر سلام غزّة الذي عقد في شرم الشيخ عام 2025. وتراجعت قنوات التواصل بين واشنطن وبغداد إلى مستوى عمل الموفدين الخاصّين للبيت الأبيض، من مارك سافايا وصولاً إلى توم بارّاك، الذي يُعدّ المهندس الأساسيّ لزيارة الزيدي وواضع أطر جديدة للعلاقة والتعاون بين البلدين بقيادته.

قدّم الزيدي، الذي عاد من واشنطن حاملاً تأييداً غير مسبوق من الإدارة الأميركيّة وترامب شخصيّاً، أوراق اعتماده شريكاً وحليفاً يمكن التعاون معه في سياق يخدم الأهداف الاستراتيجيّة للإدارة الأميركيّة في المنطقة، بما يمنحه إمكانيّة القيام بدور فاعل وإيجابيّ في ما يتعلّق بأزمات الشرق الأوسط ومعادلاته الجديدة التي أنتجتها الحرب مع إيران، وما أدّت إليه من إضعاف حلفاء طهران في الإقليم.

على غرار أسلافه، لم يتخلَّ الزيديّ عن الطموح الذي راود جميع القادة العراقيّين في لعب دور على مستوى أزمات الشرق الأوسط، وإعادة العراق إلى واجهة التأثير، ولعب دور محوريّ في حلّ النزاعات، بما يعزّز موقعه السياسيّ والجيوسياسيّ في المعادلات الإقليميّة.

يبدو من الصعب معرفة حجم الرضى الإيرانيّ عنها وعن السياسات التي يعتمدها الزيديّ في علاقاته مع الولايات المتّحدة الأميركيّة ودول الإقليم

دور عراقيّ إقليميّ؟

من هنا، تأتي أهميّة الزيارة التي من المفترض أن يقوم بها الزيديّ للعاصمة الإيرانيّة طهران يوم غدٍ الخميس 23 تمّوز الجاري، مباشرة بعد محطّته القطريّة التي زارها أثناء عودته من واشنطن، والتي يمكن فهمها في إطار مساعي بغداد للقيام بدور يساعد في تخفيف التوتّر وإبعاد شبح حرب جديدة في المنطقة، وما قد تحمله من ارتدادات سلبيّة على المعادلات الداخليّة العراقيّة.

يسعى الزيدي في زياراته لطهران إلى تقريب وجهات النظر بين طرفَي الصراع، وإلى اختبار إمكانية أن تكون بغداد مكاناً جديداً لاستضافة أيّ حوارات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين الأميركيّ والإيرانيّ. ويعزّز توقيتها، بعد زيارتَي واشنطن وقطر، الاعتقاد بأنّ رئيس حكومة العراق قد حصل على ضوء أخضر من إدارة البيت الأبيض للقيام بهذه الزيارة واختبار إمكانيّة لعب دور إيجابيّ.

الزيديّ

أمّا الجانب الإيرانيّ فمن المتوقّع أن يتعامل مع هذه الزيارة في حدود الاستماع إلى الرسائل الأميركيّة التي يحملها الزيديّ، وإعادة تأكيد طهران مواقفها المرتبطة بالتعامل مع الساحة العراقيّة، وكيفيّة إدارة مصالحها السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والماليّة في هذا البلد، ولا سيما أنّ طهران قد تتوقّف كثيراً عند مسألة غياب الحكومة العراقيّة، أو من يمثّلها رسميّاً، عن مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي، في حين شارك كلّ من رئيس الجمهوريّة نزار آميدي ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، إلى جانب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني. ولم تسمح عودة الضربات الأميركيّة للزيديّ بتوظيف زيارة الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي لعقد لقاءات على هامش تشييع خامنئي في النجف وكربلاء، بعدما اضطرّ بزشكيان إلى العودة سريعاً إلى طهران.

على غرار أسلافه، لم يتخلَّ الزيديّ عن الطموح الذي راود جميع القادة العراقيّين في لعب دور على مستوى أزمات الشرق الأوسط

وساطة محدودة

من ناحية أخرى، قد لا ترغب طهران في توسيع دائرة الوسطاء، ولا سيما مع تزايد المؤشّرات إلى وجود جهود يبذلها الوسيط الباكستانيّ لإعادة إحياء مسار إسلام آباد ومذكّرة التفاهم التي سبق التوقيع عليها. وربّما زيارة وزير الداخليّة الإيرانيّ إسكندر مؤمني، الذي يُعدّ عضواً أساسيّاً وفاعلاً في الفريق الإيرانيّ المفاوض، لإسلام آباد لا تقتصر على بحث العلاقات الثنائيّة، بل تشمل أيضاً بحث آليّات إعادة تفعيل المسار التفاوضيّ. وهو ما قد يعني أنّ أيّ إيجابيّة إيرانيّة تجاه منح بغداد هامشاً للتحرّك لن تكون على غرار الدور الذي لعبته سابقاً في المفاوضات النوويّة عام 2012، بل ستكون أقرب إلى الدور الذي لعبته في الحوار الإيرانيّ – السعوديّ خلال عامَي 2021 و2022، أي الاقتصار على الاستضافة من دون التخلّي عن دور الوسيط أو الوسطاء الأساسيّين أو تجاوزهم.

لم تعارض طهران، التي تتعامل بحذر مع طموحات الزيديّ، مبدأ الحياد الذي أعلنه وتبنّاه، كما فعل أسلافه، في الصراعات الإقليميّة والدوليّة، وتحديداً بين الولايات المتّحدة وإيران. وقد تتطلّع القيادة الإيرانيّة إلى أن يكون للعراق دور وموقع في أيّ معادلة سياسيّة وجيوسياسيّة مستقبليّة في منطقة غرب آسيا، إلى جانب تركيا والمملكة السعوديّة ومصر وقطر وباكستان، إلّا أنّها تتعامل بحذر مع مخرجات ونتائج زيارة الزيدي لواشنطن، وانعكاساتها على الإقليم وعلى موقع ودور إيران فيه.

أبعاد أوراق الاعتماد الأميركيّة

انطلاقاً من هذه المحاذير، تنظر طهران إلى أبعاد وتداعيات أوراق الاعتماد التي حملها الزيدي معه إلى واشنطن، وكيفيّة انعكاس تطبيقها وتنفيذها على المعادلات الإقليميّة. وقد توزّعت هذه الأوراق على ثلاثة محاور رئيسة هي:

1- التعاون الأمنيّ والعسكريّ، بما يشمله من سياسة حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الفصائل والميليشيات المسلّحة، ولا سيما تلك التي تشكّل رأس حربة النفوذ الإيرانيّ على الساحة العراقيّة، ومنها إلى سائر مناطق التوتّر في الإقليم.

زيارة رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ إلى العاصمة الأميركيّة واشنطن، تلبيةً لدعوة من الرئيس دونالد ترامب، لم تكن زيارة روتينيّة عابرة

2- التعاون الاقتصاديّ، وما تضمّنه من توقيع أكثر من خمسين اتّفاقيّة ومذكّرة تفاهم في مجالات اقتصاديّة تشمل قطاعات النفط، المال، المصارف، الكهرباء، الاتّصالات، البتروكيميائيّات، التجارة، الصناعة، ومصافي تكرير الغاز، إضافة إلى تحويل 500 ألف برميل من النفط العراقيّ يوميّاً للمساعدة في ترميم المخزون الاستراتيجيّ الأميركيّ من النفط.

3- التعاون الجيوسياسيّ، الذي يلعب دوراً محوريّاً في إعادة رسم خريطة النفوذ الأميركيّ في المنطقة، ويجعل العراق لاعباً أساسيّاً في خريطة الطاقة الدوليّة، من خلال العمل على تنفيذ خطوط أنابيب جديدة من البصرة باتّجاه تركيا، سوريا، والأردن لاحقاً.

إقرأ أيضاً: الزّيديّ بعد واشنطن: دقّت ساعة الحشد

على الرغم من أهمّيّة توقيت هذه الزيارة وما قد ينتج عنها في مسار العلاقة بين بغداد وطهران خلال المرحلة المقبلة، يبدو من الصعب معرفة حجم الرضى الإيرانيّ عنها وعن السياسات التي يعتمدها الزيديّ في علاقاته مع الولايات المتّحدة الأميركيّة ودول الإقليم. ذلك أنّ ميزان الرضى الإيرانيّ كان في الماضي يعتمد على أن تتضمّن الزيارة لقاءً مع المرشد الأعلى، الذي يصادق على ما يتمّ التوافق عليه. وفي ظلّ صعوبة عقد لقاء مع المرشد الجديد، فمن المتوقّع أن تحمل الزيارة تأكيداً لأهميّة تعزيز التعاون الرسميّ بين الدولتين عبر القنوات الرسميّة والدبلوماسيّة، من دون التطرّق إلى أيّ علاقات أخرى، ما دامت طهران لم تصل بعد إلى نقطة النهاية في التوصّل إلى اتّفاقيّة واضحة وقابلة للحياة والتطبيق مع واشنطن.

مواضيع ذات صلة

النّوويّ السّعوديّ: شراكة القلق بين إيران وإسرائيل

فيما يحتدم التفاوض بالنار على البرنامج النوويّ الإيرانيّ، يسجّل البرنامج النوويّ السعوديّ اختراقاً أساسيّاً، ليقترب من أن يصبح أوّل برنامج في الشرق الأوسط يتمّ فيه…

كيف تعمل واشنطن على تحرير “الهلال” الإيراني؟

تعمل الولايات المتّحدة بهدوء ودأب لتقليص النفوذ الإيرانيّ في العراق وسوريا ولبنان. هو ذلك القوس الذي أطلق عليه العاهل الأردنيّ عبدالله الثاني عام 2004 اسم…

زيارة عون لواشنطن التّاريخيّة: مظلّة سعوديّة لعودة الدّولة

ينتقل لبنان إلى مرحلة جديدة من خلال الزيارة التاريخيّة لرئيس جمهوريّته العماد جوزف عون لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اليوم. ما سيحصده لبنان من…

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

ليست هذه العبارة لي بل لأبي الحسن بني صدر أوّل رئيس للجمهوريّة بإيران. وهي عبارةٌ مأزقيّة إذ قالها عندما كان يخطّط للهرب من الخمينيّ ومن…