النّوويّ السّعوديّ: ما حقيقة شرط ترامب؟

مدة القراءة 7 د

وقّعت الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة بعد ظهر الأربعاء الماضي الاتّفاق النوويّ الذي انتظر أكثر من عقدين. في صباح اليوم التالي، كتب دونالد ترامب على “تروث سوشيل” أنّ الاتّفاق “سيُعتمد، لكنّه خاضع كليّاً لانضمام المملكة السعوديّة إلى الاتّفاقات الإبراهيميّة”. وأضاف أنّه “لن يكون هناك أيّ تخصيب للموادّ”. بين التوقيع والشرط المستجدّ أربع وعشرون ساعة. وبينهما تقع القصّة كلّها.

 

ما الذي وقّعه البلدان بالضّبط؟

تمّ التوقيع على وثيقتين:

1- “اتّفاقيّة 123”: ترمز إلى المادّة 123 من قانون الطاقة الذرّيّة الأميركيّ الصادر عام 1954، وتمثّل الإطار القانونيّ الضروريّ للسماح للشركات الأميركيّة بنقل الموادّ والتكنولوجيا النوويّة إلى أيّ دولة أخرى. ومدّة الاتّفاقيّة الموقّعة مع المملكة السعوديّة في هذا الإطار ثلاثون عاماً.

2- اتّفاق ضمانات ثنائيّ: وهو الوثيقة الأكثر حساسيّة وسرّيّة. قال مسؤولون أميركيّون لشبكة “إي بي سي” إنّ إطار الرقابة الذي يمنع الاستخدام العسكريّ تديره الدولتان بنفسَيهما، لا الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية التي تتولّى هذا الدور تقليديّاً في اتّفاقات التعاون النوويّ.

بدأ التصويب على الاتّفاق قبل ساعات من توقيعه رسميّاً، حين كشفت “وول ستريت جورنال” ومواقع أميركيّة أخرى أنّ الاتّفاق يعطي المملكة السعوديّة معاملة لم يحظَ بها أيٌّ من حلفاء الولايات المتّحدة في اتّفاقيّات 123 المماثلة، من جهتين على الأقلّ:

  • أنّه يستثني المملكة السعوديّة من شرط الانضمام إلى البروتوكول الإضافيّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، الذي يسمح للوكالة بإجراءات تفتيش ورقابة موسّعة تخرج عن نطاق المواقع النوويّة المعلَنة في البلاد.
  • أنّه يتيح للمملكة السعوديّة حقّ التخصيب على أراضيها، لكن على أساس دراسة جدوى مشتركة مدّتها سنتان. وإذا خلصت الدراسة إلى ذلك، تتولّى شركات أميركيّة بناء منشأة التخصيب، وفق نظام “العلبة السوداء”.

وقّعت الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة بعد ظهر الأربعاء الماضي الاتّفاق النوويّ الذي انتظر أكثر من عقدين

منافع سياسيّة واقتصاديّة

لم تقدّم الولايات المتّحدة هذين التنازلين الكبيرين بلا سبب. بل إنّها ترمي من ورائهما إلى منافع اقتصاديّة وسياسيّة لا تُفوَّت:

1- اقتصاديّاً، تجد الولايات المتّحدة نفسها حتّى اليوم خارج القطاع النوويّ الضخم في الشرق الأوسط. إذ تستأثر الشركات الروسيّة والكوريّة الجنوبيّة بعشرات المليارات من الاستثمارات في القطاع في كلٍّ من الإمارات ومصر وتركيا. والصين حاضرة لدخول المنافسة.

2- سياسيّاً، تقول إدارة ترامب إنّ قدرة الولايات المتّحدة على التأثير في البرنامج النوويّ السعوديّ ستكون أكبر إذا كان ضمن اتّفاق معها، وإذا ما أُوكل تنفيذه إلى شركات أميركيّة. وما لا تقوله هو أنّ انخراطها في البرنامج يعطيها ثقلاً موازناً في أيّ تفاوض مع إيران على برنامجها النوويّ.

في هذا السياق يمكن فهم ما تضمّنه الاتّفاق بشأن التخصيب على الأراضي السعوديّة، وما قاله ترامب بعد ذلك في هذا الشأن. هو يقول عمليّاً: “لا تخصيب اليوم”، وهذا صحيح، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الرياض انتزعت إقراراً أميركيّاً بحقّها في التخصيب على أراضيها إذا ثبتت الجدوى الاقتصاديّة لذلك، وفي هذا كسرٌ لمحظور سياسيّ كبير له اعتباره في رسم الموازين الإقليميّة، حيث تدور المفاوضات النوويّة مع إيران حول هذا المحور تحديداً.

ترامب

لكن بعيداً عن التدقيق في التعابير ومدلولاتها، أتى الموقف المستجدّ من ترامب ليجيب عن اعتراض إسرائيليّ حادّ يتعلّق بنقطتين:

1- أنّ إسرائيل رأت في الاتّفاق انتصاراً سعوديّاً يُخلّ بالضمان الأميركيّ المطلق لتفوّقها الاستراتيجيّ. إذ للمرّة الأولى تقرّ الولايات المتّحدة لدولة أخرى في الشرق الأوسط بحقّ امتلاك دورة الوقود النوويّ كاملةً.

2- أنّه كسر ما كان متداولاً في الإعلام الأميركيّ منذ سنوات من أنّ واشنطن لن توقّع على الاتّفاق النوويّ مع الرياض ما لم توقّع الأخيرة على التطبيع مع إسرائيل.

لكنّ أيّاً يكن ما قاله ترامب، وعلى أهمّيّته، فإنّ الحقيقة السياسيّة أنّ الاتّفاق وُقِّع وبات حقيقة سياسيّة فيما التطبيع ليس في الأفق القريب

الاعتراض على جبهتين

بالفعل، انطلقت الاعتراضات على جبهتين:

  • الأعضاء الديمقراطيّون في مجلسَي الشيوخ والنوّاب، إمّا من الجناح التقدّميّ “اليساريّ”، من أمثال السيناتور برني ساندرز، وهؤلاء لديهم أصلاً مواقف معادية للمملكة السعوديّة، وموقفهم يتلخّص في مقولة: كيف تخوض الولايات المتّحدة حرباً لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم فيما تعطي هذا الحقّ للمملكة السعوديّة؟ وإمّا من الجناح المناهض للانتشار النوويّ، من أمثال السيناتور إد ماركي، أحد مؤسّسي “حركة التجميد النوويّ” في الثمانينيّات. والمفارقة اللافتة أنّ هذا السيناتور كان قد قدّم عام 2018 تشريعاً مشتركاً مع وزير الخارجيّة الحاليّ ماركو روبيو، وكان حينها عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، لمنع أيّ اتّفاق نوويّ مع المملكة السعوديّة ما لم يوافق عليه الكونغرس!
  • على الجبهة الجمهوريّة، تبقى المواقف المعارضة أقلّ علنيّة، لكنّ من الواضح أنّها حاضرة بقوّة في أوساط المحافظين الأقرب إلى اللوبي الإسرائيليّ. ومن اللافت أنّ رئيس لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس النوّاب برايان ماست، ورئيس لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ جيمس ريش، وهما من أشدّ الداعمين لإسرائيل، امتنعا عن إبداء موقف نهائيّ بانتظار “الاطّلاع على التفاصيل”، وهو ما يشير إلى أنّ ضغوطاً تُمارَس على ترامب لتقييد الاتّفاق أو تجميده عمليّاً لتلبية مطالب إسرائيل.

أمّا في إسرائيل فساد الصمت أيضاً. ثمّ بعد ساعة واحدة من منشور ترامب عن الاتّفاقات الإبراهيميّة، أصدر نتنياهو بياناً يرحّب فيه بالشرط ويقول إنّ انضمام المملكة السعوديّة إلى الاتّفاقات الإبراهيميّة سيكون “قفزة تاريخيّة إلى الأمام” للسلام في الشرق الأوسط، وهو ما يؤكّد الربط بين شرط ترامب المستجدّ والموقف الإسرائيليّ من الاتّفاق.

بعيداً عن التدقيق في التعابير ومدلولاتها، أتى الموقف المستجدّ من ترامب ليجيب عن اعتراض إسرائيليّ حادّ يتعلّق بنقطتين

لا تطبيع مع إسرائيل..

لكنّ أيّاً يكن ما قاله ترامب، وعلى أهمّيّته، فإنّ الحقيقة السياسيّة أنّ الاتّفاق وُقِّع وبات حقيقة سياسيّة فيما التطبيع ليس في الأفق القريب. وربّما من الجدير الإشارة إلى أنّ المملكة السعوديّة لم تتراجع قيد أنملة عن موقفها من التطبيع لتمرير الاتّفاق النوويّ، بل على العكس من ذلك، أظهرت تشدّداً أكبر في اشتراط الموافقة الإسرائيليّة والأميركيّة على حلّ الدولتين، وقادت الجهود الدوليّة للاعتراف بالدولة الفلسطينيّة.

على أيّ حال، ليس سهلاً مسارُ الاتّفاق النوويّ في الكونغرس، لكنّ إسقاطه لا يقلّ صعوبة. إذ إنّه يتطلّب قراراً مشتركاً من الحزبين، في المجلسين، ثمّ تجاوز فيتو رئاسيّ بأغلبيّة الثلثين. وهذا صعبٌ نظريّاً لأنّ الجمهوريّين يملكون الأغلبيّة في المجلسين، ومن الصعب كسر الرئيس عبرهما. ولم يسبق أن أُسقطت اتّفاقيّة 123 بهذه الطريقة.

إقرأ أيضاً: النّوويّ السّعوديّ: شراكة القلق بين إيران وإسرائيل

لن يكون الاعتبار الإسرائيليّ الوحيد في أروقة الكونغرس، فحسابات المؤسّسة السياسيّة العميقة في واشنطن تدرك أنّ الولايات المتّحدة بحاجة إلى أن تكون جزءاً من البرنامج النوويّ السعوديّ بقدر حاجة المملكة السعوديّة إلى ذلك، إن لم يكن أكثر. ومن المؤكّد أنّ إدارة ترامب لا تريد أن ترى شركات روسيّة أو صينيّة أو كوريّة جنوبيّة تبني المفاعلات السعوديّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

كي لا “تضيع” فرصة تطويب البطريرك الحويّك

يصعب في حضرة تطويب البطريرك إلياس الحويّك فصل القداسة عن التاريخ، أو عزل السيرة الروحيّة للرجل عن سيرة ومآلات الدولة التي ولدت من إرادته ومفاوضاته…

الجنوب… امتحان لبنان وخصومه

في السياسة، لا توجد مناطق تجريبيّة، بل إرادات تجريبيّة. وما طُرح في روما يومَي 13 و14 تمّوز الماضيين، بحسب ما تردّد عن النقاشات، لم يكن…

إيران تغدر بالكويت: صواريخ وشائعات عن “الغزو”..

بكثير من العدائية والحقد، تواصل إيران “حرق الجسور” مع الكويت، غير آبهة بالتكاليف الباهظة والتداعيات المستقبليّة لاعتداءاتها التي تتمدّد من البرّ إلى البحر، وغير مُكترثة…

المسيحيّون يبحثون عن “حويّك مؤسّس” جديد؟

بعد أكثر من قرن على إعلان “لبنان الكبير”، لم يعد السؤال: هل أحسن البطريرك الطوباويّ إلياس الحويّك قراءة خرائط المشرق؟ ولا هل كان المشروع الذي…