ليست هذه العبارة لي بل لأبي الحسن بني صدر أوّل رئيس للجمهوريّة بإيران. وهي عبارةٌ مأزقيّة إذ قالها عندما كان يخطّط للهرب من الخمينيّ ومن جمهوريّته الفريدة. والذي قصده بني صدر أنّ الإيرانيّين (في حربهم مع العراق) لا يملكون غير سلاح واحدٍ هو الاستشهاد والاستمرار في الاستشهاد. وهو نزوعٌ بطوليٌّ لكنّه لا يفيد في الانتصار ولا في الصمود. وما اقتنع الخمينيّ بهذه الكلمة للرئيس الهارب إلّا بعد قرابة سبع سنوات عندما وافق على القرار الدوليّ رقم 598 لوقف الحرب مع العراق وقال عنه:“هو بمنزلة تجرُّع كأس السمّ”.
تعلّم النظام الإيرانيّ الدرس فأسرف في تنويع أسلحته من الدخول في صناعة السلاح الباليستيّ وتطوير القوى البحريّة، وصناعة المسيَّرات، وتعزيز الاختراق الأيديولوجيّ، وبناء وتشكيل الأذرُع في دول الجوار، وصولاً إلى تلغيم مضيق هرمز لاتّقاء الغزوات. لكن على مشارف القرن الواحد والعشرين عاد هذا النظام إلى اعتبار النوويّ سلاحاً أوحد أو السلاح الأكثر تفوّقاً، وفي اعتقاده أنّ النوويّ هو الذي يحمي إسرائيل ويجلب لها الهيبة والانتصارات!
ممّن كانت إيران تخاف عام 2000؟ بالطبع ما عادت تخاف يومها من العراق المُحاصَر. في عام 2004 انعقد بالأردنّ مؤتمرٌ سُمّي مؤتمر رسالة عمّان لمكافحة التطرّف والأصوليّات والبحث عن الحوار بعد حدث “القاعدة” الهائل ضدّ الولايات المتّحدة عام 2001 الذي أطلق الحرب العالميّة على الإرهاب (السنّيّ).

إيران وتمسّكها بالنّوويّ
وجدتُ ونحن داخلون قاعة المؤتمر الشيخ محمّد عليّ التسخيري رئيس منظّمة الثقافة الإسلاميّة بإيران ومعه ثلاثة أشخاص عرفتُ فيما بعد أنّ أحدهم هو عليّ لاريجاني، ويبدو أنّه كانت له علاقةٌ حينذاك بالأمن القوميّ والملفّ النوويّ. يومها كان العالم مشغولاً بالقرار الأميركيّ بتحويل ملفّ إيران من وكالة الطاقة إلى مجلس الأمن.
لن تنسحب إسرائيل إلّا إذا خرج “الحزب” وسلاحه من جنوب لبنان المحاذي للحدود الإسرائيليّة
التسخيري فاجأني بعد السلام بالقول: ماذا ترى في القرار الأميركيّ؟ وهل هو مبرّر للهجوم على إيران كما هجموا على العراق؟ لا أذكر بماذا أجبت بالضبط، لكنّني قلت على وجه التقريب: بدأت متاعب الأميركيّين بالعراق على الرغم من ضعفه وستتزايد، ولا أعتقد أنّهم يستطيعون مهاجمة إيران الشاسعة بالطريقة نفسها. إنّما سؤالي: ما حاجتكم إلى النوويّ. هذه باكستان عندها نوويّ وما تزال دولةً فقيرةً ومنقسمةً على نفسها، وقد رأيتُ رسماً كاريكاتوريّاً بـ”الهيرالد تريبيون” لمناسبة البرنامج النوويّ الإيرانيّ يصوّر قنبلةً في عربة لقناني الغاز يجرّها حمار ومكتوب تحتها: القوّة الباكستانيّة في أزهى أشكالها! تضاحك التسخيري وانصرف عنّي إلى أحد زملائه ويبدو أنّه قصّ عليه الحكاية لأنّه بادرني قائلاً بالإنكليزيّة: هي قوّة نوويّة ولو جرّها حمار، ولا يغرّنّك لؤم الأميركيّين وكبرياؤهم.
الابتزاز النّوويّ الإيرانيّ
ما استخفّ الأميركيّون والإسرائيليّون والأوروبيّون بالمشروع الإيرانيّ كما استخففتُ به، وصار هو محور العلاقات بين إيران والعالم الغربيّ، لكنّه صار من جهةٍ ثانيةٍ مجالاً للتنازلات لإيران، سواء بالسماح لها بالاستيلاء على العراق، والتوسّع في سورية، والاستيلاء على لبنان، حتّى بلغت سياسات الاحتواء والاستيعاب الذروة عام 2015 بعقد الاتّفاق الشامل في عهد إدارة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما مع إيران على تخفيض التخصيب والتأجيل لعشر سنوات، والخضوع لرقابةٍ شديدة من وكالة الطاقة… إلخ.
إيران الآن التي قُتل قادتها وعلى رأسهم مرشدهم الأعلى عليّ خامنئيّ هي مثل الأفعى الجريحة، والأفعى المجروحة إمّا أن تقتلها وإمّا أن تقتلك
في حين ارتاح الرأي العامّ الأميركيّ للاتّفاق الذي وفّر عليهم الدخول في نزاعٍ جديد وقد رأوا ما عانوا في العراق، وكانوا عام 2015 يستعدّون لتدخّلٍ جديدٍ بسبب صعود داعش. لكنّ السياسات الحزبيّة بالداخل الأميركيّ رأت في الاتّفاق اعتبار إيران ندّاً للولايات المتّحدة وحصولها على مكاسب إقليميّة كبيرة، ثمّ إنّ الاتّفاق لا يزيل النوويّ بل يؤجّله، وهذا إذا وفّت إيران بالاتّفاق! لذلك أبطل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الاتّفاق من جانبٍ واحدٍ عام 2018 فكان ذلك مقدمةً لكلّ المشهد الحاليّ من الحروب التي لا تنتهي. وقال لي يومها صديق سعوديّ: إذا كانت إيران قد كسبت هذه المكاسب الضخمة لتؤجّل إنتاج النوويّ، فكيف إذا انتهزت الفرصة الآن وعملت بالفعل على إنتاجه، ولكي يوفّر الأميركيّون والأوروبيّون على أنفسهم الحرب سيعطون إيران أكثر ممّا تريد في الجوار والعالم وتصدير الطاقة والاستثمار فيها!
توجّس إسرائيل واستجابة ترامب
ما صحّت توقّعاتي لاستحالة الحرب المباشرة من جانب الولايات المتّحدة على إيران. ولم تصحّ توقّعات الصديق السعوديّ لاستمرار التنازلات لإيران. وذلك أنّني وصديقي ما انتبهنا للتأثير الإسرائيليّ على القرار الأميركيّ. فترامب في ولايته الأولى استجاب للتوجُّسات الإسرائيليّة فألغى الاتّفاق من طرفٍ واحد، واعترف بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل، كما اعترف بالجولان المحتلّ أرضاً إسرائيلية.
يتّهم كثيرون من السياسيّين الأميركيّين والأوروبيّين الآن الرئيس ترامب بالخضوع لإغراءات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بشنّ الحرب مع إسرائيل على إيران التي أدّت إلى هذه السلسلة من الحروب في كلّ مكانٍ بالمنطقة. وقد جرى جدالٌ بعد حرب الاثنين والأربعين يوماً، وتصدّر النقاشات السؤال التالي: هل تمّ القضاء على إمكانية إنتاج النوويّ بإيران أم لا.
لقد ثبت لإيران أنّ كلَّ أسلحتها بما في ذلك المسيَّرات تستطيع الإزعاج لكنّها لا تستطيع الإضرار بخصومها حقّاً ولا تكسب حرباً فلجأوا إلى السلاح الوحيد الباقي وإن أضرّ بالعالم كلّه بمن في ذلك حلفاؤهم. لكن هل كانوا يتوقّعون أن يحاصرهم ترامب من على فم المضيق بحيث ينالهم الضرر أيضاً؟
لا يستطيع ترامب مع خسائره السياسيّة الكبيرة التنازل في مسألة مضيق هرمز، كما لم تستطع أميركا التنازل طوال عقدين في مسألة النوويّ
حاول ترامب أوّلاً ضرب زوارقهم البحريّة وتدمير ألغامهم بحيث لا يستطيعون سدّ المضيق وإخضاع السفن لأوامرهم ورسومهم. واعتقدوا أنّهم وجدوا علاجاً تدميريّاً للزوارق على كثرتها، وأمّا الألغام فلا علاج لها، ولذلك غضب ترامب على الأوروبيّين لأنّهم لم يسارعوا إلى المساعدة لأنّهم كانوا ضدّ الحرب، ويعرفون كما يعرف الأهوال السابقة من باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس. لجأ ترامب إلى الحصار المكلف والطويل الذي لم يمنع كلّ الهجمات. وكان الإيرانيّون يقدّرون أنّه بذلك لا يستطيع تطويل أمد الحرب، وسيعود للتفاوض وهو الذي حصل بالفعل بعدما زادت متاعبه الداخليّة.
هكذا انعقد اتّفاق أو عُقد تفاهم كان مزعجاً أيضاً لاعتبار الأكثريّة في الولايات المتّحدة أنّه كان انتصاراً لإيران. ولا أحد يعرف لماذا وافق ترامب ومعاونوه بسرعة، لكنّه ندم بسرعة أيضاً لأنّ إيران قالت إنّها لن توقف إجراءاتها الجديدة إلى حين تطبيق كلّ بنود التفاهم الأربعة عشر. ومن ضمنها الاعتراف لإيران بالحقّ في الإشراف على هذا المضيق العالميّ الذي لا إشراف عليه لأحدٍ بحسب قوانين البحار للممرّات الدوليّة، حتّى إنّ ترامب وافق على إشراكهم في مسألة وقف النار بين إسرائيل و”الحزب”.
مضيق هرمز سلاح إيران الأبرز
في الأيّام الأخيرة وفيما الهجمات الأميركيّة تتصاعد وتيرتها شعرت إيران أنّ انسداد المضيق ما عاد يمكن احتماله، وأنّ العالم الذي كان متضامناً معها صار ضدّها. فكيف توقف الحرب والحصار؟ شدّدت الضربات على الكويت والبحرين وضمّت إليهما واحة الأزرق بالأردن. وكان تقديرها أنّ هؤلاء حلفاء الولايات المتّحدة وستُصغي إليهم إذا طالبوا بإلحاحٍ بوقف الحرب.
لا يستطيع ترامب مع خسائره السياسيّة الكبيرة التنازل في مسألة مضيق هرمز، كما لم تستطع أميركا التنازل طوال عقدين في مسألة النوويّ. أمّا الإيرانيّ فصار مضيق هرمز سلاحه الأبرز، بالإضافة إلى الضغوط التخريبيّة ضدّ دول الخليج، والآن عاد الحوثيّون للتحرّش بميناء عدن.
لقد ثبت لإيران أنّ كلَّ أسلحتها بما في ذلك المسيَّرات تستطيع الإزعاج لكنّها لا تستطيع الإضرار بخصومها حقّاً ولا تكسب حرباً
الأردن ولبنان على خطّ الحقد الإيرانيّ
بعد إيران وقع الضرر الأكبر بالعرب. وبالطبع الضرر الأكبر العسكريّ والتصديريّ واقع بدول الخليج. لكن دخل على خطّ الحقد الإيرانيّ كلٌّ من الأردن ولبنان، الأردن بسبب الزعم الإيرانيّ أنّ فيه قاعدة عسكريّة أميركيّة، ولبنان لأنّ ترامب وافق على مفاوضاتٍ مباشرةٍ بين لبنان وإسرائيل من أجل ترتيباتٍ للانسحاب من لبنان، وهذه المرّة بدون استشارة إيران بحسب مذكّرة التفاهم.
لن تنسحب إسرائيل إلّا إذا خرج “الحزب” وسلاحه من جنوب لبنان المحاذي للحدود الإسرائيليّة. ولا يستطيع الجيش اللبنانيّ ضمان تنظيف الجنوب من سلاح “الحزب”، فقد جُرّب ذلك سابقاً ولاحقاً مع حضور قوّات الأُمم المتّحدة منذ عام 2006. ثمّ جُرّب ذلك عام 2024 وما استطاع الجيش تنظيف الجنوب من السلاح. ولذلك يواصل الجيش الإسرائيليّ عمليّاته العسكريّة منذ نحو عامين في إطار المواجهة مع “الحزب” في جنوب الليطاني وبعض المناطق في شماله، الأمر الذي أدّى إلى نزوح سكّان عدد من القرى.
في الأيّام الأخيرة وفيما الهجمات الأميركيّة تتصاعد وتيرتها شعرت إيران أنّ انسداد المضيق ما عاد يمكن احتماله
ما لم يخرج الحزب الإيرانيّ المسلّح من الجنوب، لن يخرج الإسرائيليّ من الجنوب أيضاً. ويشتدّ ضغط الأميركيّ على نتنياهو للخروج من جنوب لبنان وجنوب سوريا. ولا حجّة لإسرائيل في هجماتها على جنوب سوريا، فليس هناك جيش سوريّ ولا مسلّحون. أمّا لبنان فلا حجّة غير تأكيداته أنّه قادر هذه المرّة بمعاونة الأميركيّين على تنظيف جنوب الليطاني على الأقلّ، وهذا أمرٌ صعبٌ جدّاً لأنّ الجيش لا يريد الاصطدام بالحزب الشيعيّ، وثلث اللبنانيّين شيعة، ومعظمهم الآن مع “الحزب” ومع إيران على الرغم من كثرة شهدائهم.
إقرأ أيضاً: الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!
إيران الآن التي قُتل قادتها وعلى رأسهم مرشدهم الأعلى عليّ خامنئيّ هي مثل الأفعى الجريحة، والأفعى المجروحة إمّا أن تقتلها وإمّا أن تقتلك! وآخر نكتة أنّ مجتبى خامنئي المرشد الجديد قال في رسالةٍ مكتوبةٍ كالعادة إنّه أوقف التفاهم لأنّ ترامب لم يوفّ به!
لمتابعة الكاتب على X:
