ثمة مشكلة مزمنة في السلوك السياسي للحزب، تكمن في أنه لا يتعلم من تجاربه، ولا يبدو مستعداً لاستخلاص العبر من التحولات التي تعصف بالمنطقة ولبنان معاً. ففي كل مرة تُحقق فيها إيران تقدماً أو تخرج من أزمة بأقل الخسائر، يتصرف الحزب وكأن لحظة الحسم الداخلي قد حانت، عبر تحويل أي مكسب إقليمي لطهران إلى فائض نفوذ داخل الدولة اللبنانية. هكذا كان الأمر في الماضي، وهكذا يبدو اليوم، وكأن شيئاً لم يتغير على الإطلاق. ولكن يبقى نبيه بري ضمانة عدم الانجراف إلى الجنون، حيث سارع إلى كبح جماح الرؤوس الحامية، والقول بشكل واضح إن المس بالوضع الداخلي ممنوع.
ليست هذه المرة الأولى التي يسارع فيها الحزب إلى صرف نتائج التطورات الإقليمية في الداخل اللبناني. ففي صيف عام 2006، وبعد انتهاء حرب تموز، وقبل أن تُرفع الأنقاض من القرى والبلدات الجنوبية، وقبل أن يلتقط اللبنانيون أنفاسهم من هول الدمار والخسائر، أعلن السيد حسن نصر الله الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها تقريش نتائج الحرب في الداخل.
كان من الممكن يومها الذهاب إلى مصالحة وطنية واسعة، أو إعطاء الأولوية لإعادة الإعمار وتضميد الجراح، لكن الحزب اختار مساراً مختلفاً تماماً. قرر خوض مواجهة سياسية مفتوحة لإسقاط حكومة فؤاد السنيورة، وانتقل تدريجياً إلى الاعتصام المفتوح في وسط بيروت، محولاً قلب العاصمة الذي بناه رفيق الحريري إلى مدينة أشباح.
لم يتعلم أي درس
لم يكن ذلك سوى بداية مسار طويل. فعندما وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران، شعر الحزب أن الرياح الإقليمية تهب مجدداً لمصلحة طهران، وأن زمن الصعود الإيراني بلغ ذروته. عندها لم يعد يتصرف باعتباره مكوناً لبنانياً بين مكونات أخرى، بل باعتباره القوة القادرة على رسم قواعد اللعبة الداخلية بمفرده.
يتصرف الحزب وكأن لحظة الحسم الداخلي قد حانت، عبر تحويل أي مكسب إقليمي لطهران إلى فائض نفوذ داخل الدولة اللبنانية
أسقط الحكومات، وعطل المؤسسات، وحوّل الدستور إلى ممسحة. ووضع ورقة رئاسة الجمهورية في جيبه. كان يخاطبنا عبر المنابر: إما ان تنتخبوا ميشال عون رئيساً للجمهورية، أو لا رئيس. لم تعد هناك حاجة إلى المناورات أو التسويات المعقدة. كان الحزب يتصرف انطلاقاً من اقتناع راسخ بأن ميزان القوى الإقليمي يسمح له بفرض شروطه، وأن الداخل اللبناني عاجز عن مقاومة هذا الواقع، رغم أن الأكثرية النيابية والشعبية كانت في مكان آخر.

رغم فظاعة هذه التجربة، وأثرها السلبي العميق على التركيبة الداخلية وعلى الوحدة الوطنية، يبدو أن الحزب لم يراجع شيئاً من سلوكه، ولم يتعلم أي درس على الإطلاق، فما إن أُعلن عن اتفاق إطار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى عاد المشهد القديم نفسه إلى الظهور. انطلقت ماكينة الإعلام القريب من الحزب، وبدأ مسؤولون وحلفاء ومقربون يطرحون لائحة مطالب وشروط، تبدأ بإسقاط الحكومة الحالية، ولا تنتهي بمحاولة رسم خارطة طريق لرئيس الجمهورية، تشمل الانسحاب من المفاوضات المباشرة، وإعادة صياغة أولويات الدولة اللبنانية وفق مقاربة تشبه تلك التي كانت سائدة في السنوات التي ولت إلى غير رجعة.
يتعاطى الحزب وكأن حروب الإسناد لم تحصل، وكأن البيئة الإقليمية لم تتبدل، وكأن سوريا ما زالت سوريا نفسها، والمنطقة هي المنطقة ذاتها، ولبنان لا يزال هو نفسه الذي كان يبتلع فائض قوة الحزب بالتراكم والتدرج، ويقبل بتعديل موازين القوى الداخلية لمصلحته.
أسير ذاكرة قديمة
لم يدرك الحزب بعد أن ما كان ممكناً في الأمس، لم يعد قابلاً للتكرار اليوم. فالتحول الكبير الذي شهدته سوريا، وسقوط النظام الإقليمي القديم، وتبدل الجغرافيا السياسية المحيطة بلبنان، وتراجع قدرة الحزب على الحركة كما في السابق، كلها عوامل أفرزت واقعاً داخلياً جديداً. ولم تعد شرائح واسعة من اللبنانيين تنظر إلى سلاح الحزب أو حضوره السياسي بالمنظار نفسه الذي كان سائداً قبل سنوات. بل إن الحروب الأخيرة وما رافقها من دمار وخسائر وانهيارات عمقت الشروخ، وبدلت الكثير من الحسابات والمواقف.
ما بين الارتطام والتعقل، ثمة خيط رفيع أسمه الدولة، نستظلها لنطفو وننجو، أو نذهب جميعنا نحو الهلاك
لهذا تبدو محاولة إعادة إنتاج مرحلة ما قبل حروب الإسناد وكأنها محاولة للهروب من الواقع، أو إنكار للتحولات العميقة التي أصابت لبنان والمنطقة. فإعادة فرض معادلات الماضي، واستعادة لغة الشروط والإملاءات، والتعامل مع الدولة ومؤسساتها باعتبارها مجرد أدوات قابلة للتطويع، لن تؤدي إلى استعادة النفوذ السابق، بل إلى نتيجة معاكسة تماماً.
ذلك أن التركيبة اللبنانية التي كانت تستوعب فائض القوة بالتدرج، وتؤجل الانفجار حفاظاً على الحد الأدنى من الاستقرار، أصبحت أكثر صلابة وأكثر حساسية وأقل استعداداً لتحمل جولات جديدة من فرض الوقائع بالقوة السياسية أو المعنوية. وأي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لن تعني سوى وضع البلاد مجدداً على حافة الانقسام الكبير.
المفارقة أن الحزب، الذي كان يقدم نفسه دائماً بوصفه قوة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة الأمد، يبدو اليوم أسير ذاكرة سياسية قديمة، وأسير نجاحات مضت وانقضت ظروفها. فهو يتصرف وكأن اتفاقاً أميركياً ـ إيرانياً محدوداً قادر على إعادة إنتاج مرحلة كاملة انتهت مع انهيار توازنات المنطقة برمتها.
إقرأ أيضاً: رسالة إلى نعيم قاسم
ما كان يصح في السابق ما عاد يصح اليوم، ولذلك فإن أي محاولة لفرض واقع مشابه لما قبل حروب الإسناد، لن تقود إلى استعادة النفوذ، بل ستعني عملياً بداية تفجير التركيبة الداخلية، والدخول بسرعة البرق في مسار ارتطام مباشر، ستكون كلفته على الجميع أكبر بكثير مما يتخيله أصحاب الرهانات المجنونة، وما بين الارتطام والتعقل، ثمة خيط رفيع أسمه الدولة، نستظلها لنطفو وننجو، أو نذهب جميعنا نحو الهلاك.
لمتابعة اللكاتب على X:
