إيران ودبلوماسية الجنائز: رسائل بالصوت والصورة

مدة القراءة 4 د

مرّر القيمون على مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي مواقفهم الداخلية والخارجية من خلال مراسم تشييعه إلى مثواه الأخير، وذلك عبر رسائل سياسية وجغرافية اعتمدت، بشكل أساسي، على ثنائية الصوت والصورة.

 

في مشهد جنائزي تجاوز طقوس الوداع، كشف القيمون عليه حجم موازين القوى، والتحالفات الداخلية وحتى الخارجية، وشكل المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول من حضر، ومن غاب أو غُيِّب عن إلقاء النظرة الأخيرة، أو من حضر وسمع ما لا يرضيه فخرج، كما حدث مع أسرة المرشد المؤسس.

إيران والمرحلة الانتقالية

في رسائل المرحلة الانتقالية، كان الاختيار المتعمد، في مضمونه، للآيات القرآنية الكريمة التي تُليت على مسمع كبار المعزين من الخارج، إعلاناً واضحاً وصريحاً عن المواقف التي يتبناها أصحاب القرار، وخلفياتهم العقائدية، وكيفية تعاطيهم مستقبلًا مع جوارهم القريب والبعيد، بوصفهم أوصياء السلطة وورثتها في آنٍ واحد. والسؤال الدبلوماسي الذي يطرح نفسه: ماذا لو قُرئت على مسمع وفدٍ إيراني، في مناسبة ما، الآيات الثانية والثالثة والرابعة من سورة الروم المباركة؟

في الأنظمة العقائدية، تُدار السلطة عبر الكلام، ولكن يُدار انتقالها عبر الصورة. من هنا يُفهم تغييب شخصيات إيرانية بارزة. وهذه الشخصيات ليست فقط من التيارات الإصلاحية المحاصرة، بل أيضاً من المعتدلين أو المحافظين التقليديين، الذين لم يعد مرغوباً فيهم في السلطة أو في جوارها، حتى من رفاق درب الراحل خامنئي الذين رافقوه في مرحلته الانتقالية.

رسائل الحضور والغياب كانت واضحة. فالشخصيات الكبرى لا تُدفن وحدها، بل تُدفن معها حقبة، وتُولد حول نعوشها توازنات جديدة. هكذا بدا دفن المرشد الإيراني. فلم يكن مجرد مراسم لتشييع قائد حكم لعقود، بل مناسبة اختبرت من خلالها طهران شبكة علاقاتها الخارجية، وقدرتها على إظهار تماسكها الداخلي في لحظة انتقال حساسة.

الواضح في جنازة المرشد خامنئي أن الصورة لم تكن مجرد توثيق لما يحدث، بل كانت إعلاناً مبكراً لما سيحدث، فالصورة حددت وجوه القرار واتجاهاته في إيران، وتحولت إلى لغة موازية للبيان الرسمي. لذلك، كان حصر الورثة وتحديد ملامحهم تعويضاً مباشراً عن غياب الوريث الاول  صوتاً وصورةً.

أثر الجغرافيا الإيرانية والعراقية

في الجغرافيا، كانت مساحات المشيعين بين طهران وقم ومشهد استفتاءً أقرب إلى بيعة يحتاجها الورثة من الإيرانيين عامة، أو من الموالين للنظام خاصة. لكن للجغرافيا العراقية شأناً آخر.

في النجف، كما يقول الكاتب العراقي والخبير في شؤون الحوزة الدينية الأستاذ سرمد الطائي لمنصة +964، إن المرشد علي خامنئي دخل العاصمة الدينية للشيعة في العالم زائراً، وليس ولياً لأمر المسلمين الشيعة. فولاية الفقيه اجتهاد فقهي رفضت حوزات النجف العمل به منذ تأسيسها، وكان سبباً للصدام بينها وبين طهران. ويكمل الطائي كلامه بالقول: “طهران والنجف خطان متوازيان لا يلتقيان، حتى بمشيئة السلاطين، طالما أن اتجاه البوصلة متناقض بهذا العيار”.

يضيف الطائي أن: “النجف مرّ الزمان عليها، وبقيت تحتمي بالفقه القديم وذاكرة “فتن الدهور وصروف الأيام” قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. وهي تحفظ دروس إسطنبول وطهران”، والدرس هنا تاريخي، والمشهد أيضاً. فقد اختارت النجف أن يصلي على الجثمان أحد كبار أساتذتها، والذي أقام صلاة الميت على مرجعين في الاونة الاخيرة.

توزيع الأدوار السياسية والدينية

واختيار النجف وكربلاء، باعتبارهما أهم حاضرتين دينيتين للمسلمين الشيعة، ليس روحياً فقط، بل سياسي أيضاً، في بُعد عقائدي ذي خلفية تاريخية تعود إلى اتفاقية زهاب عام 1639 بين العثمانيين والصفويين، ذلك أنه بعد هزيمة الإيرانيين في الحرب، والتي نظمت توزيع الأدوار بين العثمانيين والصفويين في العراق، وفيها أن إسطنبول لا تعارض الدور الروحي والثقافي لإيران في العراق، ولكن السياسة تبقى في بغداد وإسطنبول.

إقرأ أيضاً: أما وقد بلغت كربلاء حدَّها

ولأن حرب 2003، حرب احتلال العراق واسقاط نظام الرئيس صدام حسين، أسقطت الموروث العثماني، وبعدها ذهبت السلطة إلى طهران، فكان هناك قلق إيراني جدي من أن تعيد تداعيات السابع من أكتوبر السلطة إلى بغداد، ولكن في سياقات مختلفة ومركبة، تراعي البعد الروحي، ولكن تنسجم مع مقتضيات الجغرافيا ومصالحها.

عليه، بالعودة إلى دبلوماسية الجنائز بالصوت والصورة، لا يبدو الورثة الذين أقصوا ورثةً آخرين على وفاق، وهم لا يرثون السلطة وحدها، بل يرثون أيضاً أعباء التاريخ والجغرافيا والعقيدة.

مواضيع ذات صلة

الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى…

تسليم لبنانيّ بوصاية دوليّة بدل الإسرائيليّة أو الإيرانيّة

قبل الانتقال إلى الجولة السادسة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة برعاية أميركيّة في روما غداً الأربعاء، اعتبر المفاوض اللبنانيّ أنّ إنجاز اتّفاق الإطار في 26 حزيران الماضي…

ترامب يحمل “التزامات” الشّرع إلى نتنياهو وعون

لم يخرج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من لقائه الثلاثيّ مع الرئيس السوريّ أحمد الشرع والرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان في قمّة حلف شماليّ الأطلسيّ في…

بغداد الامتحان الأوّل للجمهوريّة الإسلاميّة الجديدة

لم يكن المشهد الأهمّ في تشييع المرشد الإيرانيّ عليّ خامنئيّ هو ما جرى في طهران، بل ما جرى خارجها. فالجنازة التي عبرت مدناً عراقيّة، والحشود…