الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

مدة القراءة 6 د

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى فئات متصارعة. وكان هناك فريق معارض قديم من أيّام رئيس الوزراء محمّد مصدَّق يأمل قيام حكومة ديمقراطيّة. وما حدث هذا ولا ذاك، بل قامت دولة دينيّة يحكمها الملالي، من دون أن ينتظروا عودة الإمام المهديّ كما هو مقتضى العقيدة الشيعيّة الإماميّة: فما هي حظوظ الدولة الدينيّة الإيرانيّة بالبقاء؟ ولماذا كسبت بعض الشعبيّة بالداخل والخارج؟

 

جلال آل أحمد كاتب يساريّ إيرانيّ اشتهر في الخمسينيّات والستّينيّات من القرن الماضي، وقد كانت من بين أشهر أعماله مقالاته في الريف الإيرانيّ وعلل بؤسه. لكنّه كتب أيضاً كتاباً طريفاً هو “داء الابتلاء بالغرب”. وهذا النعي على الغرب في زمن الحرب الباردة وصعود الازدهار الرأسماليّ، قابله صعود من جهات شبابيّة كثيرة معادية لدولة الرأسماليّة المزدهرة، وما يزال كثيرون منّا يذكرون ثورات الطلّاب بأوروبا وأميركا في عام 1968. وكانت التمرّدات الطلّابيّة الأميركيّة تحمل عدّة نغماتٍ لا نغمةً واحدة: حرب فيتنام، وإنفاذ القوانين المدنّية.. إضافةً بالطبع إلى الهجوم على الوحشيّة الرأسماليّة.

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى فئات متصارعة

الطلّاب الإيرانيّون والثّورة التي خالفت التّوقّعات

لقد شهدتُ بألمانيا أثناء الدراسة أواخر أيّام الثورة الطلّابيّة وصرخات أعلامها الكبار وهم في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم وبعضهم ماركسيّون عتاة، والبعض الآخر شيوعيّ صينيّ، والبعض الثالث من جماعات ما صار يُعرف باليسار الجديد الذي هو ضدّ الأرثوذكسيّتين الماركسيّتين المتخاصمتين الروسيّة والصينيّة. لكن لا يظنّنّ أحدٌ أنّني أتحدّث عن الشبّان الألمان وحسب، بل وعن الطلّاب الإيرانيّين الكثيرين الذين كانوا يدرسون بالجامعات الألمانيّة بمئات المنح التي كانت تهطل عليهم بسبب العلاقات الودّيّة بين ألمانيا وإيران في الستّينيّات والسبعينيّات، وهذا علاوة على وجود الآلاف من الطلّاب الإيرانيّين الذين يدرسون على حساب أهلهم لأنّ النهوض الاقتصاديّ الإيرانيّ كان عظيماً، لكنّ أبناء الأغنياء كانوا جميعاً على  وجه التقريب ساخطين على نظام بلادهم وحكمها و”الحثالة” الرأسماليّة التي تعيش في مزابل الكومبرادور (الطبقة البورجوازيّة المحليّة المتحالفة مع رأس المال الأجنبيّ وعلى حساب الاقتصاد الوطنيّ).

حتّى عام 1975 ما كنّا نسمع شيئاً عن الخمينيّ والمؤسّسة الدينيّة في أوساط الطلّاب. لكنّ بعض المتقدّمين في دراساتهم الاجتماعيّة كانوا ينبّهوننا إلى كتاب جلال آل أحمد والتضليل الرأسماليّ عن البؤس، والذي يمكن أن يدفع فئات من العامّة المتديّنة بالريف إلى أحضان الملالي الذين ما كان أحدٌ بين الطلّاب الإيرانيّين بألمانيا من أنصارهم. ومع ذلك عندما بدأت التظاهرات الضخمة عام 1978 وظهر الريفيّون المتديّنون بين بورجوازيّي المدن المتظاهرين، كان الزملاء الذين تخرّجوا وراحوا يبحثون عن عملٍ بألمانيا أو يتحمّسون للعودة إلى إيران للمشاركة في “الثورة” يطمئنوننا إلى أنّ أنصار الملالي إنّما هم قوّة تحشيد وليسوا جماعات سلطة لأنّه لا خبرة عندهم وكثيرون منهم ما يزالون ينتظرون عودة المهديّ لتعود السياسة المشروعة إلى المجتمع من طريق الإمام العائد.

إقصاء الحلفاء وترسيخ حكم رجال الدّين

ما صحّت توقّعات كلّ الفئات بشأن المستقبل السياسيّ لإيران. حتّى أولئك الذين شاركوا في حكومات الخمينيّ الأولى وما كانوا شيوعيّين بل وطنيّون معارضون أو من أنصار “ديمقراطيّة حقيقيّة”، ما لبث الإقصاء أن نال منهم أو قُتلوا أو هربوا مثل أوّل رئيس للجمهوريّة أبي الحسن بني صدر. وقد تحدّث بعض الناجين عن طغيان الحكومة الدينيّة المغلَّف بالعقائديّة المزوَّرة. لكنّ الغالبيّة من المثقّفين حتّى وهي تُضطهد وتُقتل ما كانت ترفع الصوت بالمعارضة بسبب الحرب العراقيّة على إيران، وضرورة توحيد الصفّ الوطنيّ في مواجهة العدوان والخوف من الاتّهام بالخيانة.

هكذا تحت وطأة الكراهية العارمة والمتصاعدة للغرب الرأسماليّ، وصلت لأوّل مرّةٍ حكومة دينيّة في إيران. وهي ليست دينيّة بسبب الاعتقاد وسواد الفقه الشيعيّ، بل لأنّ رجال الدين يحكمون بأنفسهم وما عادوا ينتظرون عودة الإمام. فقد كان الصفويّون شيعة متشدّدين، لكنّهم حكموا بوصفهم الأباطرة العدول، الذين يؤيّدهم بعض رجال الدين مع الإصرار على البعد عنهم، فحتّى مناصب القضاء كان الأكثرون منهم يأبون تولّيها.

كيف اكتسب النّظام الإيرانيّ شرعيّته الدّاخليّة والخارجيّة؟

كما كان غريباً وصول الملالي للسلطة، وكان غريباً أيضاً تلك الشعبيّة التي حصلوا عليها بالداخل وبين الشيعة في خارج إيران، وأخيراً شعبيّتهم بين السنّة ويساريّي العالم الباقين. الشعبيّة بالداخل ناجمة عن اندفاع الريفيّين إلى الحواضر والمدن، ثمّ الحروب المباشرة وغير المباشرة التي خاضتْها إيران وتخوضها والتي تدفع باتّجاه الالتفاف من حول قيادة الوطن.

أمّا في الخارج الشيعيّ وغير الشيعيّ فإنّ إيران أفادت من التيّار العارم لعودة الدين، وأنفقت كثيراً على التشييع والميليشيات والجاذبيّة لدى غير الشيعة، لأنّها صارت العدوّ الرئيس للولايات المتّحدة بعد سقوط الاتّحاد السوفيتيّ.

إقرأ أيضاً: أما وقد بلغت كربلاء حدَّها

لكن لا ينبغي المبالغة في تقدير الدعم الشعبيّ والعالميّ للنظام الإيرانيّ، فقد حصلت أربعة تمرّدات كبرى بالداخل الإيرانيّ، وعشرات التمرّدات الصغيرة. لكنّ الحرس الثوريّ والباسيج والقوى النظاميّة وشبه النظاميّة الأخرى تقتل وتقمع بدون هوادة، وهذا عامل مؤثّر في الخضوع والإخضاع. وكان المفكّر المغربيّ المعروف محمّد عابد الجابري يزعم أنّ العرب تعلّموا أخلاق “الخضوع” من الثقافة الإيرانيّة. وبالطبع ما كان هذا صحيحاً لدى الإيرانيّين ولا لدى العرب.

المهمّ الآن أنّنا عرفنا في الأزمنة المعاصرة دولة دينيّة بإيران يسودها الفقه الدينيّ ويحكمها رجال الدين وتحوط نفسها بأجهزة كبرى عسكريّة وأمنيّة واستخباريّة، وتمارس على شعبها وشعوب الجوار سياسات اختراق وقمع واستتباع. فهل للدولة الدينيّة مستقبلٌ في الأزمنة المعاصرة؟

مواضيع ذات صلة

تسليم لبنانيّ بوصاية دوليّة بدل الإسرائيليّة أو الإيرانيّة

قبل الانتقال إلى الجولة السادسة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة برعاية أميركيّة في روما غداً الأربعاء، اعتبر المفاوض اللبنانيّ أنّ إنجاز اتّفاق الإطار في 26 حزيران الماضي…

إيران ودبلوماسية الجنائز: رسائل بالصوت والصورة

مرّر القيمون على مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي مواقفهم الداخلية والخارجية من خلال مراسم تشييعه إلى مثواه الأخير، وذلك عبر رسائل…

ترامب يحمل “التزامات” الشّرع إلى نتنياهو وعون

لم يخرج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من لقائه الثلاثيّ مع الرئيس السوريّ أحمد الشرع والرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ في…

بغداد الامتحان الأوّل للجمهوريّة الإسلاميّة الجديدة

لم يكن المشهد الأهمّ في تشييع المرشد الإيرانيّ عليّ خامنئيّ هو ما جرى في طهران، بل ما جرى خارجها. فالجنازة التي عبرت مدناً عراقيّة، والحشود…