رفعوه على الأكتاف في مشهد مهيب، وهذه واقعة لا يُخطئ مضامينها الفتّاكة من يعرف المدينة ويعرف تاريخها ويعرف أهلها. فطرابلس هي النبض، وهي الحرارة، وهي بيت القصيد، ولا ترفع على أكتافها إلّا قلّة قليلة من أولئك الذين تختارهم بعناية منقطعة النظير. لكلّ ذلك وأكثر، كانت مشهديّة طرابلس هي الطبق الرئيس بكامل دسمه السياسيّ، وكلّ ما سبقها مقبّلات وحسب.
لم تكن زيارة وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لمدينة طرابلس بروتوكوليّة أو محطّة تقليديّة، فالمدينة التي لطالما اعتُبرت المؤشّر الأكثر حساسيّة للمزاج السياسيّ السنّيّ في لبنان، تحوّلت خلال ساعات إلى منصّة لإرسال واحدة من أهمّ الرسائل السياسيّة منذ سقوط نظام بشّار الأسد ووصول القيادة السوريّة الجديدة إلى الحكم. ولم يكن مضمون الرسالة موجّهاً إلى الداخل اللبنانيّ فحسب، بل وصل مباشرة إلى إيران، وإلى كلّ من يتابع التحوّلات الاستراتيجيّة العميقة في المشرق.
لاءات كثيرة… ونعم
منذ اليوم الأوّل لتسلّم الرئيس أحمد الشرع السلطة، حرص على رسم قواعد جديدة للعلاقة مع لبنان. فقد أعلن بوضوح أنّ سوريا الجديدة لن تعود إلى سياسة الوصاية، ولن تدخل عسكريّاً إلى الأراضي اللبنانيّة، ولن تدير شبكات أمنيّة داخلها، ولن تتعامل مع لبنان باعتباره ساحة خلفيّة كما فعل النظام السابق لعقود. أسّست هذه “اللاءات” لمرحلة مختلفة تماماً في العلاقات بين البلدين، لكنّها لا تعني على الإطلاق أنّ دمشق تخلّت عن امتلاك أدوات التأثير.
لا يُقاس النفوذ دائماً بعدد الجنود أو حجم الأجهزة الأمنيّة، بل قد يكون أكثر فاعليّة عندما يتحوّل إلى قوّة سياسيّة وشعبيّة. وهذا تحديداً ما كشفته طرابلس. فالحشود الكبيرة التي استقبلت الشيباني لم تكن تظاهرة ترحيب فقط، بل كانت إعلاناً لولادة معادلة جديدة عنوانها أنّ سوريا تستطيع التأثير في المشهد اللبنانيّ عبر البوّابة الاجتماعيّة والسياسية، لا عبر الدبّابات ولا عبر أجهزة الاستخبارات.
دمشق تمتلك اليوم قدرة على تحريك المزاج السياسيّ في البيئة السنّيّة اللبنانيّة بطريقة قد تكون أكثر تأثيراً من أيّ حضور عسكريّ أو أمنيّ
حملت هذه الصورة الشعبيّة دلالات عميقة. فهي تعكس حجم الانجذاب الذي تبديه شريحة واسعة من سنّة لبنان تجاه القيادة السوريّة الجديدة، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعداء مع النظام السابق. وتؤكّد أنّ دمشق تمتلك اليوم قدرة على تحريك المزاج السياسيّ في البيئة السنّيّة اللبنانيّة بطريقة قد تكون أكثر تأثيراً من أيّ حضور عسكريّ أو أمنيّ.
لم تأتِ زيارة الشيباني منفصلة عن السياق الإقليميّ، بل تكاملت مع ثلاثة عناصر مركزيّة ترسم ملامح المرحلة المقبلة. أوّل هذه العناصر ما أعلنه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عندما تحدّث عن منح الرئيس أحمد الشرع دوراً أساسيّاً في المساعدة على إنهاء ملفّ سلاح “الحزب”، وهو تصريح يعكس تصوّراً أميركيّاً جديداً لدور دمشق في إعادة ترتيب التوازنات الإقليميّة.

أمّا العنصر الثاني فهو ما ورد في البند الرابع من اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الموقّع في واشنطن، والذي ينصّ على توفير دعم عربيّ لمواكبة تنفيذ الاتّفاق. ولا يقتصر هذا البند على المساعدات الاقتصاديّة أو السياسيّة، بل يفتح الباب أمام دور عربيّ مباشر في تثبيت الاستقرار اللبنانيّ وإنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
يأتي العنصر الثالث ليكمل الصورة، ويتمثّل في الغطاء العربيّ الواضح الذي يحظى به مسار معالجة سلاح “الحزب”، بالتوازي مع احتضان عربيّ متزايد للقيادة السوريّة الجديدة. وعندما تجتمع هذه العناصر مع التحوّل الشعبيّ داخل البيئة السنّيّة اللبنانيّة، يصبح من الواضح أن المنطقة تتّجه نحو إعادة رسم موازين القوى بوسائل مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقدين الماضيين.
صعود القيادة الجديدة في دمشق، وما رافقه من التفاف شعبيّ في طرابلس، قد يفتحان الباب أمام استعادة الشارع السنّيّ زمام المبادرة السياسيّة
ردّ بطعم البارود
لم تتوقّف هذه الرسالة الفتّاكة التي خرجت من طرابلس عند حدود لبنان، بل وصلت بسرعة إلى طهران. ولم يتأخّر الردّ الإيرانيّ كثيراً. ففيما كان الشيباني يلتقي الفعّاليّات الشعبيّة في طرابلس، دوّى انفجار بعبوة ناسفة داخل أحد المقاهي في قلب دمشق، قبل أن تتوالى التفجيرات خلال الأيّام التالية، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون للعاصمة السوريّة.
يصعب الجزم في تحديد الجهة التي تقف خلف هذه العمليّات في غياب تحقيقات قضائيّة نهائيّة، لكنّ شكلها ومضمونها وتوقيتها تدفع إلى قراءتها باعتبارها رسالة سياسيّة وأمنيّة موازية. تدرك إيران أنّ التحوّلات الجارية في لبنان وسوريا لم تعد تصبّ في مصلحة مشروعها الإقليميّ، وأنّ خسارة النفوذ في دمشق قد تتبعها محاولات جدّيّة لتقليص نفوذ “الحزب” في لبنان.
من هنا، يبدو الردّ الإيرانيّ واضحاً على رسالة طرابلس: أيّ محاولة لخنق “الحزب” أو محاصرته سياسيّاً في لبنان قد يقابلها توتير أمنيّ داخل سوريا، بما يحول دون استقرار السلطة الجديدة ويجعلها منشغلة بأزماتها الداخليّة.
ليس هذا الأسلوب جديداً، فقد ارتبط اسم الحرس الثوريّ الإيرانيّ به خلال العقود الماضية، لا سيما في الدول التي سعى إلى الإطباق عليها، من لبنان الذي شهد موجة رهيبة من الاغتيالات والتفجيرات التي رافقت احتدام الصراع على السلطة وتبدّل موازين القوى لغير مصلحة إيران عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى العراق الذي عانى سنوات دامية شهدت مستويات غير مسبوقة من التفجيرات والعنف، في ظلّ صراع على النفوذ بين أميركا وإيران.
لم يكن المشهد الذي رافق استقبال الشيباني حدثاً عاديّاً على الإطلاق، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة عنوانها استفاقة المارد السنّيّ
استيقظ المارد؟
أكثر ما أثار القلق لدى “الحزب” هو المشهد الشعبيّ نفسه، وليست الزيارة بحدّ ذاتها. فـ”الحزب” يدرك أنّ التحوّلات الكبرى تبدأ عادة من المزاج الشعبيّ، وأنّ البيئة السنّيّة اللبنانيّة كانت خلال السنوات الماضية تعيش حالة من التشتّت السياسيّ وغياب المرجعيّة الجامعة. أمّا اليوم فإنّ صعود القيادة الجديدة في دمشق، وما رافقه من التفاف شعبيّ في طرابلس، قد يفتحان الباب أمام استعادة الشارع السنّيّ زمام المبادرة السياسيّة.
أمّا طرابلس فتبقى بحكم موقعها ورمزيّتها حجر الزاوية في هذا المشهد. فهي ليست مدينة كبرى في شمال لبنان وحسب، بل تمثّل المؤشّر الأكثر تعبيراً عن المزاج السياسيّ السنّيّ. وما يبدأ فيها غالباً لا يبقى محصوراً داخل حدودها، بل يمتدّ صداه سريعاً إلى عكار، وصيدا بوّابة الجنوب، والبقاعين الغربي والأوسط وعرسال، وسائر المناطق ذات الغالبيّة السنّيّة.
إقرأ أيضاً: عودة الشّام إلى طرابلس
لم يكن المشهد الذي رافق استقبال الشيباني حدثاً عاديّاً على الإطلاق، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة عنوانها استفاقة المارد السنّيّ، وهذا تطوّر دراماتيكيّ يقرأه “الحزب” بعين مذعورة، لأنّه يدرك تمام الإدراك أنّه سيكون بمنزلة القشّة التي ستقصم ظهر البعير.
لمتابعة الكاتب على X:
