تعمل الولايات المتّحدة بهدوء ودأب لتقليص النفوذ الإيرانيّ في العراق وسوريا ولبنان. هو ذلك القوس الذي أطلق عليه العاهل الأردنيّ عبدالله الثاني عام 2004 اسم “الهلال الشيعيّ”، وعُرف لاحقاً بـ”ممرّ طهران ـ بيروت”. لا يخفى على طهران مسعى واشنطن، وتنظر بعين الريبة والقلق إلى عواصم النفوذ “المتساقطة” واحدة تلو الأخرى.
في الأيّام والأسابيع الأخيرة بدا مشهد الورشة علنيّاً. اجتمع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في الشهر الجاري مع الرئيس السوريّ أحمد الشرع في أنقرة على هامش قمّة الناتو، والتقى في البيت الأبيض رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ، ثمّ الرئيس اللبنانيّ جوزف عون وبدا أنّ الولايات المتّحدة تعمل، بإشراف المبعوث الرئاسيّ الأميركيّ توم بارّاك، على رسم ما يشبه الخرائط التي تقطع شرايين ذلك “الهلال”، وتقفل إلى غير رجعة ذلك “الممرّ”.
وصف ترامب العلاقة مع الشرع بأنّها “جيّدة جدّاً”، مشيداً بدور الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في تسهيلها. وعكس اللقاء تحوّلاً جديداً في التعامل مع سوريا الجديدة الشريك المحتمل في مواجهة ما بقي من نفوذ لإيران. وأشاد في واشنطن برجل العراق الجديد، وقدّم وفريقه خطاب دعم لمساعي الزيديّ إلى مكافحة الفساد وحصر السلاح في يد الدولة. فيما يكشف وجود عون في البيت الأبيض عن تحوّلات في توجّهات بيروت، لكنّ الأهمّ هو أولويّة ملفّ لبنان داخل أجندة واشنطن لتحييد النفوذ الإيرانيّ في أكثر منطقة نفوذ لطهران رمزيّةً وقيمةً استراتيجيّةً عالية.
توم بارّاك… مهندس المقاربة الأميركيّة الجديدة في المشرق
يلعب توم بارّاك، السفير الأميركيّ في أنقرة، دوراً محوريّاً في تنفيذ هذه الرؤية. يصف باراك نهجه بأنّه يركّز على جعل الحلفاء “أكثر اعتماداً على أنفسهم ومشاركة في الأعباء”. أكّد في تصريحاته أنّ إيران لن تتخلّى عن العراق بسهولة، مشيراً إلى “الفوضى” التي تخلقها الميليشيات المدعومة من طهران. ويروّج بارّاك لمشاريع عمليّة تحوّل الاقتصادات المحليّة بعيداً عن الاعتماد على إيران.
خلال زيارة الزيديّ لواشنطن وقّع العراق عشرات الصفقات مع شركات أميركيّة في مجالات الطاقة والبنية التحتيّة والكهرباء
يتبنّى بارّاك رؤية تعتبر أنّ تحرير “الهلال” لا يمكن أن يتحقّق عبر القوّة الصلبة وحدها، بل عبر إنشاء بديل اقتصاديّ – بنيويّ في العراق وسوريا ولبنان. ويتمثّل جوهر هذه الرؤية في مشاريع ربط كهربائيّ وغازيّ عابرة للحدود، تربط العراق بالخليج وشرق المتوسّط، وتربط سوريا ولبنان بخطوط طاقة وتمويل غربيّة وخليجيّة لتقليص الاعتماد على الكهرباء والوقود والغاز الإيرانيّ، وتحويل ممرّات التجارة والأنابيب إلى أدوات نفوذ مضادّ لطهران.
الاقتصاد والطّاقة: أدوات واشنطن لتقليص الاعتماد على إيران
من أبرز هذه المشاريع إحياء خطّ أنابيب النفط التاريخيّ كركوك-بانياس، الذي يمتدّ من شمال العراق إلى ميناء بانياس السوريّ على البحر المتوسّط. ويعاد تأهيل هذا الخطّ البالغ طوله نحو 800 كيلومتر بدعم أميركي ومشاركة شركات أميركية مثل شيفرون. وخلال زيارة الزيديّ لواشنطن وقّع العراق عشرات الصفقات مع شركات أميركيّة في مجالات الطاقة والبنية التحتيّة والكهرباء بلغت قيمتها عشرات المليارات.

وصف بارّاك هذه الاتّفاقات بأنّها ستجعل “مضيق هرمز فكرة ثانويّة”، إذ تفتح طريقاً بديلاً لتصدير النفط العراقيّ بعيداً عن سيطرة إيران المحتملة على الممرّات البحريّة. لا تقتصر هذه المشاريع على الطاقة، بل تشمل تطوير البنية التحتيّة المشتركة بين العراق وسوريا، وهو ما يعزّز التكامل الاقتصاديّ ويقلّل من تأثير الشبكات الإيرانيّة الماليّة واللوجستيّة.
ترى تركيا، التي تسعى إلى استقرار حدودها الجنوبيّة وتقليص النفوذ الإيرانيّ والكرديّ في سوريا، في المشاريع الاقتصاديّة فرصة لتعزيز دورها الإقليميّ
على الرغم من هذه الجهود، تمتلك إيران قدرة على تعطيل الورشة الأميركيّة. ففي العراق، لا تزال الميليشيات الموالية لها تمتلك نفوذاً سياسيّاً وعسكريّاً، وقد تنفّذ هجمات على مشاريع البنية التحتيّة أو تهدّد الاستثمارات الأجنبيّة. وفي لبنان، يشكّل “الحزب” قوّة مسلّحة قادرة على عرقلة أيّ خطط تسعى إليها الدولة لحصر السلاح والسعي إلى اتّفاق مع إسرائيل برعاية أميركيّة خدمة لاستمرار ربط لبنان بمصير النظام في إيران. إلا أنّ دون ذلك عقبات كثيرة تبدأ من الرد الإسرائيلي المدمر ولا تنتهي بملف النازحين حيث لا قدرة للحزب على تحمّل أعباء نزوح جديدة. أمّا في سوريا، فيمكن للخلايا الإيرانيّة الباقية أن تستهدف المنشآت الجديدة أو تؤجّج التوتّرات الطائفيّة، وتعمل على تفعيل “الممرّ”، وفق ما كشفته أجهزة أمن سوريا والعراق في إحباط عمليّة التهريب الأخيرة للأسلحة عبر حدود البلدين.
تركيا شريك حذر… مع مراعاة التّوازنات الإقليميّة
تساند أنقرة واشنطن في تيسير مسعاها داخل “الهلال”. فاستضافة أنقرة خلال قمّة “الناتو” للقاء ترامب ـ الشرع تعكس تنسيقاً تركيّاً ـ أميركيّاً في الملفّ السوريّ، علاوة على أنّ كون بارّاك سفيراً في أنقرة يشكّل حلقة وصل مهمّة في هذا الملفّ.
ترى تركيا، التي تسعى إلى استقرار حدودها الجنوبيّة وتقليص النفوذ الإيرانيّ والكرديّ في سوريا، في المشاريع الاقتصاديّة فرصة لتعزيز دورها الإقليميّ. ومع ذلك، تحافظ أنقرة على وسطيّة واعتدال، إذ لا تريد مواجهة مباشرة مع طهران قد تؤثّر على مصالحها التجاريّة أو الأمنيّة.
تساند أنقرة واشنطن في تيسير مسعاها داخل “الهلال”. فاستضافة أنقرة خلال قمّة “الناتو” للقاء ترامب ـ الشرع تعكس تنسيقاً تركيّاً ـ أميركيّاً
هواجس إسرائيل من إعادة توزيع الأدوار الإقليميّة
في المقابل، يثير دور إسرائيل تساؤلات عن مدى تسهيلها لمساعي ترامب. فإسرائيل، في ظلّ حكومة بنيامين نتنياهو، تعتبر لبنان وسوريا، وإلى حدّ ما العراق، ملفّات أمنيّة تخصّها، وقد لا تستسيغ احتمال سحب الملفّات من الحصريّة الإسرائيليّة ومنح هذه الدول هوامش مستقلّة مدعومة أميركيّاً.
إقرأ أيضاً: نتنياهو يتحدّى ترامب: “لا نحتاج إذنك في لبنان”
فحتى حين جرى تداول أنباء عن نشر قوّات أميركيّة في جنوب لبنان، ردّت إسرائيل عبر وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي قال: “لم نطلب يوماً حماية أميركيّة لأمننا”. وفيما يبدو “هلال” إيران الشهير متعدّد الحلقات، فإنّ حلقة لبنان داخل ذلك “الممرّ” تبدو مفصليّة بالنسبة لواشنطن، وتبدو مفصليّة وحيويّة بالنسبة لطهران، بما سيرفع كلفة سياسة الدولة اللبنانيّة في استعادة قرارها في الأمن والدفاع والإصلاحات والسياسة الخارجيّة.
لمتابعة الكاتب على X:
