أما وقد بلغت كربلاء حدَّها

مدة القراءة 9 د

تغيّر كلّ شيء في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ولم يتغيّر شيء.

‏ففي أوّل رسالة منسوبة للوليّ الفقيه الجديد مجتبى خامنئي بعد دفن والده، صوّر الابن مقتل أبيه كاستمرار بطوليّ للمسيرة الحسينيّة وسرديّة كربلاء.

 

في العاشر من محرّم سنة 61 للهجرة، الموافق العاشر من تشرين الأوّل عام 680 للميلاد، وقف الحسين بن عليّ، حفيد النبيّ، مع نحو اثنين وسبعين من أهله وأصحابه في مواجهة جيش الدولة الأمويّة على ضفاف الفرات. قاد الحملة عليه عمر بن سعد بأمرٍ من عبيدالله بن زياد، والي الكوفة، تنفيذاً لإرادة الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الوارث حديثاً للملك عن أبيه. انتهت المواجهة بمذبحةٍ رسمت خطّاً فاصلاً في الوجدان الإسلاميّ، وأسّست لهويّةٍ شيعيّةٍ متمايزة، رفدتها طقوس العزاء وسرديّات المظلوميّة العابرة للأجيال، وإرث مديد نجحت الخمينيّة في إعادة إنتاجه بقالب سياسيّ معاصر.

بيد أنّ مجتبى، أو من ينتحل اسمه اليوم في إيران، لم يفعل في الحقيقة أكثر من استدعاء كتيّب قواعد سياسيّة عمره 1,400 عام، جرى تمديد صلاحيّته لزمن لم يعُد زمانه.

السّرديّة الكربلائيّة وعلامات الأفول

ففي عصر تتضاعف فيه الفجوات وتختلّ موازين القوّة، لا يقدّم “النموذج الحسينيّ” سوى القدرة على مدّ الأيديولوجية الحسينيّة بأسباب الحياة، عاجزاً عن تحقيق الرخاء للمجتمع أو تقديم نصر حاسم للعقيدة. يؤكّد هذه الحقيقة، مسار إيران الحاليّ، القائم حصراً على إدارة الأزمات عبر ابتذال السرديّة الاستشهاديّة. ‏ولأنّ الأفكار محكومة إمّا بأن تتطوّر أو أن تندثر، تبدي السرديّة الكربلائيّة اليوم، في ظلّ ما آلت إليه أحوال إيران، كلّ علامات الأفول ونفاد الصلاحيّة.

الرهان على الوكلاء والصواريخ البالستيّة فيمنح طهران قدرة المشاغبة لا أكثر، فيما يظلّ الردع الحقيقيّ الذي يحمي ويصون بعيد المنال

نجح النموذج الكربلائيّ، في سياقه التاريخيّ، في حفظ رؤيةٍ إسلاميّةٍ ما وسط صراعات الفقيه السياسيّة والقبليّة المبكرة على السلطة كما على شكل الدولة في الإسلام ومصدر شرعيّتها. خلقت كربلاء هويّة شيعيّة متمايزة، رفدتها طقوس راسخة وسرديّات مقاومة لا تنطفئ. وألهم هذا الحدث الدراميّ موجاتٍ متعاقبة من الثورات: ثورة التوّابين بقيادة سليمان بن صرد سنة 65 للهجرة، وحركة المختار الثقفيّ في الكوفة، الذي قتل معظم من تورّطوا في جريمة قتل الحسين، وثورة زيد بن عليّ سنة 122 للهجرة. وحمت مرثيّة عاشوراء تقاليد أقلّيّةٍ مذهبيّة قروناً طوالاً في مواجهة سلطات مركزيّةٍ مهيمنة ومتعاقبة.

على الرغم من هذه الثورات، صمدت الدولة الأمويّة أكثر من سبعين عاماً كاملة بعد واقعة كربلاء، حتّى سنة 750 للميلاد، حين انهارت في معركة الزاب (أحد روافد دجلة شمال العراق) الكبير أمام الثورة العباسيّة. أطاحت بها عواملُ بنيويّة عميقة أبرزها نقمة الموالي من غير العرب في خراسان، والعصبيّات القبليّة المستعرة بين القيسيّة واليمانيّة، والإرهاق الماليّ للخزينة، والتنظيم السرّيّ المُحكم للدعوة الهاشميّة التي قادها عسكريّاً أبو مسلم الخراسانيّ.

في ذلك العالم الأبطأ والأقلّ ترابطاً، كان بإمكان التحدّي غير المتكافئ والتضحية الرمزيّة لأقليّة ما أن تقوّض شرعيّة السلطة المضادّة عبر الأجيال. أمّا اليوم فلم يعد الأمر كذلك.

‏وما تصوير مقتل خامنئي كاستشهاد على طراز كربلاء، إلّا لغو عقائديّ قد يحشد القاعدة الشعبيّة ويبرّر سرديّة “المقاومة”، لكنّ النظر إلى نتائجه يكشف واقعاً مغايراً:

اختلال موازين العصر:

دارت المعارك، في القرن السابع، بين جيوشٍ قبليّةٍ متقاربة العُدّة، وكانت تحسمها الشجاعة الفرديّة والشرعيّات المحليّة والعدد. اليوم تواجه إيران منظوماتٍ عسكريّة فائقة الدقّة، وتفوّقاً استخباريّاً وسيبرانيّاً ترجمته الحرب الأخيرة إلى اغتيالاتٍ طالت الصفّ الأوّل واختراقاتٍ بلغت العمق الأمنيّ، على ما دلّ سقوط المرشد نفسه بضربةٍ جوّيّة على مجمّعه في قلب طهران.

خلقت كربلاء هويّة شيعيّة متمايزة، رفدتها طقوس راسخة وسرديّات مقاومة لا تنطفئ

أمّا الرهان على الوكلاء والصواريخ البالستيّة فيمنح طهران قدرة المشاغبة لا أكثر، فيما يظلّ الردع الحقيقيّ الذي يحمي ويصون بعيد المنال.

اقتصاد الاستشهاد أو المقاومة كانتحار بطيء:

حوّلت عقيدة “اقتصاد المقاومة” التحدّي والرفض والممانعة إلى برنامج إفقارٍ منهجيّ للدولة الإيرانيّة. فقد تجاوز التضخّم السنويّ 88 في المئة في حزيران 2026، في واحدةٍ من أعنف موجات الغلاء التي عرفتها البلاد منذ الحرب العالميّة الثانية. وتوقّع صندوق النقد الدوليّ انكماش الاقتصاد الإيرانيّ بنحو 6 في المئة خلال العام نفسه. هوى الريال من قرابة 1.35 مليون مقابل الدولار في مطلع 2026 إلى ما يناهز 1.9 مليون بعد بدء الضربات في شباط. ما عاد الحدّ الأدنى للأجور يغطّي أكثر من 37% من كلفة سلّة المعيشة الأساسيّة. وأكثر من نصف الإيرانيّين يعانون شكلاً من أشكال سوء التغذية. فاللحوم والخبز صارا ترفاً في جمهوريّةٍ تجلس على ثاني أكبر احتياطي غازٍ في العالم.

كربلاء

يُضاف إلى ذلك نزيفٌ متصاعد للعقول والكفاءات، واحتجاجاتٌ دمويّةٌ متجدّدة حصدت عشرات الآلاف في كانون الثاني الماضي وحده.

أزمة الحوكمة: التّعبئة بديلاً من التّنمية

تحتاج دولةٌ يقطنها نحو تسعين مليون نسمة كفاءةً مؤسّسيّة وشفافيّةً وتخطيطاً بعيد المدى. أمّا النموذج الكربلائيّ المُستدعى فيجيد إنتاج التضحية بوصفها نصراً والتحكّم بالسرديّة الإعلاميّة والتعبويّة بوصفه بوّابة المستقبل، فيما تقع أفكار التنمية خارج مدركاته تماماً. النتيجة الحتميّة ثراءٌ فاحشٌ لأوليغارشيّة دينيّةٍ وعسكريّة، وشقاءٌ عامّ للإيرانيّين، واعتمادٌ شبه حصريّ على أدوات القمع الأمنيّ من أجل البقاء. تكشف الميزانيّة الأخيرة المعادلة عاريةً: تبتلع مؤسّسات الحرس والأمن أضعاف حصّة الحكومة المدنيّة، ويُرصد للمؤسّسات الدينيّة ما يقارب نصف عائدات النفط، فيما يثقل العبء الضريبيّ كاهل أسرٍ منهكةٍ أصلاً.

حوّلت عقيدة “اقتصاد المقاومة” التحدّي والرفض والممانعة إلى برنامج إفقارٍ منهجيّ للدولة الإيرانيّة

الثّأر برنامجاً للحكم

يستكمل صعود مجتبى السيناريو ذاته القائم على: طقوس جنائزيّة، ودموع، ووعود بالانتقام، واستدعاء متجدّد للمظلوميّة  التاريخيّة. وفي هذه الأثناء يهوي الاقتصاد نحو القاع في سقوطٍ حرّ. وعليه اعتماد “النهج الكربلائيّ” استراتيجيّةً عليا للدولة يحمل مخاطرةً وجوديّة، بحيث تتحوّل أعظم سرديّة في الوجدان الشيعيّ إلى فخٍّ ينقضّ على الدولة التي تحتمي به. فالتماسك الذي توفّره كربلاء مؤقّتٌ وقصير النفَس، وثمنه الفادح، على المدى الطويل، استنزافُ الحيويّة الحضاريّة للبلاد التي جسّدت النموذج الحسينيّ للمرّة الأولى منذ 1,400 سنة.

الوعد الأوّل للمرشد الجديد كان الثأر. والثأر يعبّئ جيلاً غاضباً ليومٍ أو لشهر، في حين أنّ الدولة الحديثة تُبنى بالكهرباء والخبز والوظيفة والعملة المستقرّة والعقد الاجتماعيّ، وتتهاوى حين تُدار بمنطق مواكب العزاء.

استدعى مجتبى كربلاء ليحكم بها، فإذا بها تحكم عليه. فالمأساة التي منحت الشيعة هويّةً عابرةً للقرون تضرب للجمهوريّة الإسلاميّة موعداً أكيداً مع الأفول، لأنّ ما يصلح لاهوتاً لبقاء جماعةٍ فرعيّة  يتحوّل عبئاً على دولةٍ مطالَبة بالكهرباء والخبز والوظيفة.

المفارقة أنّ النظام يملك من أدوات القمع ما يكفي لتأجيل نهايته، ويفتقر إلى كلّ ما يلزم لمنعها. فالثأر يشتري وقتاً ولا يبني اقتصاداً، والتعبئة تحشد الغاضبين ولا تُطعم الجائعين.

ما عاد استحضار الماضي يُعفي إيران الخمينيّة من حكم الحاضر، لا سيما وقد بلغت السرديّة الحسينيّة سقفَ ما تقدر عليه، وأنّ ما يليها يُكتب بلغة غير لغة المآتم.

وما تصوير مقتل خامنئي كاستشهاد على طراز كربلاء، إلّا لغو عقائديّ قد يحشد القاعدة الشعبيّة ويبرّر سرديّة “المقاومة”

سيرة الشّيعة وصعودهم

تدرّج وصول الشيعة إلى الحكم، خلال عدّة قرون، بأشكالٍ مذهبيّة متباينة. ركبت الثورة العباسيّة سنة 750 موجة النقمة العلويّة والهاشميّة لتبلغ السلطة، ثمّ انقلبت على آل البيت وطاردتهم، فبقيت الخلافة بأيدٍ سنّيّة. وقام أوّل كيانٍ علويّ فعليّ في المغرب مع الأدارسة نحو سنة 788، بعد كربلاء بقرنٍ ونيّف، على أطراف العالم الإسلاميّ بعيداً عن مركز الخلافة. تلته الدويلات الزيديّة: العلويون في طبرستان سنة 864، ثمّ الإمامة الزيديّة في اليمن سنة 897 التي عمّرت بأشكالٍ متعاقبة حتّى سقوط المملكة المتوكّليّة سنة 1962. وبلغ الطموح الشيعيّ ذروته الأولى مع الفاطميّين الإسماعيليّين، الذين أقاموا أوّل خلافةٍ شيعيّة منافِسة سنة 909 وبنوا القاهرة سنة 969 لتنازع بغداد شرعيّة العالم الإسلاميّ. ثمّ أمسك البويهيّون سنة 945 بقلب الخلافة نفسه، فحكموا فعليّاً وأبقوا الخليفة العباسيّ واجهةً رمزيّة، وتحت سلطانهم رُسّمت مواسم عاشوراء العلنيّة في بغداد للمرّة الأولى سنة 963.

غير أنّ هذه التجارب جميعها ظلّت زيديّةً أو إسماعيليّة أو علويّةً غير متبلورة. أمّا التشيّع الاثنا عشريّ فانتظر الصفويّين سنة 1501، حين فرض الشاه إسماعيل المذهب الجعفريّ ديناً للدولة واستقدم فقهاء جبل عامل لتأصيله، فوُلدت إيران الشيعيّة الحديثة. على أنّ الصفويّة أقامت دولةً للمذهب بسلطةٍ ملكيّة، يقف الفقيه فيها إلى جوار العرش يفتي ويشرعن بينما يحكم الشاه. وحدها الخمينيّة سنة 1979 أجلست الفقيه على العرش ذاته عبر نظريّة ولاية الفقيه المطلقة، وهي بدعةٌ لا سابقة لها في أربعة عشر قرناً، رفضها جمهور المراجع التقليديّين.

إقرأ أيضاً: بيروت ساحة الصّراع الرّئيسيّة مع إيران

هكذا تراكمت العودات على مدى القرون: قرنٌ حتّى أوّل دويلة علويّة، وقرنان ونصف حتّى خلافةٍ فاطميّة وسيطرةٍ بويهيّة على بغداد، وثمانية قرون حتّى أوّل دولةٍ اثني عشريّة كبرى، وأربعة عشر قرناً حتّى حكم الفقيه المباشر. وفي هذا التدرّج تكمن المفارقة الختاميّة: أطول انتظارٍ في التاريخ الشيعيّ أنتج أقصر الصيغ نفَساً، فالنموذج الذي بلغ ذروته سنة 1979 يستنفد صلاحيّته اليوم أمام أوّل اختبارٍ وجوديّ جدّيّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@NadimKoteich

مواضيع ذات صلة

ماذا سيقول الرّئيس عون لترامب؟

ماذا سيقول الرئيس اللبنانيّ جوزف عون للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في لقاء يوم 21 الحاليّ؟   هذه المطالعة هي افتراضيّة متخيّلة في ذهن كاتب المقال…

الأردن: استقالة وزير تكشف مأزق رئيسه

لا يخسر رؤساء الحكومات معاركهم الأولى بسبب قرار خاطئ، بل بسبب قراءة خاطئة لطبيعة السياسة. وهذا، على الأرجح، ما يواجهه رئيس الوزراء الأردنيّ جعفر حسّان…

إسرائيل في الطّريق إلى الشّرق الأوسط الجديد؟

بعد مرور 59 عاماً على حرب الأيّام الستّة في حزيران من سنة 1967 التي تمكّنت إسرائيل من خلالها أن تعلن قيام شرق أوسط جديد، تقف…

تركيا تدرّب قوّات حفتر.. ما الذي تغيّر؟

لم يكن تفصيلاً أمنيّاً عابراً البيان الذي نشرته وزارة الدفاع التركيّة في 5 من تمّوز الجاري عن تدريب قوّات ليبيّة من الشرق بقيادة خليفة حفتر….