مع الانزلاق التدريجيّ للوضع في المنطقة إلى عتبة المواجهة الشاملة، وإمكان تحوّل العمليّات العسكريّة المحدودة إلى حرب طاحنة، على خلفيّة التوتّر الكبير بسبب مضيق هرمز، تبرز في لبنان أسئلة كثيرة عن إمكان انخراط “الحزب” في هذه الحرب، وتداعيات هذا الانخراط على لبنان وعلى “الحزب” نفسه، فهل يذهب “الحزب” نحو فتح جبهة جديدة لإسناد هرمز، بعدما خاض معركتَي إسناد غزّة وإسناد طهران؟
لا يتعلّق السؤال فقط بالقرار العسكريّ، بل أيضاً بقدرة “الحزب” على تحمّل كلفة مواجهة جديدة، في ظلّ التحوّلات الكبيرة التي شهدها لبنان والمنطقة خلال العامين الماضيين، والضغوط السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة التي باتت تحيط بـ”الحزب” من كلّ الجهات.
يؤكّد مصدر سياسيّ مطّلع أنّ الأمور باتت معقّدة جدّاً بالنسبة لـ”الحزب”، الذي لم يعد يواجه تحدّياً واحداً، بل مجموعة أزمات عميقة ومركّبة، فهو يعاني على مختلف الصعد، بعدما تكبّد عدداً كبيراً جدّاً من القتلى والجرحى منذ دخوله الحرب في الثامن من تشرين الأوّل من عام 2023، علاوة على التداعيات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي أصابت بيئته الحاضنة، ولا سيما مع عودة عشرات الآلاف من أبناء القرى الجنوبيّة إلى بلداتهم التي خرجت من الحرب مثقلة بالدمار والخسائر.
تصف مصادر مقرّبة من “الحزب” الواقع الحاليّ بأنّه تحت السيطرة، معتبرة أنّ المؤشّرات حتّى الآن لا توحي بأنّ المنطقة ذاهبة حتماً نحو حرب إقليميّة كبرى
مرتهنٌ بالكامل؟
لكلّ ذلك وأكثر، لن يكون أيّ قرار بخوض حرب جديدة قراراً عاديّاً لأنّ “الحزب” لم يعد يمتلك هامش المناورة الذي كان متوافراً في السابق، وأيّ دخول في مواجهة جديدة سيكون “بمنزلة رصاصة يطلقها “الحزب” في رأسه”، في ظلّ الواقع الداخليّ الصعب والظروف الإقليميّة والدوليّة المختلفة كليّاً عن تلك التي حكمت الحروب السابقة، لذا “الحزب” أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه مطلع ثمانينيّات القرن العشرين.
في المقابل، تشير مصادر أخرى إلى أنّ النقاش داخل “الحزب” لم يعد محكوماً على الإطلاق بأيّ حسابات لبنانيّة، بل أصبح مرتبطاً بصورة شبه كاملة بالمصالح الإيرانيّة. وتقول هذه المصادر لـ”أساس” إنّ القيادة الحاليّة في “الحزب” باتت مرتهَنة بالكامل للحرس الثوريّ الإيرانيّ، الذي لن يتوانى عن استخدام كلّ أوراقه إذا ما اندلعت مواجهة كبرى مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.
تستشهد المصادر بواقعة إطلاق “الحزب” للصواريخ الستّة عقب يوم اغتيال المرشد الأعلى عليّ خامنئيّ في إيران، مشيرة إلى أنّ البيان الذي تبنّى العمليّة تحدّث صراحة عن أنّ إطلاق الصواريخ جاء “ثأراً” لمقتل المرشد، وأنّ هذه الحادثة شكّلت مؤشّراً واضحاً إلى طبيعة القرار الذي يحكم أداء “الحزب”، وحجم الارتباط بين الجبهة اللبنانيّة والتطوّرات الإيرانيّة.
بحسب هذه القراءة، ستدفع أيّ مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران الحرس الثوريّ إلى استخدام الساحة اللبنانيّة مجدّداً ورقة ضغط، بصرف النظر عن الكلفة التي قد يتحمّلها لبنان أو الشيعة أو “الحزب” نفسه.
تذهب المصادر أبعد من ذلك، فتشير إلى أنّ قرار “الحزب” بـ”الثأر” تأتّى عنه تهجير آلاف المدنيّين من الجنوب خلال ساعات الليل، على الرغم من برودة الطقس ومصادفة تلك الأحداث لشهر رمضان المبارك وللعام الدراسيّ. وتؤكّد أنّ “الحزب”، إذا تلقّى طلباً مباشراً من إيران، فلن يتردّد في تكرار السيناريو نفسه مرّة أخرى وإن بظروف مختلفة، وحتّى لو كانت النتائج كارثيّة.
الاصطدام بالجيش؟
لكنّ المصادر نفسها تشدّد على أنّ الفارق الجوهريّ بين الأمس واليوم يكمن في طبيعة البيئة الداخليّة والإقليميّة والدوليّة. فإذا كانت الجولات السابقة قد انتهت بخسائر كبيرة، فإنّ أيّ انخراط جديد هذه المرّة سيكون مختلفاً جذريّاً، والثمن سيكون غالياً جدّاً، وبشكل يفوق كلّ المعارك السابقة التي خاضها “الحزب” منذ تأسيسه.
تلفت هذه المصادر إلى أنّ ثمن حرب إسناد غزّة كان باهظاً جدّاً، وتمثّل باغتيال الأمين العامّ لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله، إضافة إلى تفجيرات البيجر، ووصول إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق من حرّية الحركة العسكريّة والأمنيّة داخل الجنوب وفي الأراضي اللبنانيّة.
أمّا ثمن إسناد طهران فقد تمثّل في انتقال الضغوط إلى المستوى السياسيّ الداخليّ، حيث انتهى الأمر بإقرار الحكومة اللبنانيّة حظر الجناح العسكريّ لـ”الحزب”، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات مباشرة، وصولاً إلى توقيع اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وهو تطوّر كبير جدّاً، ويُشكّل تحوّلاً استراتيجيّاً في المشهد اللبنانيّ بعدما باتت الدولة بكلّ أركانها تتعامل مع هذا الملفّ من زاوية مختلفة كلّيّاً عمّا كان قائماً خلال العقود الماضية.
انطلاقاً من هذه الوقائع، ترى المصادر أنّ السؤال الحقيقيّ لا يتعلّق بما إذا كان “الحزب” قادراً على فتح جبهة جديدة، بل بما إذا كان يستطيع تحمّل نتائجها، خصوصاً أنّ الأوضاع الداخليّة تبدّلت بصورة كبيرة، والمزاج الدوليّ بات أكثر تشدّداً تجاه أيّ محاولة لإعادة استخدام لبنان رأس حربة في المشروع الإيرانيّ.
يؤكّد مصدر سياسيّ مطّلع أنّ الأمور باتت معقّدة جدّاً بالنسبة لـ”الحزب”، الذي لم يعد يواجه تحدّياً واحداً، بل مجموعة أزمات عميقة ومركّبة
تخلص هذه المصادر إلى تحذير بالغ الوضوح مفاده أنّ ثمن حرب إسناد هرمز لن يكون أقلّ من الإطباق الكامل على “الحزب”، سياسيّاً وعسكريّاً وأمنيّاً. وتضيف أنّ أيّ قرار بفتح مواجهة جديدة سيؤدّي إلى انتقال الدولة اللبنانيّة من مرحلة الضغوط السياسيّة إلى مرحلة الحسم التنفيذيّ.
الوضع تحت السّيطرة؟
في المقابل، يرفض “الحزب” الإفصاح بصورة واضحة عمّا سيكون عليه الوضع في جنوب لبنان إذا تحوّلت المواجهة الأميركيّة ـ الإيرانيّة إلى حرب مفتوحة تشارك فيها إسرائيل بصورة مباشرة. إلّا أنّ مصادر مقرّبة من “الحزب” تؤكّد أنّ الوضع لا يزال دقيقاً، وأنّ جميع السيناريوات موضوعة قيد المتابعة، لكنّها تشدّد في الوقت نفسه على أنّ الرهان على خيار مذكّرة تفاهم إسلام آباد بين طهران وواشنطن لا يزال قائماً، انطلاقاً من الاعتقاد بأنّ الاتّصالات السياسيّة لم تصل بعدُ إلى طريق مسدود، وأنّ المشهد الإقليميّ لا يزال بعيداً عن الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
إقرأ أيضاً: العفو العامّ… تعديلات “السُّنّة” تحسم المصير؟
تصف مصادر مقرّبة من “الحزب” الواقع الحاليّ بأنّه تحت السيطرة، معتبرة أنّ المؤشّرات حتّى الآن لا توحي بأنّ المنطقة ذاهبة حتماً نحو حرب إقليميّة كبرى، على الرغم من استمرار الاستعدادات العسكريّة وارتفاع منسوب التوتّر.
بين من يعتقد أنّ “الحزب” لن يغامر بخوض حرب جديدة، ومن يرى أنّ القرار لم يعُد لبنانيّاً بل إيرانيّ، يبقى لبنان معلّقاً على إيقاع التطوّرات الإقليميّة، وفي انتظار اتّضاح اتّجاه الرياح بين واشنطن وطهران، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع “الحزب” تفادي معركة جديدة أم تفرض عليه حسابات طهران خوض مواجهة قد تكون الأكثر كلفة في تاريخه؟
