الناتو: أنقرة تتقدم بمبادرة لحلّ معضلة “السّلاح”

مدة القراءة 8 د

تتّجهُ أنظارُ العالمِ نحوَ العاصمة التّركيّةِ أنقرة، التي تحتضنُ أعمال قمّة حلف شمالِيّ الأطلسيّ “النّاتو”. وفي حينِ تَبدُو الأجندةُ الرّسميّة للقِمّةِ مُثقَلة بملفّاتِ الصّراعِ الأوروبيّ -الرّوسيّ، وتعقيداتِ الإنفاق الدّفاعيّ للحلفاءِ لإرضاءِ البيتِ الأبيض، تُطبخُ في الكواليس الدّبلوماسيّة للقِمّةِ على نارٍ حاميةٍ واحدة من أهم الرّؤى الإقليميّةِ المُرتَبطةِ بِمستَقبلِ الشّرق الأوسطِ، وتحديداً “اليوم التالي” في لبنانَ وسوريا بعد الحروبِ العاصفةِ التي ضربتِ المِنطَقةَ أخيراً.

 

لم يعد خافياً أنّ تُركيا، التي تَخوضُ غمارَ هذهِ القِمّةِ كقوّةٍ أطلسِيّةٍ مِحوريّةٍ ومضيفةٍ للحَدَثِ، باتت تُقارِبُ الملفَّين اللبنانيّ والسّوريّ من منظورِ “الأمنِ القوميّ المباشرِ”. ولم يَكن كلامُ الرّئيس التّركيّ رجب طيّب إردوغان قبلَ أيّامٍ استعراضاً بلاغيّاً حين أعلنَ صراحةً أنّ “الأمنَ القوميَّ التركيّ يبدأُ من بيروتَ ودمشقَ وحلب”. يعكس هذا التحوّلُ التّركيّ، الذي يَتَقاطعُ مع ديناميكيّاتٍ إقليميّةٍ ودُوليّةٍ بالغة الحساسيّة، ملامحَ المُبادرةِ التّركيّة تجاهَ لبنان، كما تكشف معلومات “أساس”.

لبنان على طاولةِ ترامب – إردوغان

بحسبِ مصدرٍ إقليميٍّ واسعِ الاطّلاعِ، سيكونُ المَلفّ اللبنَانِيّ حاضراً بقوّةٍ بوصفِهِ بنداً رئيساً في اللّقاء الثّنائِيّ المُرتَقَب عَقِبَ افتتاحِ القِمّةِ بينَ الرّئيسَين الأميركيّ دونالد ترامب والتركيّ رجب طيّب إردوغان. يفيدُ المصدرُ أنّ إردوغان سيطرحُ على ترامب رؤيةً تركيّةً مُتكامِلةً تتعلّق بلبنان تقوم على ركيزتينِ أساسيّتَينِ:

أوّلاً: إنهاءُ مُعضلة السّلاحِ عبر “الطّائفِ”

تَقضِي الرّؤيةُ التّركيّةُ بإيجادِ حلٍّ جَذريٍّ ونهائيٍّ لمَوضوعِ سلاحِ “الحزبِ”، على أن يكون هذا الحلُّ مَضبوطاً حَصراً ضِمن إطار “اتّفاق الطّائفِ”، الذي تَراهُ أنقرة المَدخلَ الإلزاميّ والوحيدَ لصياغَةِ أيّ علاقةٍ مُستقرّةٍ ومُستدَامةٍ مع سوريا الجديدةِ. المثيرُ للاهتمامِ هنا، وفقاً لمعلوماتِ “أساس”، أنّ هذا الطّرحَ التّركيّ يَتقَاطعُ بالكامِلِ مع مُبادَرةِ الرّئيسِ السّوريّ أحمد الشّرع، التي تجسّدَت في الرّسالةِ التي حَملَهَا وزيرُ خارجيّتهِ أسعد الشّيباني خلال زيارتهِ الأخيرةِ لبيروت قبل أيّامٍ، والتي ركّزت بِشكلٍ مِحوريّ على أهمّيّةِ التّمَسّك باتّفاق الطائفِ كمرجعيّةٍ وحيدةٍ للاستقرارِ في لبنان.

علمَ “أساس” أنّ تُركيّا رَعَت بالفعلِ أكثر من لقاءٍ مُباشرٍ جَمَعَ مسؤولين سوريّين مع مسؤولينَ منَ “الحزبِ”

ثانياً: الضّمانة العربيّة – الإسلاميّة مقابلَ الانسحابِ

تَتَمثّلُ المقايضةُ الكُبرى التي يَحمِلُها إردوغان إلى ترامب في صيغةِ “ضَماناتٍ مُتبَادَلةٍ”. بحسبِ هذا الطّرحِ، تَقومُ دولٌ إسلاميّة وعربيّة وازنة، وهي تُركيّا، المَملكةُ العربيّةُ السّعوديّةُ، قطَر، باكِستان، مصر، وماليزيا، بِتقديمِ مِظَلّةِ ضمانةٍ إقليميّةٍ لمُعالجةِ ملفّ السّلاحِ واستيعابِهِ ضِمنَ مؤسّساتِ الدّولة اللبنانيّةِ.

في المقابلِ، تَطلبُ هذه الدّول من الرّئيسِ ترامب تَقديمَ ضَمانَةٍ أميركيّةٍ صارمةٍ تُلزِمُ إسرائيل بالانسحابِ الكاملِ والمُنجَزِ من كاملِ جنوب لبنان بما  في ذلكَ الخطّ الأصفر، وضمان عدم بقاءِ القُوّاتِ الإسرائيليّةِ لفتراتٍ طويلةٍ داخلَ الأراضي اللبنانيّةِ تحتَ ذريعةِ التّرتيباتِ الأمنيّةِ.

محورُ “أنقرة – دمشقَ – بيروت”

تتحرّكُ الدّبلوماسيّةُ التّركيّةُ مدفوعةً بوعيٍ جيوسياسيّ يرى في استمرارِ الاحتلالِ الإسرائيليّ لجنوبِ لبنانَ وأجزاءٍ من سوريا تهديداً مباشِراً ومُطوّقاً لخاصِرَتها الجنوبيّة. من هنا، ترغبُ أنقرة في تشجيعِ قيامِ “مِحورٍ استراتيجيّ” يربطُ العواصمَ الثّلاث: أنقرة – دمشق – بيروت، ليكون بمنزلةِ حائطِ صَدٍّ سياسيٍّ ودبلوماسيٍّ في وجهِ الأطماعِ الإسرائيليّةِ التّوسّعيّة.

يُحاولُ الجانبُ التّركيّ استغلالَ “الكيمياءِ” الشّخصيّةِ والعلاقاتِ الجيّدةِ التي تَجمَعُ إردوغان بنظيرهِ الأميركيّ، للضّغطِ باتّجاهِ فرضِ الانسحابِ الإسرائيليّ. وبحسبِ الدّوائرِ التُركيّةِ، فإنّ الخلافَ والتبايُن الرّاهنين بين ترامب ورئيسِ الوزراءِ الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو يُمثّلُ “فرصةً تاريخيّةً” لبيروت ينبغِي اقتناصهَا فوراً لتعزيزِ موقفِ الدّولةِ اللّبنانيّةِ في أيّ مُفُاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل.

الناتو

قنواتُ الاتّصالِ مع طهران: طمأنةُ الشّيعة

لم تولد المُبادَرةُ التّركيّةُ في أروِقَة قِمّة “النّاتو” فحسب، بل جرَى التمهيدُ لها في مَحطّاتٍ إقليميّةٍ وعمليّاتيّةٍ بالغةِ الحساسيّة. تكشفُ معلوماتُ “أساس” أنّ نَائبَ الرّئيس التّركيّ جودَت يلماز ناقَشَ هذهِ المُبادَرة وتفاصيلها على هامشِ مُشاركتِهِ أخيراً في جنازة المُرشِدِ الإيرانِيّ السّابقِ علي خامنئيّ في طَهران.

تكشفُ معلوماتُ “أساس” أنّ نَائبَ الرّئيس التّركيّ جودَت يلماز ناقَشَ هذهِ المُبادَرة وتفاصيلها على هامشِ مُشاركتِهِ أخيراً في جنازة المُرشِدِ الإيرانِيّ السّابقِ

تَهدُفُ الحركةُ التّركيّةُ بالدّرجَةِ الأولى إلى توجيهِ رسائلَ طَمأَنَةٍ حاسمةٍ إلى المكوّنِ الشّيعيّ في لبنان. إذ تُشدّدُ أنقرة على أنّهُ لن يكونَ هناك أيّ تَدَخّلٍ عسكريٍّ سوريٍّ في الدّاخلِ اللّبنانيّ، وأنّ الهدفَ ليسَ عزل أيّ طرفٍ أو الاستقواءِ عليهِ، بل تَجَنّب أيّ صدامٍ سُنّيّ – شِيعيّ قد يُفَجّرُ المنطَقَةَ كَكُلّ. وتنطلقُ أنقرة في ذلكَ من حساباتٍ جيوستراتيجيّةٍ بحتَةٍ تَتَجَاوَزُ الانقسامات الطّائفِيّةِ اللّبنانِيّةِ الضّيّقَةِ لتصلَ إلى مربعِّ الحِفَاظِ على استقرارِ الإقليم.

لم تقِف الجهودُ التُركيّةُ عند حدودِ الدّبلومَاسيّةِ النّظرِيّة، بل تجاوزَتها إلى خطواتٍ عمليّةٍ على الأرضِ. إذ علمَ “أساس” أنّ تُركيّا رَعَت بالفعلِ أكثر من لقاءٍ مُباشرٍ جَمَعَ مسؤولين سوريّين مع مسؤولينَ منَ “الحزبِ”، وتَتَوَلّى الاستخباراتُ التّركيّةُ بِشَكلٍ حثيثٍ ودقيقٍ مهمّةَ تنسيقِ هذا التّواصُلِ وتوفير قنواتِهِ لضَبطِ الأوضاعِ المَيدَانِيّةِ والسّياسيّةِ ومنع أيّ انفلاتٍ غير محسوبٍ.

في السّياق عينهِ، قادَ مسؤولٌ استخباريٌّ تركيٌّ رفيعُ المُستَوى في الآونةِ الأخيرةِ جولةَ نقاشَاتٍ مُباشِرةٍ وحسّاسةٍ مع قيادةِ الحرسِ الثّوريّ الإيرانيّ تَركزّت على مَلفِّ سلاح “الحزبِ”. وطلبَ الأتراك من طهران تقديمَ مُساعدةٍ وتسهيلاتٍ واضحةٍ في هذا الملفِّ لتمكين الرّئيسِ الأميركيّ دونالد ترامب من امتلاكِ أوراقِ ضغطٍ قويّةٍ ومُقَنّعةٍ يُمارِسُها على بنيامين نَتنياهو لإجبارهِ على التّرَاجُعِ والانسحابِ.

تشيرُ القراءةُ التّركيّةُ للموقِفِ إلى أنّ استمرارَ الاحتلالِ الإسرائيليّ للجنوبَيْنِ اللّبنانِيّ والسّوريّ قد يَدفعُ المنطقةَ نحو صِدامٍ مُباشرٍ وحتميٍّ بينَ تركيّا وإسرائيل، وهو سيناريو تبذُل أنقرة كلَّ جُهُودِها لتفاديهِ عبرَ التّسوياتِ الدّبلوماسيّةِ مُسبقاً.

في لغةِ المَصَالِح السّياسيّةِ، تَعتَبرُ تركيا أنّ ما قدّمَتهُ من مُساعَداتٍ لوجِستيّةٍ ودعمٍ سياسيٍّ وغير سياسيٍّ مُعلَن وغيرِ مُعلَن للجمهوريّةِ الإسلاميّةِ خلالَ حربِها الأخيرة ضدَّ إسرائيل، يُمثّلُ رَصِيداً كافياً يَدفَعُ طهرانَ اليوم لـ”ردِّ الجَميلِ” لتُركيا، من خلالِ تسهيلِ مَهَمّتها الدّبلوماسيّة ورؤيتها للحلّ في السّاحةِ اللّبنانيّة.

لم تولد المُبادَرةُ التّركيّةُ في أروِقَة قِمّة “النّاتو” فحسب، بل جرَى التمهيدُ لها في مَحطّاتٍ إقليميّةٍ وعمليّاتيّةٍ بالغةِ الحساسيّة

ما بعدَ القِمّة: سلام في أنقرة؟

ليسَ لبنان الرّسمىّ بعيداً عن هذه الأجواء. إذ كَشفَ المصدَرُ لـ”أساس” عن ترتيباتٍ تَجرِي على قدمٍ وساقٍ لتحضيرِ زيارةٍ رسميّة لرئيسِ الوزراءِ نوّاف سَلام إلى العاصمةِ التركيّةِ أنقرة بعد انتهاءِ أعمالِ قمّة حلف “النّاتو”.

من المُتوقّع أن يرأسَ سلام وفداً وزاريّاً رفيع المستوى، في زيارة تهدفُ إلى بحثِ الأفكار التّركيّة وسُبلِ دعمِ الدّولةِ والموقفِ اللبنانيّ الخاصّ بِملفّيْ الأمنِ والانسحابِ الإسرائيليّ، وإعادة تفعيلِ التّنسيقِ المُشتركِ لضمانِ سيادة لبنان الكاملة على أراضيه ومؤسّساتِهِ.

فرصةُ الطّائف

تُثبِتُ مُعطيات قِمّة أنقرَة أنّ تدويلَ وعروبةَ وإسلاميّةَ الحلّ في لُبنان باتت مساراتٍ مُتداخِلَة تتقاطعُ عند استخبارات المنطقةِ وقادتِها. وبيْن الضّماناتِ الإقليميّةِ التي تَعرضُها أنقرة، والتّنسيقِ الأمنيّ لضبطِ الأوضاعِ، والضّغطِ الأميركيِّ المَطلوبِ على تلّ أبيب، يجدُ لبنانَ نفسَهُ أمامَ فرصةٍ سانحةٍ لاستعادةِ مَنطقِ الدّولةِ عبرَ بوّابةِ “اتّفاق الطّائف”. فهل يتلقّف اللبنانيّون دِيناميكيّة “قمّة النّاتو”، أم تَبتَلعُ الحِسابَات الضّيقَةُ فُرصةَ الإنقاذِ؟

إقرأ أيضاً: الدّوحة: هندسة الاشتباك من هرمز إلى اللّيطاني

الأيّامُ القليلةُ المُقبِلَةُ، وتحديداً ما بعدَ لقاءِ إردوغان – ترامب، ستُجيبُ على هذَا السّؤالِ الجَوهريّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

لبنان بانتظار تفعيل لجنة  MCG4L

منذ انطلاق جولات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في 16 نيسان، حتّى توقيع اتّفاق الإطار في 26 حزيران، تحصّنت الدولة اللبنانيّة بورقة يتيمة في سعيها…

ماكرون يحجز “كرسيّه” الاقتصادي في سوريا؟

يقول مثل فرنسيّ: “On ne va pas au marché sans panier” أي “لا يذهب المرء إلى السوق بلا سلّة”. حين طرق إيمانويل ماكرون باب دمشق…

هل تتجدّد الحرب في أيلول؟

الارتباك هو سيّد الموقف. لا أحد من القوى الكبرى أو الصغرى يستطيع أن يعرف يقيناً طبيعة المسار المقبل على لبنان. الملفّ الداخليّ شائك والملفّ الاقليميّ…

لبنان وسوريا: من الوصاية إلى “الشّراكة” السياسية

لطالما كانت العلاقات اللبنانيّة – السوريّة مرآة للتحوّلات الكبرى في الشرق الأوسط. فما من محطّة مفصليّة عاشها لبنان منذ الاستقلال إلّا وكانت دمشق أحد أبرز…