النّوويّ السّعوديّ: شراكة القلق بين إيران وإسرائيل

مدة القراءة 5 د

فيما يحتدم التفاوض بالنار على البرنامج النوويّ الإيرانيّ، يسجّل البرنامج النوويّ السعوديّ اختراقاً أساسيّاً، ليقترب من أن يصبح أوّل برنامج في الشرق الأوسط يتمّ فيه تخصيب اليورانيوم بموافقة أميركيّة رسميّة.

 

كان التقدّم الأكبر للبرنامج السعوديّ قد تحقّق في تشرين الثاني الماضي، خلال زيارة وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان للبيت الأبيض. حينها وقّع وزير الطاقة السعوديّ الأمير عبدالعزيز بن سلمان مع نظيره الأميركيّ كريس رايت وثيقة “استكمال المفاوضات في مجال التعاون النوويّ المدنيّ”، التي تشكّل الأساس لاتّفاق التعاون النوويّ المدنيّ بين واشنطن والرياض، الذي يُعرف تقنيّاً باسم “اتّفاقيّة 123”.

أبلغت الإدارة الأميركيّة الكونغرس بعد ذلك رسميّاً بنيّتها المضيّ قدماً في الاتّفاق النوويّ مع المملكة السعوديّة. لكنّ ما ظلّ طيّ الكتمان حينها هو ما إذا كانت الإدارة الأميركيّة قد وافقت على تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعوديّة.

منذ ذلك الحين، لم يُكشف عن مسوّدة الاتّفاق، لكنّ المؤشّرات إلى المدى الذي بلغه، بدت من خلال التقرير الذي قدّمه البيت الأبيض إلى الكونغرس في تشرين الأوّل الماضي، أي بعد أيّام قليلة على زيارة وليّ العهد السعوديّ، طالباً فيه استثناء الاتّفاق مع المملكة السعوديّة من المادّة 1264 من قانون الدفاع لعام 2020. تلك المادّة تمنع التعاون النوويّ مع أيّة دولة لم تعتمد البروتوكول الإضافيّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، الذي يمنح الوكالة صلاحيّة الوصول إلى المواقع النوويّة غير المعلَنة، ومصانع أجهزة الطرد المركزيّ، وأنشطة البحث والتطوير، وسجلّات الاستيراد.

تعقيدات الحرب والتفاوض مع إيران، والتحسّب لإمكانيّة مواجهة أصوات معارضة في الكونغرس، بدعم أو تحريض من إسرائيل

إلّا أنّ المادّة نفسها في قانون الدفاع الأميركيّ تسمح للرئيس بتجاوز المنع عبر إرسال تقرير يشرح كيف يخدم الاتّفاق الأمن القوميّ الأميركيّ ولا يساهم في الانتشار، على أن يسبق التقرير إحالة الاتّفاق إلى الكونغرس بتسعين يوماً. وقد وردت في تقرير طلب الاستثناء عباراتٌ عن “ضمانات وتدابير تحقُّق إضافيّة” في المجالات الأكثر حساسيّة: التخصيب، التحويل، تصنيع الوقود النوويّ، وإعادة المعالجة، وهو ما يؤكّد أنّ هذه الأنشطة مشمولة باتّفاق التعاون النوويّ.

سابقة في موازين القوى

كان التخصيب داخل المملكة السعوديّة القضيّةَ الأكثر دقّة وحساسيّة لأنّ الموافقة الأميركيّة عليه تشكّل سابقة في موازين القوى الإقليميّة. فحتّى إسرائيل التي أنتجت رؤوساً نوويّة، فعلت ذلك من دون إطار قانونيّ معلنٍ مع الأميركيّين، بل باتّفاق سرّيّ مع الفرنسيّين. ومن شأن الموافقة الأميركيّة أن تعكس المدى الذي وصل إليه ارتكاز السياسة الأميركيّة في المنطقة على العلاقة مع المملكة السعوديّة. وأمّا البرامج النوويّة السلميّة الأخرى في المنطقة، بما فيها تلك التي تقوم على اتّفاقيّات مع شركات روسيّة أو صينيّة، فلا تتضمّن دورة الوقود الكاملة، بل يُستورَد الوقود النوويّ لها من الشركة المشغّلة أو من السوق العالميّة.

إسرائيل

على مدى الأشهر الماضية، سرت تكهّنات كثيرة بمضمون اتّفاق التعاون النوويّ بين واشنطن والرياض، إلى أن كشفت “سي إن إن” قبل أيّام، نقلاً عن أربعة مصادر ووثائق اطّلعت عليها، أنّ مسوّدة الاتّفاق تتيح للمملكة تخصيب اليورانيوم على أراضيها، من دون أن تُلزمها باعتماد البروتوكول الإضافيّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، مع الإشارة إلى أنّ المسوّدة جاهزة ولا تزال بانتظار توقيع الرئيس دونالد ترامب، قبل أن تُرسَل إلى الكونغرس.

نجاحُ الرياض في إسقاط الربط بين الاتّفاق النوويّ مع الأميركيّين وملفّ التطبيع مع إسرائيل

التّرابط مع التّطوّرات

من الواضح أنّ الخطوة الأخيرة قبل إرسال الاتّفاق إلى الكونغرس، تخضع لدقائق اللحظة السياسيّة في المنطقة، إثر الحرب على إيران، والخلافات الدائرة بين إدارة ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.

الربط بين الملفّات له أوجه عديدة، ربّما أهمّها اثنان:

1- القاعدة الكبرى التي وضعها وليّ العهد السعوديّ وأعلنها على الملأ عام 2018، وأعاد تأكيدها في مقابلته مع “فوكس نيوز” عام 2023، ما تزال سارية، بل أشدّ سرياناً من ذي قبل: إذا امتلكت إيران سلاحاً نوويّاً فستمتلك المملكة السعوديّة سلاحاً نوويّاً.

2- نجاحُ الرياض في إسقاط الربط بين الاتّفاق النوويّ مع الأميركيّين وملفّ التطبيع مع إسرائيل. بل إنّها انتزعت الاتّفاق على التخصيب وشروطه فيما كانت تحشد الدعم الدوليّ للاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، وتؤكّد أن لا سلام من دون حلّ الدولتين.

تخطّى الاتّفاق السعوديّ – الأميركيّ عقبةً رئيسة بانقضاء مهلة التسعين يوماً بعد إرسال تقرير الاستثناء إلى الكونغرس، فلماذا لم يوقّع ترامب الاتّفاق ويُرسله إلى الكونغرس حتّى الآن؟

تشير بعض المصادر إلى سببين: تعقيدات الحرب والتفاوض مع إيران، والتحسّب لإمكانيّة مواجهة أصوات معارضة في الكونغرس، بدعم أو تحريض من إسرائيل.

لكنّ الواضح من تقرير الإدارة إلى الكونغرس أنّ التعاون النوويّ مع المملكة السعوديّة بات ركيزة للاستراتيجية الأميركيّة في المنطقة، من منطلق أنّه يمنع روسيا والصين من اغتنام الفرصة لعقود مقبلة، ويعيد إلى الولايات المتّحدة موقع الريادة في السوق النوويّة المدنيّة العالميّة، ويعزّز الشراكة الاستراتيجيّة والاقتصاديّة مع المملكة.

إقرأ أيضاً: إيران وقعت في فخ “قنبلة” المضيق

بذلك تكون المملكة السعوديّة قد انتقلت إلى خانة الشريك الاستراتيجيّ الذي تصبح معه قواعد دورة الوقود قابلة للتفاوض، خصوصاً بعد تصنيفها “حليفاً رئيساً من خارج الناتو”. وهذا ما تنظر إليه إيران وإسرائيل بالقدر نفسه من القلق.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

كيف تعمل واشنطن على تحرير “الهلال” الإيراني؟

تعمل الولايات المتّحدة بهدوء ودأب لتقليص النفوذ الإيرانيّ في العراق وسوريا ولبنان. هو ذلك القوس الذي أطلق عليه العاهل الأردنيّ عبدالله الثاني عام 2004 اسم…

الزيديّ في طهران: طموح الدّور وحقائق الإقليم

زيارة رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ إلى العاصمة الأميركيّة واشنطن، تلبيةً لدعوة من الرئيس دونالد ترامب، لم تكن زيارة روتينيّة عابرة، بل بداية لمرحلة جديدة…

زيارة عون لواشنطن التّاريخيّة: مظلّة سعوديّة لعودة الدّولة

ينتقل لبنان إلى مرحلة جديدة من خلال الزيارة التاريخيّة لرئيس جمهوريّته العماد جوزف عون لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اليوم. ما سيحصده لبنان من…

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

ليست هذه العبارة لي بل لأبي الحسن بني صدر أوّل رئيس للجمهوريّة بإيران. وهي عبارةٌ مأزقيّة إذ قالها عندما كان يخطّط للهرب من الخمينيّ ومن…