لم تَكُن “مُذكّرة تفاهُمِ إسلام آباد” المُوقّعةِ بين الولايات المتحدة وإيران مُجرّدَ وثيقةٍ لتهدئَةٍ عابرةٍ، بل كاَنت إعلاناً صريحاً بانتهاء صلاحيّةِ “الرّدعِ العسكريِّ المُباشَر” وبدءِ زمنِ “الابتزازِ المُتبَادَلِ بالنّقاط”. إذ تحوّلَ “الكَابِحُ الاضطراريّ” الذي فَرملَ قِطارَ المُواجهةِ الشّاملةِ بينَ واشِنطن وطهرانَ في النّصفِ الأوَّلِ من العامِ الجارِي، في صالوناتِ العاصمةِ القطريّةِ الدّوحة الدّبلومَاسِيّةِ إلى لُغزٍ زمنِيٍّ مُعقّدٍ مَحكُوم بمُهلَةِ الـ”60 يوماً”.
هذهِ المُهلةُ ليستَ لالتقاط الأنفاسِ، بل هي قفلٌ ومُفتاحٌ: إمّا أن تفتحَ البابَ أمامَ تسوِيةٍ إقليميّةٍ كُبرى، أو تُعيدُ تفجيرَ جبَهَاتِ الشّرقِ الأوسطِ من مَضيقِ هِرمُز وصولاً إلى جَنوبِ لبنان.
بيدَ أنّ المتابعَ للمَطبخِ الدّبلوماسيِّ في العاصمةِ القَطريّةِ، يُدركُ سريعاً أنّ طَهران لا تبحثُ عن مُجرّدِ “هُدنةٍ عابرةٍ” لتفادِي السّقوطِ الاقتصاديّ أو تَجَنّب ضَرباتٍ إضافيّةٍ، بل تُمارِسُ هوايتَها التّاريخيّةِ في “حياكَةِ السّجّادِ السّياسيّ” ببرودٍ شديدٍ.
يقودُ رئيسُ مجلسِ الشّورى الإيراني وكبير المفاوضينَ، مُحمّد باقِر قاليباف، مُقاربةً حذرةً وصارمةً. إذ تَرفضُ طهرانَ بشكلٍ قاطعٍ الانتقالَ من الغُرفِ المُغلقةِ والقَنواتِ الخَلفيّةِ إلى طاولةِ “المُفاوضاتِ السّياسيّة المُباشرةِ” مع نائب الرّئيسِ الأميركيّ جي. دي. فانس أو مع مبعوثيْ البيتِ الأبيضِ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، قبلَ انتزاعِ التزاماتٍ أميركيّةٍ قاطعةٍ بتنفيذِ خمسة بنودٍ رئيسيّةٍ تَعتبرُها طهران “شروطاً فنيّة شارطة” لا تَراجُعَ عنها لفتحِ المسَارِ السّيّاسيِّ المُعمّق.
قطار المفاوضاتِ الذي انطلقَ من غبارِ المعاركَ والمواجهات المُباشرةِ ويَمرُّ اليوم عبر قاعاتِ الدّوحةِ الدّبلوماسيّةِ، يَكشُفُ أنّ لبنانَ ليسَ مُجَرَّد تَفصِيلٍ عابرٍ في الحِسابَاتِ الإيرانيّةِ
البنود الخمسة: شروط طهران لتسييل التهدئة
تَتَمحورُ المعركةُ الدبلوماسيّةُ الدّائرة حاليّاً في قَطر حولَ تسييلِ موادِ مُذكرةِ إسلام آباد وتأطيرِها إجرائيّاً، حيثُ تَضعُ طهران تنفيذَها كجسرٍ إلزاميٍّ وفوريٍّ للعبورِ نحوَ أيِّ مفاوضاتٍ مباشرةٍ تجمعُها بالإدارة الأميركيّةِ، وتتلخّصُ هذهِ التعقيداتِ في خمسِ نقاطِ اشتباك:
أوّلاً: الجبهةُ اللبنانيّةُ وحساباتِ الإسنادِ: تَشتَرطُ إيرانَ وقفاً كاملاً وشاملاً لكافّةِ العمليّاتِ العَسكريّةِ الإسرائيليّةِ والانسحابِ الكاملِ من الأراضي اللبنانيّةِ كبندٍ أوّلٍ لا مُساوَمَةَ عليهِ. وتدركُ طهرانَ أنّ أيّ اهتزازٍ في الخَاصرةِ اللبنانيّةِ أو استفرادٍ بحِزبها هناكَ سيعنَي حَتماً انهيارَ التّفاهُمِ الإقليميّ بأكملِهِ، لذَا تُحاوِلُ جعلَ التّهدئَةَ في بيروت شرطاً مُسبقاً للتهدِئَةِ في الخليجِ العربيّ.
ثانياً وثالثاً: أمنُ المِلاحةِ واختبارِ السّيادةِ في هِرمُز (المادتان 4 و5): في حينِ التزمَت طَهران بموجبِ الاتّفاقِ بتعطيلِ فرضِ أيِّ رسومِ مرورٍ أو تفتيشٍ استثنائيٍّ للسُّفُنِ التّجاريّةِ لمُدّة 60 يوماً، فإنّها لا تزالُ تُصِرُّ من النّاحيةِ الفنّيّةِ على فرضِ مَسارَاتٍ مُحدّدةٍ وطلبِ تصاريحَ مُسبقَةٍ. ترى طهران أنّ إنهاءَ الحصارِ البَحريّ الأميركيِّ ينبغِي أن يُترجَمَ فوراً بانسحابِ القطعِ العَسكريّةِ الضّخمةِ من مياهِ الخليج العربيِّ ومَضيق هرمز، وهو ما ترفضُهُ واشنطن، حتّى السّاعةِ، التي تمسّكتِ بإبقاء بوارجِهَا لضَمانِ حريّةِ الملاحةِ الدّوليّةِ، ما يثبتُ أنَّ هذهِ الجبهةِ البَحريّةِ ما زالت قابلةً للاشتعالِ عند أوّلِ احتكاكٍ.
رَابعاً: شريانُ النّفطِ ومصيدةُ الدّولارِ (المادّة 10): نَجحت طهرانَ في انتزاعِ إعفاءٍ مُؤقّتٍ من وزارة الخزانّةِ الأميركيّةِ يَمتَدُّ لـ60 يوماً للسّماحِ بإنتاجِ وبيعِ النّفطِ الخامِ والبِتروكِيماويّات بالدّولارِ الأميركيّ من دونِ قيودٍ فوريّةٍ. يسعَى المفاوضُ الإيرانيُّ فِي الدّوحةِ إلى تحويلِ هذا الإعفاءِ المُؤقّتِ إلى بندٍ دائمٍ، ويَعتبرُ أنّ العودةَ للمُفاوضَاتِ السيّاسيّةِ المُباشرةِ تَتَطلّبُ رفعاً حقيقيّاً للعقوباتِ وليسَ مُجرّد تعليقٍ مَشروطٍ وموقوتٍ بجدولٍ زَمنِيِّ ضَيّق.
خامساً: مُعضِلةُ الأصولِ المُجمّدَةِ (المادّة 11): تَدورُ الكواليس القطريّةِ حول آلياتِ الإفراج عن 12 مليارِ دولارٍ كدفعةٍ أولى من أصلِ 24 مليار من أموالِ إيران المُحتجَزَةِ في الخارجِ. وهُنَا تبرزُ العقدةُ الفنّيّةُ الكُبرَى. إذ يُصرُّ الجانبُ الأميركيّ، مَدفوعاً برؤيةِ نائِب الرّئيسِ جي. دي. فانس، على ربطِ الإفراجِ الفعليِّ بالوصولِ إلى اتّفاقٍ سيّاسيٍّ نهائيٍّ وشاملٍ وصرف الأموال المفرج عنها وفق لوائح أميركية لأولويات الحاجات الإيرانية، بينمَا تراهَا طهران “بادِرَةَ حُسنِ نِيّةٍ” إجباريّةٍ لبدءِ الحِوارِ، وترفُضُ تَجميدَ أموالِها كأداةِ ضَغطٍ مُستمِرّةٍ.
هذا ما دفعَ الولايات المتحدة إلى الإعلان عن استعدادها لتحرير مبلغٍ معيّن من المليارات الإيرانيّة، لكن بشرطِ أن تشتري فيها إيران مواد غذائيّة وزراعيّة من شركات وتجّار أميركيين.
تقاطع الجبهات: من تفاهُمِ إسلامِ آباد إلى “اتّفاق الإطارِ” اللبنانيّ
لا يمكنُ قراءةُ هذهِ الشّروطِ الإيرانيّةِ المعقّدةِ بمعزلٍ عن التّطَوُّرِ الدراماتيكيّ الذي شَهِدَهُ المَلَفُّ اللبنانيُّ برعايةٍ أميركيّةٍ مُباشِرةٍ. إذ مثّلَ الإعلانُ عن “اتّفاقِ الإطارِ” الأخير بينَ الدّولةِ اللّبنانيّةِ وإسرائيل، مُتغيّراً استراتيجيّاً كَسَرَ رتابةَ مَشهدِ “وِحدةِ السّاحاتِ” وضيّقَ الخَياراتِ الإقليميّةِ.
يُمثّلُ هذا الاتّفاقُ الإطاريّ، الذي يَنُصُّ في مُندَرجاتِهِ الأساسيّةِ على خطّةٍ تدريجيّةٍ لبَسطِ سيادةِ الدولةِ اللّبنانيّةِ واحتكارِ السّلاحِ بيدِ الجيشِ اللّبنانيّ مُقابِلَ انسحابِ القُوّاتِ الإسرائيليّةِ، مُحَاوَلةً دُوليّةً وأميركيّةَ واضحةً لـ”تفكيكِ الارتباطِ” القَسريِّ الذي فَرضَتهُ طهرانَ طوالَ الفترةِ المَاضِيةِ بينَ جنوبِ لبنانَ ومَضيقِ هِرمز. ومِن هُنا، ينبَعُ الرّفضُ الضّمنيُّ والتّحفّظُ البارِدُ الذي يَمتَدُّ من “حارةِ حريك” إلى طهرانَ تجاهِ هذَا المَسارِ. إذ يرَى الحزبُ، وخلفهُ القِيادةُ الإيرانيّةُ، في الاتّفاقِ الإطاريِّ مُحاولةً أميركيّةً “خبيثةً” لاستباقِ نتائجَ مُفاوضَات الدّوحةِ ومسار سويسرَا المُنبثقِ من تفاهُمِ “إسلام آباد”، وحرمانِ الجُمهوريّةِ الإسلاميّةِ واحدةً من أهمّ أوراقِهَا الإقليميّةِ وأكثرِها تأثيراً على طاولةِ التّفاوُضِ مع إدارةِ دونالد ترامب.
تتَمحورُ المعركةُ الدبلوماسيّةُ الدّائرة حاليّاً في قَطر حولَ تسييلِ موادِ مُذكرةِ إسلام آباد وتأطيرِها إجرائيّاً، حيثُ تَضعُ طهران تنفيذَها كجسرٍ إلزاميٍّ وفوريٍّ للعبورِ نحوَ أيِّ مفاوضاتٍ مباشرةٍ
إنّ إيرانَ، التي أصرّت على إدراجِ السّاحةِ اللّبنانيّةِ في المَادّةِ الأولَى من تفاهُمِ إسلام آباد، تجدُ نفسَها اليوم في سباقٍ محمُومٍ مع الزّمنِ. إذ بينمَا تُحاوِلُ واشنطن وتَل أبيب حَصرَ الملفِّ اللبنانيّ في سياقِ “اتفاقِ الإطارِ” الخاصِّ بالتّرتيباتِ الأمنيّةِ اللّبنانيّةِ ونزعِ السّلاحِ تَدريجِيّاً لضمانِ أمنِ شمال إسرائيلَ كمسارٍ مُنفصِلٍ، تُقاتِلُ طهرانَ عبر طاولةِ الدّوحة لربطِ جبهةِ الجَنوبِ بالصّفقةِ الكُبرى. المعادلةُ الإيرانيّةُ واضحةٌ: لا غِطاءَ للتّسويةِ أو التّهدئَةِ المُستدَامَةِ في لبنان، إلّا إذا ضَمَنَت طهران تَدفُّق أموالِها المُجمّدةِ وتثبيتِ إعفاءاتِها النّفطيّةِ وحمايةِ هيكليّةِ نفوذِها الإقليميّ. ومن هُنا يُفهَمُ لماذا أقدَمَ “حرسُ الثّورةِ الإسلاميّةِ” على استهدافِ باخرةٍ في مضيق هرمز بعيْدَ ساعاتٍ من الإعلانِ عن توقيع الاتفاقِ اللبنانيّ – الإسرائيليِّ.
لغةُ الحبرِ أم غبُارُ المَعارِكَ؟
يقفُ الشّرقُ الأوسط اليومَ فوقَ صفيحٍ ساخنٍ مَحكوم بسقفٍ زمنِيٍّ صارِمٍ لا يَتجاوزُ مَطلَعَ الخَريفِ المُقبلِ. إذ إنّ المُفاوضات الفنيّة لإطلاقِ المسارِ السيّاسيِّ ليست مُجرّد فترةِ اختبارٍ عاديّةٍ لنوايا طهران أو إدارةِ ترامب – فانس، بل هي مرحلةُ “تعديلِ موازينِ القُوى” بالنّقاطِ واستعراضِ أوراقِ القُوّةِ الصّامتَةِ قبل صِياغَةِ المَشهَدِ الجَدِيد.
يبدو، من النّاحيَةِ الاستراتيجيّةِ، أنّ هُناك “سيناريوهيْن” لا ثَالثَ لهُما يَحكُمانِ هذا المَسار المُعقّدَ:
ـ السّيناريُو الأوّل: “الصّفقةُ المُمنهجةُ المُستَدامَةُ”
أن يُكتبَ نَجاحُ الوساطَةُ القطريّةُ – البَاكستانيّةُ في صياغَةِ توليفةٍ تَدمُجُ بين مُندرَجَاتِ “اتفاقِ الإطارِ” في لبنان وشروطِ إيرانَ الفنّيّةِ في الدّوحة. وكنتيجةٍ لهذهِ الفرضيّةِ، قد تَقبلُ طَهران بتسييلٍ جزئيّ لبعضِ أوراقِها العَسكريّةِ في الإقليمِ أو القَبول بترتيباتٍ أمنيّةٍ جديدةٍ جنوب لبنان، مُقابِلَ اعترافٍ أميركيٍّ واضحٍ بدورهَا الإقليميّ، ورفعٍ دائمٍ ومُؤسّس للعقوباتِ النّفطيّةِ، وتَدفُقٍ ماليٍّ فوريٍّ يُنقِذُ الدّاخلَ الإيرانيَّ المُثقَلُ بالتّضخّمِ والأزمَاتِ الهيّكليّةِ. سينقُلُ هذا المخرج الطّرفَيْن حَتماً إلى مفاوضاتٍ سِياسيّةٍ مُباشرةٍ وعلنِيّةٍ برعايةِ ترامب الذي يَبحثُ عن “تصفيرِ الأزَماتِ” عبرَ صفقاتٍ اقتصاديّةٍ كُبرَى.
ـ السيناريو الثّاني: “الانفجار المؤجّل”
وهوَ السّيناريُو الأكثر ترجيحاً إذا ما أصَرّت وَاشنطن وتَل أبيب على إبقاء الضّغطِ العسكريِّ ومحاولةِ عزلِ جبهةِ لبنان كُليّاً عن الحساباتِ الإيرانيّةِ، وإذا ما تَمسّكَت الخزانة الأميركيّةِ بربطِ الأموالِ المُجمّدةِ بالتّنازُلات النّوويّةِ الإيرانيّة الشّاملة. عندئذٍ، ستنتهي مُهلة الـ60 يوماً من دون اختراقٍ فنّيّ حقيقيّ، لتجدَ المنطقة نفسها أمام انهيار سريعٍ لـ”تفاهم إسلامِ آباد”، والعودةِ بقوّةٍ إلى لغةِ الصّوارِيخ والمُسيّراتِ وحرب النّاقلات عبر البحارِ والمضائق المُشتعلَة.
إقرأ أيضاً: الشيباني في بيروت: العلاقة من “خُرم” المؤسسات
في المحصلة، إنّ قطار المفاوضاتِ الذي انطلقَ من غبارِ المعاركَ والمواجهات المُباشرةِ ويَمرُّ اليوم عبر قاعاتِ الدّوحةِ الدّبلوماسيّةِ، يَكشُفُ أنّ لبنانَ ليسَ مُجَرَّد تَفصِيلٍ عابرٍ في الحِسابَاتِ الإيرانيّةِ، بل هو حجرُ الزّاويَةِ في بُنيانِ النّفوذِ الإقليميِّ لطهرانَ ومصدّهَا الاستراتِيجِيّ الأوّل. والسّؤالُ الحَرجُ الذي يفرض نفسه على صانع القرار في بيروت: هل تنجح الدّولةُ اللبنانيّةُ في حمايةِ “اتفاق الإطار” الخاصِّ بها كبوابة حقيقيّةٍ لاستعادةِ سيادتهَا وقرارِها المُستقلّ، أم أنّ الجنوبُ سيبقَى مادّةً تفاوضيّةً دَسِمَةً في تفاهمات الكبارِ، تُقايَضُ فيه الجغرافيا اللبنانيّةِ بمليارات الدّولارات وصادرات النّفطِ عبر مضيق هرمز؟ الأيام المُقبلةُ كفيلةٌ بصياغةِ الجوابِ النّهائيّ بالدّمِ أو بالِحبرِ.
لمتابعة الكاتب على X:
