لم تكن العلاقة بين المسيحيين اللبنانيين وسوريا علاقة عادية بين شعبين متجاورين، بل كانت دائماً علاقة مركبة، يختلط فيها التاريخ بالهوية، والجغرافيا بالسياسة، والذاكرة بالخوف.
في عهد نظام آل الأسد السابق، عاش المسيحيون اللبنانيون تناقضاً دائماً. فمن جهة، شكّل الوجود السوري في لبنان بالنسبة إلى شريحة واسعة منهم عنواناً لفقدان السيادة، ولا سيما بعد الحرب الأهلية، حيث أصبحت الوصاية السورية جزءاً اساسياً من الحياة السياسية اللبنانية. ومن جهة أخرى، رأى بعضهم في النظام السوري عامل استقرار يمنع انفجار التوازنات الداخلية ويؤمّن حماية نسبية للمسيحيين في المشرق أمام صعود الحركات الإسلامية المتشددة.
هذا التناقض لم يكن نفاقاً سياسياً، بل انعكاساً لمعضلة أعمق: كيف يمكن لجماعة تؤمن بالدولة والسيادة أن تتعامل مع نظام صادر جزءاً من سيادة وطنها، فيما كانت تخشى في الوقت نفسه من انهيار التوازنات الإقليمية؟
المسيحيون ومشقة التاريخ
جاءت الثورة السورية، لتقلب المعادلات. سقطت الصورة التقليدية لسوريا في الوعي المسيحي اللبناني. لم تعد سوريا الدولة القوية القادرة على فرض إرادتها في لبنان، ولا الدولة المركزية التي ترسم حدود اللعبة السياسية. أصبحت بلداً يبحث عن إعادة بناء نفسه، بعدما أنهكته الحرب والانقسامات والعقوبات.
اليوم، ومع التحولات التي تشهدها سوريا، يبرز سؤال جديد: هل يستطيع المسيحيون اللبنانيون إعادة بناء علاقتهم مع سوريا بعيداً عن عقدة الماضي؟

إن المطلوب ليس نسيان التاريخ، لأن الشعوب التي تنسى أخطاءها تكررها، بل التحرر من أسره. فالعلاقة المستقبلية لا ينبغي أن تُبنى على ذاكرة الوصاية، ولا على أوهام القطيعة، بل على قاعدة واضحة: سيادة دولتين مستقلتين، ومصالح مشتركة، واحترام متبادل.
إن المسيحيين في لبنان وسوريا لا يجمعهم نظام سياسي، بل يجمعهم إرث مشرقي عميق. وهم يدركون أن تراجع الحضور المسيحي في أي بلد من بلدان المشرق ينعكس على الجميع، كما أن ازدهاره في أي مكان يمنح الجميع مساحة أوسع للحرية والانفتاح.
لم تكن العلاقة بين المسيحيين اللبنانيين وسوريا علاقة عادية بين شعبين متجاورين، بل كانت دائماً علاقة مركبة، يختلط فيها التاريخ بالهوية
لكن هذا الإدراك لا يعني العودة إلى منطق المحاور،انما يعني الذهاب إلى منطق الرسالة. فالمسيحية المشرقية لم تكن في أفضل أحوالها عندما احتمت بالسلطة، ولكن عندما ساهمت في بناء الدولة والثقافة والجامعة والاقتصاد والإدارة. لهذا، فإن العلاقة الجديدة مع سوريا يجب أن تكون علاقة مؤسسات لا أجهزة، ودول لا أنظمة، وشعوب لا وصايات.
مستقبل العلاقات اللبنانية ـ السورية
انتهى زمن كانت فيه بيروت تنتظر القرار من دمشق، كما انتهى زمن كان فيه مستقبل سوريا يُقرأ الى حدٍ كبير من بيروت. واليوم، تقف العاصمتان أمام فرصة نادرة: أن تتحولا من ساحتي نفوذ متبادل إلى شريكين في استقرار إقليمي يحتاج إليه الجميع.
الجغرافيا السياسية تعلمنا أن الجوار قدر، أما نوع العلاقة مع الجار فهو قرار. وسوريا بالنسبة إلى لبنان ليست خياراً جغرافياً يمكن استبداله، بل حقيقة ثابتة. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى فرصة يحتاج إلى شجاعة سياسية، وإلى ذاكرة لا تنسى، من دون أن تبقى أسيرة الماضي.
إقرأ أيضاً: مسيحيّو لبنان وجودهم رهن خياراتهم (3/4)
قد يكون المسيحيون اللبنانيون اليوم أمام مهمة جديدة: أن يكونوا من دعاة العلاقة الطبيعية مع سوريا، لا علاقة التبعية لها. علاقة تحفظ السيادة، وتفتح أبواب التعاون، وتؤمن بأن مستقبل المشرق لا يُبنى بإلغاء الجغرافيا، بل بإدارة التاريخ بعقلانية.
فالحدود قد ترسمها الخرائط، أما حسن الجوار فترسمه الإرادة السياسية. وبين الخرائط والإرادة، يُكتب مستقبل لبنان وسوريا معاً… لعلّ وعسى!
