يقود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أكبر حملة لمكافحة الفساد منذ عام 2003، فهل تمثل الإقالات الواسعة التي باشرها مدخلاً لإعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة، أم أنها مجرد خطوة ظرفية تسبق زيارته المرتقبة إلى واشنطن؟ وهل يستطيع الذهاب إلى النهاية في ملف الفساد والسلاح المنفلت، أم أن موازين القوى الداخلية ستضع حدوداً لمشروعه؟
حتى وقت قريب، كان النقاش السياسي في العراق يتركز على مدى جدية رئيس الوزراء علي الزيدي في استكمال حملة التغييرات التي بدأها داخل مؤسسات الدولة، بعدما طالت شخصيات اعتُبرت لسنوات من ركائز النظام الإداري والسياسي والأمني. وشملت هذه الإجراءات إقالة محافظ البنك المركزي علي العلاق، ونقل مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي إلى موقع مستشار أمني لرئيس الوزراء، إضافة إلى نقل أبو علي العسكري من جهاز الأمن الوطني إلى هيئة النزاهة.
لكن السؤال الأبرز الذي تصدّر المشهد العراقي والإقليمي تمحور حول خلفيات هذه القرارات: هل جاءت استجابة لضغوط أميركية، تمهيداً للزيارة التي يعتزم الزيدي القيام بها إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منتصف الشهر المقبل؟
زادت هذه الفرضية قوة بعدما جاءت حملة التغييرات عقب الزيارة الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص توم باراك إلى بغداد ولقائه رئيس الوزراء.
من المنتظر أن تستكمل الحكومة هذه الخطوات بملء الحقائب الوزارية الشاغرة، وفي مقدمتها وزارتا الداخلية والدفاع، بما يمنح الحكومة بنية سياسية أكثر تماسكاً قبل زيارة واشنطن، التي يُتوقع أن تشكل محطة مفصلية في العلاقات الثنائية، سواء على المستوى الاقتصادي والمالي، أو في مجالات التعاون الأمني والعسكري.
ترى واشنطن أن تنفيذ هذه الإجراءات سيكون المدخل الحقيقي لمرحلة جديدة من التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي مع بغداد، وأن زيارة الزيدي المرتقبة إلى البيت الأبيض ستشكل الاختبار الأهم
الشرارة التي أطلقت معركة الفساد
وسط أجواء الترقب والشكوك بشأن قدرة الزيدي على تنفيذ إصلاحات حقيقية، جاءت قضية الرشوة التي تورط فيها وكيل وزير النفط لشؤون التصفية ومدير عام مصافي الشمال ومصفاة بيجي، عدنان محمد حمود الجميلي، لتشكل نقطة تحول كبرى.
فبحسب التحقيقات، حاول الجميلي شراء قرار من رئيس الوزراء لإغلاق ملف تحقيق يتعلق باختلاسات في وزارة النفط، عبر وسيط عرض مبلغ 200 مليون دولار كدفعة أولى، على أن يصل إجمالي الرشوة إلى نحو 600 مليون دولار.
أمام الوقائع التي وُضعت بين يديه، أحال الزيدي الملف إلى القضاء، الذي تحرك سريعاً وأوقف الجميلي مع زوجته وشقيقتها بعدما ضُبطوا أثناء محاولة إحراق ملايين الدولارات ومليارات الدنانير قبل وصول القوة الأمنية إلى منزلهم.
تسببت الاعترافات التي أدلى بها المتهمون في فتح ملفات جديدة، بعدما كشفت أسماء شخصيات متورطة في شبكات فساد امتدت لسنوات، ما وضع رئيس الوزراء أمام اختبار جدي في ملفي مكافحة الفساد والسلاح المنفلت، وهما الملفان اللذان تتابعهما واشنطن عن كثب، وهو ما عكسته أيضاً اللائحة التي حملها توم باراك إلى بغداد.
كما كشفت قيمة الرشوة غير المسبوقة حجم الفساد والنهب المنظم الذي طال موارد الدولة العراقية، وهو واقع لم يكن غريباً على الزيدي، بحكم خبرته السابقة كمستثمر واطلاعه على آليات إدارة الاقتصاد العراقي، الأمر الذي جعله يعتبر أن لا خيار أمامه سوى الذهاب بعيداً في مواجهة منظومة الفساد.
في المقابل، تبدو مهمة الزيدي أكثر تعقيداً في ملف الفصائل المسلحة، سواء المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي أو خارجها، في ظل رفض بعض القوى تسليم أسلحتها أو تفكيك تشكيلاتها العسكرية وإخضاعها بالكامل لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
رغم هذه التعقيدات، فإن الإجراءات التي اتخذها في ملف الفساد بدت غير مسبوقة مقارنة بمن سبقه، بعدما طالت الاعتقالات شخصيات محسوبة على رؤساء حكومات سابقين وقيادات حزبية نافذة من مختلف المكونات العراقية.
تشير طبيعة الأسماء التي أُوقفت إلى أن عدداً كبيراً منها ينتمي إلى الدائرة المقربة من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ومن بينهم مستشاره العسكري الفريق عبد الكريم السوداني، في حين نُفي توقيف شقيقه عباس السوداني، بالتزامن مع تداول معلومات عن احتكاكات بين جهاز مكافحة الإرهاب وعناصر حماية السوداني داخل المنطقة الخضراء.
تُعد قضية الرشوة التي بادر إليها الجميلي نقطة الانطلاق لتفكيك منظومة فساد تراكمت خلال العقدين الماضيين، فيما تشير التقديرات إلى أن الأموال التي تمت مصادرتها قد تتجاوز قيمة الأموال المرتبطة بما عُرف بـ”سرقة القرن” الخاصة بأموال الأمانات الضريبية، والتي كُشف عنها في نهاية حكومة مصطفى الكاظمي، قبل أن تكتفي حكومة السوداني بعقد تسوية مع المتهم الرئيسي نور زهير واستعادة جزء محدود من الأموال.
بالتنسيق مع رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس محكمة التمييز الاتحادية فائق زيدان، ورئيس هيئة النزاهة محمد علي اللامي، وبالتعاون مع رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، تمكن الزيدي من إسقاط الحصانة عن عدد من النواب مستفيداً من نص قانوني يجيز ذلك خلال العطلة التشريعية بتوقيع رئيس البرلمان أو نائبه فقط.
أفضى ذلك إلى توقيف وزيرة المالية السابقة طيف سامي بعد العثور على مبالغ نقدية كبيرة داخل منزلها، إضافة إلى اعتقال نحو اثني عشر نائباً في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية، معظمهم من أعضاء تحالف الإعمار والتنمية الذي يتزعمه السوداني، مع استرداد بعض المطلوبين من إقليم كردستان بعد فرارهم إلى أربيل.
كما شملت الحملة توقيف رئيس تحالف عزم مثنى السامرائي، أحد أبرز المرشحين لرئاسة مجلس النواب، وملاحقة قادة في الفصائل المسلحة، بينهم يزن مشعان الجبوري، فيما تعذر توقيف النائب والقيادي في كتائب حزب الله حسين مؤنس بعد تواريه عن الأنظار، إضافة إلى ملاحقة النائبة عالية نصيف التي عُرفت بخطابها الداعي إلى مكافحة الفساد.
تبدو مهمة الزيدي أكثر تعقيداً في ملف الفصائل المسلحة، سواء المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي أو خارجها، في ظل رفض بعض القوى تسليم أسلحتها أو تفكيك تشكيلاتها العسكرية
الاختبار الحقيقي في ملف السلاح؟
تجري عملية تفكيك شبكات الفساد ومحاكمة المتهمين بمشاركة فريق من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، إضافة إلى تعاون مع الشرطة الدولية “الإنتربول” لملاحقة الفارين خارج العراق واستعادتهم.
تشير المعلومات إلى أن التحقيقات تشمل أكثر من ستين شخصية من الصف الأول، بينهم وزراء سابقون، ونواب حاليون وسابقون، ومديرو مؤسسات حكومية ووكلاء وزارات وقادة أحزاب سياسية.
كما حملت هذه الإجراءات رسائل واضحة إلى رؤساء سلطات سابقين، مع الحديث عن إمكانية ملاحقتهم إذا أثبتت التحقيقات تورطهم المباشر في ملفات فساد، ومن بينهم محمد شياع السوداني، إضافة إلى محمد الحلبوسي الذي يواجه اتهامات تتعلق بتهريب ملياري دولار نقداً إلى إحدى الدول المجاورة، مع معلومات عن سحب صلاحياته الأمنية.
في موازاة ذلك، حصل الزيدي على دعم من قوى الإطار التنسيقي وعدد من القيادات السياسية، بعدما أكد أنه لا يعتزم خوض الانتخابات المقبلة أو تأسيس حزب سياسي، مشدداً على أن حملة مكافحة الفساد لن تتوقف وأنه لا حصانة لأي متورط.
غير أن اللافت أن المرحلة الأولى من الحملة ركزت بصورة أساسية على ملفات النفط والكهرباء، ما أثار تساؤلات حول ارتباطها بالأجندة الاقتصادية للزيارة المرتقبة إلى واشنطن.
فالبرنامج الاقتصادي يتضمن عقوداً مع شركات أميركية كبرى، من بينها “شيفرون” لتطوير حقول غرب القرنة 2 والناصرية، و”TI Capital” لإعادة تشغيل وتطوير خط أنابيب كركوك – بانياس بهدف إيصال النفط العراقي إلى البحر المتوسط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فضلاً عن اتفاق مرتقب مع “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك في قطاع الاتصالات، إلى جانب عقد مع “Excelerate Energy” لتطوير مشاريع الغاز والكهرباء في منطقة خور الزبير.
مع ذلك، يبقى الملف الأكثر حساسية هو مدى قدرة الزيدي على تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي، وإحالة قياداتها الحالية إلى التقاعد، بما يكرس احتكار الدولة للسلاح.
خلقت حملة مكافحة الفساد ارتياحاً واسعاً في الشارع العراقي، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف من توقفها عند حدود معينة أو تعرضها لضغوط سياسية تحول دون استكمالها.
إقرأ أيضاً: إيران لم تعد بحاجة لقنبلة نووية؟
في المقابل، تبدو واشنطن أكثر اهتماماً بمدى التزام بغداد بخطوات عملية تتجاوز ملف الفساد المالي إلى معالجة ملف الفصائل المسلحة، إذ تطالب الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات تشمل:
- حصر السلاح بيد الدولة وإخضاعه بالكامل للقائد العام للقوات المسلحة.
- منع مشاركة أي جماعة مسلحة في الحكومة.
- إغلاق المكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل والأحزاب النافذة.
- إنهاء سيطرة الفصائل على المناطق التي تنتشر فيها وتسليمها للقوات النظامية.
- إحالة جميع قادة هيئة الحشد الشعبي إلى التقاعد.
- وقف عمليات تهريب النفط التي تديرها بعض الفصائل والأحزاب.
- محاسبة المصارف المتهمة بغسل الأموال وتهريب العملة، والتي يقال إن عددها يبلغ ثمانية مصارف.
ترى واشنطن أن تنفيذ هذه الإجراءات سيكون المدخل الحقيقي لمرحلة جديدة من التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي مع بغداد، وأن زيارة الزيدي المرتقبة إلى البيت الأبيض ستشكل الاختبار الأهم لقدرته على تحويل حملة مكافحة الفساد إلى مشروع إصلاح شامل يعيد رسم توازنات الدولة العراقية.
