لبنان بين مسارين أميركيَّين متناقضين

مدة القراءة 6 د

من النادر أن تبدو السياسة الأميركيّة وكأنّها تتحدّث بلغتين. لكنّ هذا هو الانطباع الذي يتركه الملفّ اللبنانيّ اليوم. ففي غضون أسابيع قليلة، ظهرت وثيقتان رعتهما الإدارة الأميركيّة، وكلتاهما تتناولان لبنان، لكنّهما تنطلقان من فرضيّتين مختلفتين، وربّما متناقضتان: الأولى هي مذكّرة المبادئ التي وُقّعت بين الولايات المتّحدة وإيران، والتي أدرجت لبنان في بندها الأوّل، والثانية هي اتّفاقيّة الإطار التي قدّمتها واشنطن بوصفها بداية إخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيرانيّ لا تثبيته داخلها.

ليس السؤال أيّ الاتّفاقين أفضل، بل كيف يمكن للاثنين أن يكونا جزءاً من سياسة أميركيّة واحدة؟

 

للمرّة الأولى، على الأقلّ في وثيقة معلنة، يبدو أنّ الولايات المتّحدة قبلت بأن يكون لبنان جزءاً من التفاوض المباشر مع إيران. هذا تطوّر مهمّ لأنّ السياسة الأميركيّة طوال عقود كانت تقوم نظريّاً على الأقلّ على الفصل بين سيادة لبنان وبين ملفّات التفاوض الإقليميّة. حتّى عندما كانت واشنطن تدرك حجم النفوذ الإيرانيّ داخل لبنان، كانت تتجنّب منحه شرعيّة مكتوبة أو الاعتراف به أساساً للتفاوض.

لبنان في صلب شؤون المنطقة

أمّا اليوم فإنّ إدراج لبنان في صلب التفاهم الأميركيّ – الإيرانيّ يحمل دلالة سياسيّة تتجاوز ترتيباً أمنيّاً بحتاً، إذ يعني عمليّاً الاعتراف بأنّ استقرار جنوب لبنان مرتبط بمجموعة ملفّات أكبر: أمن الخليج، مضيق هرمز، البرنامج النوويّ الإيرانيّ، العقوبات، الاقتصاد العالميّ، ودور “الحزب”. أي أنّ لبنان لم يعد ملفّاً قائماً بذاته، بل أصبح جزءاً من سلّة تفاوض إقليميّة. قد يقول البعض إنّ هذا اعتراف بالواقع لا أكثر. وربّما يكون ذلك صحيحاً. لكنّ الاعتراف بالواقع شيء، وتحويله إلى أساس مكتوب للتفاوض شيء آخر تماماً.

لا يمكن بناء لبنان الجديد إذا بقي مرتبطاً بإيران

ثمّ جاءت اتّفاقيّة الإطار اللبنانيّة – الإسرائيليّة لتقدّم رواية مختلفة بالكامل. فوفق الخطاب الأميركيّ والإسرائيليّ، لم يعد لبنان ورقة إيرانيّة، بل أصبح دولة يُفترض أن تستعيد سيادتها عبر انتشار الجيش، انسحاب إسرائيل تدريجاً، إنهاء الدور العسكريّ لـ”الحزب”، وصولاً إلى احتكار الدولة اللبنانيّة للسلاح، بل إنّ ماركو روبيو ذهب أبعد من ذلك عندما تحدّث عن “فرصة تاريخيّة” لإنهاء المرحلة التي كان فيها لبنان جزءاً من المشروع الإيرانيّ.

هنا تبدأ المفارقة. إذا كانت واشنطن تفاوض إيران على لبنان، فهي تعترف ضمناً بأنّ لإيران كلمة أساسيّة في مستقبله. أمّا إذا كانت تعمل، في الوقت نفسه، على إخراج لبنان من النفوذ الإيرانيّ، فهي تفترض أنّ هذا النفوذ يمكن تجاوزه أو إنهاؤه من دون موافقة طهران.

أكثر من مركز قرار

لا تنسجم الفرضيّتان بسهولة إلّا إذا كانت الإدارة الأميركيّة تعتمد استراتيجية ذات مرحلتين: الأولى استخدام إيران لتسهيل الانتقال، والثانية تقليص نفوذها تدريجاً بعد تثبيت الترتيبات الجديدة. لكنّ هذه الفرضية نفسها تواجه سؤالاً بالغ الصعوبة: لماذا تساعد إيران في تفكيك أحد أهمّ مصادر نفوذها الإقليميّ، من دون مقابل استراتيجيّ كبير؟

لبنان

هنا يظهر الانطباع بأنّ ما يجري ليس بالضرورة نتيجة استراتيجية واحدة متماسكة، بل نتيجة وجود أكثر من مركز قرار داخل الإدارة. هناك من يرى أنّ فريق المفاوضات مع إيران، الذي يضمّ شخصيّات مقرّبة من الرئيس مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير إلى جانب دوائر تميل إلى المقاربة التفاوضيّة، ينظر إلى لبنان باعتباره ورقة يمكن استخدامها للوصول إلى اتّفاق أوسع مع طهران.

في المقابل، يبدو أنّ فريق وزارة الخارجيّة بقيادة ماركو روبيو، ومعه المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة الأميركيّة، يتعامل مع لبنان باعتباره ساحة يجب إخراجها نهائيّاً من المعادلة الإيرانيّة لا تثبيت موقعها داخلها.

إذا كانت واشنطن تفاوض إيران على لبنان، فهي تعترف ضمناً بأنّ لإيران كلمة أساسيّة في مستقبله

قد يكون الفريقان يعملان في النهاية نحو الهدف نفسه، لكنّهما يستخدمان طريقين مختلفين تماماً. يقول الأوّل: لا يمكن حلّ المشكلة اللبنانيّة من دون التفاهم مع إيران. ويقول الثاني: لا يمكن بناء لبنان الجديد إذا بقي مرتبطاً بإيران.

المفارقة أنّ الرئيس ترامب نفسه يبدو أحياناً وكأنّه يتحرّك بين المقاربتين. فمن جهة لا يخفي رغبته في تحقيق اتّفاق كبير مع إيران يقدّمه إنجازاً دبلوماسيّاً تاريخيّاً، ومن جهة أخرى يكرّر الحديث عن ضرورة إنهاء نفوذ الميليشيات ودعم الدولة اللبنانيّة وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

مسارات متوازية

هذا يفتح سؤالاً أكبر من لبنان نفسه: هل تمتلك إدارة ترامب استراتيجية واحدة للشرق الأوسط أم تدير عدّة مسارات متوازية، على أمل أن ينجح أحدها؟

يقدّم التاريخ الأميركيّ سوابق مشابهة. ففي مراحل كثيرة، كانت الإدارات الأميركيّة تتفاوض مع خصومها، وفي الوقت نفسه تعمل على تقليص نفوذهم في ساحات أخرى. لكنّ نجاح هذه المقاربة كان دائماً يتوقّف على وجود هدف نهائيّ واضح لا تتناقض معه الأدوات.

أمّا عندما تتحوّل الأدوات نفسها إلى رسائل متعارضة، يبدأ الحلفاء والخصوم معاً بطرح السؤال نفسه: أيّ أميركا يجب أن نصدّق؟

من النادر أن تبدو السياسة الأميركيّة وكأنّها تتحدّث بلغتين. لكنّ هذا هو الانطباع الذي يتركه الملفّ اللبنانيّ اليوم

في لبنان، ليس هذا السؤال نظريّاً. إذا كان مستقبل الجنوب يُحسم في المفاوضات مع إيران، فإنّ اتّفاقيّة الإطار ليست سوى آليّة تنفيذ لِما يُتّفق عليه في مكان آخر. أمّا إذا كانت اتّفاقيّة الإطار هي المسار الحقيقيّ، فإنّ إدراج لبنان في التفاهم مع إيران يصبح تنازلاً سياسيّاً يصعب تفسيره.

إقرأ أيضاً: لبنان بين توقيع واشنطن وحسابات طهران

ربّما يكون الاحتمال الثالث هو الأقرب إلى طبيعة إدارة ترامب: لا ترى تناقضاً بين المسارين أصلاً، فهي تستخدم كلّ ورقة متاحة في الوقت نفسه، وتفتح أكثر من باب تفاوض، ثمّ تمنح الشرعيّة في النهاية للمسار الذي يحقّق النتيجة التي تريدها على الأرض. في هذه الحالة، لن يكون السؤال: مَن كتب الوثائق؟ ولا أيّ فريق انتصر داخل الإدارة؟ بل أيّ مسار سينجح في تغيير الوقائع؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

لماذا تفتح دمشق أبواب الحوار مع “الحزب”؟

في أقلّ من شهر واحد، صارت لغة دمشق عن لبنان و”الحزب” مختلفة، وتبدو جزءاً من تحوّلات تنتمي إلى تموضع إقليميّ جماعيّ ما يزال يُصدّر واجهاته….

تفجيرات دمشق رداً على مشهديّة طرابلس؟

رفعوه على الأكتاف في مشهد مهيب، وهذه واقعة لا يُخطئ مضامينها الفتّاكة من يعرف المدينة ويعرف تاريخها ويعرف أهلها. فطرابلس هي النبض، وهي الحرارة، وهي…

اتّفاق الإطار في سياقه المنطقيّ

نجحت تجربتان سلميّتان في الاستمرار عبر إنهاء حالة الحرب وتوقيع معاهدات سلام، وهما المصرية والأردنيّة. وبينهما برزت تجربتان أخريان: اللبنانيّة القديمة التي ولدت ميتةً في…

عودة الشّام إلى طرابلس

تملك دمشق ذكريات عزيزة وعريقة في كلّ أجزاء ما صار الغربيّون يطلقون عليه اسم الشرق الأوسط. لكنّها في العقود الأخيرة صغُرت وتوتّرت وافتقرت وتغرّب شعبها…