بدأ العدّ العكسيّ: الجنوب من دون “غطاء أمميّ”

مدة القراءة 7 د

يخفي  مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل منذ الجلسة الأولى في 14 نيسان الماضي، وصولاً إلى جولة روما المرتقبة، ثمّ زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون للولايات المتّحدة الأميركيّة، عبئاً لبنانيّاً ثقيلاً وخطِراً يرتبط بمصير الجنوب بعد مغادرة قوّات الطوارىء الدوليّة العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل” نهاية العام الجاري. حتّى الآن، وفق المعطيات، لم تتّضح معالم مرحلة ما بعد “قوّات الطوارئ الدوليّة”، في وقت يرتبط أيّ تفصيل في شأن تنفيذ اتّفاق الإطار بهذه المرحلة تحديداً. من سيَخلف “اليونيفيل” في الجنوب؟ وأيّ جنوب سيكون؟

 

قبل أيّام وقّع 86 نائباً عريضة برلمانيّة تطالب باستمرار بقاء قوّات “اليونيفيل” في الجنوب، أو إعادة النظر بالقرار الدوليّ الذي قضى بإنهاء مهامّها نهاية عام 2026. الخطوة التي أتت بمبادرة من النائب ملحم خلف، وبالتنسيق مع الرئيس نبيه برّي، حصدت ثلثَي التواقيع من بينها توقيع برّي، من دون “القوّات اللبنانيّة” ولا “الحزب”.

مشكلة هذه العريضة داخليّة وخارجيّة: في الداخل يُفترض أن يكون الممرّ الطبيعيّ لها وزارة الخارجيّة، لمخاطبة الأمم المتّحدة، فيما وزير الخارجيّة نفسه يوسف رجّي من الفريق السياسيّ غير الموقّع عليها. تفيد المعلومات أنّ “القوّات” ترى أنّ “اليونيفيل فشلت في مهامّها، إذ تنامت القدرات العسكريّة لـ”الحزب” “تحت رعايتها” ورعاية الجيش اللبنانيّ منذ سنة 2006، وتتطلّب مقتضيات المرحلة تنسيقاً أميركيّاً – لبنانيّاً – إسرائيليّاً مباشراً للإمساك بالأرض وترجمة اتّفاق الإطار، وأن يقتصر أيّ وجود دوليّ جنوباً على قوّات نخبة دوليّة أو أوروبيّة لتنفيذ الاتّفاق بالقوّة العسكريّة”.

أمّا في الخارج فـ”حمّى” المفاوضات من إسلام آباد إلى واشنطن وروما تُشكّل موجة أكبر قد “تبتلع” هذا النوع من المبادرات “المحليّة”، المتأخّرة أصلاً، لا سيما أنّ الجنوب يخضع راهناً لامتحان الترتيبات الأمنيّة، و”ملاحقها”، المفترض أن تترجم اتّفاق الإطار بخطوات تنفيذيّة بهدف نزع السلاح، من الجنوب وكلّ لبنان، وفق مصادر مطّلعة.

هناك إصرار ثنائيّ على جعل “ملفّ السلاح”، وما يرتبط به من استحقاقات كعودة الجنوبيّين إلى قراهم وإعادة الإعمار، “مُهمّة خاصة” بواشنطن وتل أبيب

شطب” اليونيفيل

النزعة الأميركيّة – الإسرائيليّة لشطب “اليونيفيل” من معادلة الجنوب واضحة، والدور الفرنسيّ على رأسها. ووصل الأمر إلى حدّ ممارسة تل أبيب ضغوطاً كبيرة على قوّات حفظ السلام، إلى حدّ محاصرتها بالنيران على مدى الحربين المتتاليتين.

اليونيفيل

هناك إصرار ثنائيّ على جعل “ملفّ السلاح”، وما يرتبط به من استحقاقات كعودة الجنوبيّين إلى قراهم وإعادة الإعمار، “مُهمّة خاصة” بواشنطن وتل أبيب، مع فتح نافذة كرّستها المادّة الـ4 من اتّفاق الإطار حين أشارت إلى “التزام حكومة لبنان إعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوّة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمُتحقَّق منه من كلّ الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، وضمان عدم اضطلاع هذه الجماعات بأيّ دور عسكريّ أو أمنيّ، وعدم امتلاكها أيّ قدرات مسلّحة في أيّ مكان على الأراضي اللبنانيّة. وبموجب هذا الإطار، تطلب حكومة لبنان دعم الشركاء الدوليّين، ولا سيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتّحدة الأميركيّة، لتحقيق هذه الغاية”.

تهشيل” الفرنسيّين

وفق المعلومات، يضغط الأميركيّ باتّجاه عدم تكرار تجربة “اليونيفيل” و”تهشيل” الفرنسيّين، الأمر الذي تُرجِم أخيراً برفض استضافة باريس للمحادثات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، التي كان لواشنطن القرار الحاسم بحصولها في روما، وما قد يتناسب مع أجندته (وأجندة الإسرائيليّين ضمناً) بخلق إطار عسكريّ دوليّ – عربيّ من قوّات مسلّحة محدودة، لها صلاحيّات تنفيذيّة على الأرض، ضمن إطار مهمّة نزع السلاح.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تجاوز كلّ الخطوط الحمر باستدعائه المتكرّر لتدخّل عسكريّ سوريّ مباشر (الحدود الشرقيّة) في ملفّ نزع سلاح “الحزب”، من دون أن يلقى أيّ ردّ من جانب رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، وكذلك الرئيس نبيه برّي، بحيث اكتفى الرئيس عون بـ “الثناء” على موقف الرئيس السوريّ أحمد الشرع الذي “وضع حدّاً لما يتردّد من  حين إلى آخر عن دور عسكريّ سوريّ في البلاد”.

يقول مصدر مطّلع لـ “أساس”: “يحتاج اتّفاق الإطار إلى أشهر، وتجربة المناطق التجريبيّة ستكون معقّدة وتستغرق وقتاً

حتّى الآن، ينصبّ الجهد على ما تضمّنه اتّفاق الإطار، والملحق الأمنيّ له، من “التزام حكومتَي لبنان وإسرائيل إنشاء مجموعة للتنسيق العسكريّ، بدعم ومشاركة من الولايات المتّحدة الأميركيّة” (المادّة الـ7)، و”إنشاء مجموعات عمل تتولّى إعداد اتّفاق شامل للسلام والأمن، وفوراً إنشاء مسارات موازية للتواصل المباشر والمستمرّ، بتيسير من الولايات المتّحدة الأميركيّة” (المادة الـ12)، لضمان التنفيذ الشامل للإطار.

وذلك من دون اتّضاح حدود التداخل بين المهامّ المرتبطة بهذه اللجان، العسكريّة والتقنيّة، المرتبطة باتّفاق الإطار والمفترض أن تُقرّ هيكليّتها في اجتماعات روما، وبين “العقدة” المرتبطة بـ “الجهاز” أو القوّة الدوليّة التي ستخلف “اليونيفيل”.

يقول مصدر مطّلع لـ “أساس”: “يحتاج اتّفاق الإطار إلى أشهر، وتجربة المناطق التجريبيّة ستكون معقّدة وتستغرق وقتاً، خصوصاً إذا لم يلتزم الإسرائيليّ وقف النار النهائيّ ومندرجات الاتّفاق. وبالتالي هناك ما يسمّى Deadline هو نهاية ولاية “اليونيفيل” بعد خمسة أشهر ونصف، وهو ما يستدعي ترتيبات موازية إمّا من خلال إنشاء قوّة أمميّة رديفة “مختلطة”، أو أوروبيّة، وإمّا ترك ملفّ السلاح والجنوب، وكلّ الملفّات ذات الارتباط، بعهدة التنسيق الأميركيّ – اللبنانيّ – الإسرائيليّ حصراً”.

فرنسا مستعدّة

في زيارته الأخيرة للبنان عرض الموفد الرئاسيّ الفرنسيّ جان إيف لودريان ملفّ “اليونيفيل” على الطاولة، كاشفاً استعداد فرنسا لأن تكون رأس حربة في تكريس الإبقاء على الوجود الأمميّ أو الأوروبيّ في الجنوب، لكنّ “الطلب يجب أن يصدر عن لبنان وفق المسار الرسميّ”، وحتّى الآن لم يُرفَع هذا الطلب.

قبل أيّام وقّع 86 نائباً عريضة برلمانيّة تطالب باستمرار بقاء قوّات “اليونيفيل” في الجنوب، أو إعادة النظر بالقرار الدوليّ

وفق المعلومات، شهدت مناقشات “الناتو” في تركيا، التي حضرتها سوريا وغاب عنها لبنان، حديثاً في الملفّ اللبنانيّ، ومرحلة ما بعد قوّات الطوارئ الدوليّة. حتّى الآن هناك موانع أمام إنشاء إطار أوروبيّ تتصدّره فرنسا وإيطاليا، ومن ضمن مهامّه مواكبة تنفيذ الترتيبات الأمنيّة التي أفرزها اتّفاق الإطار الثلاثيّ. كان لافتاً إعلان وزارة الخارجيّة الألمانيّة، يوم السبت الماضي، أنّ “برلين وباريس تعتزمان إطلاق مبادرة مشتركة تهدف إلى تحقيق السلام في لبنان”.

إلى ذلك سبق لمسؤولة السياسة الخارجيّة في الاتّحاد الأوروبيّ كايا كالاس أن كشفت عن “العمل على إعداد بعثة جديدة للبنان”، فيما طرح الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش، في رسالة إلى الأمم المتّحدة في حزيران الماضي، استمرار وجود قوّات دوليّة في لبنان، مُقدِّماً ثلاثة خيارات لاستبدال قوّات “اليونيفيل”، الموجودة في لبنان منذ سنة 1978، تميّزت بطابعها العسكريّ والتفصيليّ.

إقرأ أيضاً: واشنطن تمهّد لدخول “شركاء دوليّين” لمساعدة لبنان

يرتبط هذا الملفّ أيضاً بشكل وثيق بملفّ دعم الجيش. فهل يكون هذا الدعم للجيش ككيان مستقلّ، أو من ضمن “إطار” دوليّ، الجيش اللبنانيّ من ضمنه، وبشروط محدّدة، في سياق بناء قدراته العسكريّة، بما يتناسب مع المهامّ المطلوبة منه.

 

 لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

روما… رحلة عبور اتّفاق الإطار إلى التّنفيذ

مطلع الأسبوع المقبل ينتقل السفير اللبنانيّ السابق سيمون كرم والسفيرة اللبنانيّة في واشنطن ندى معوّض حمادة إلى روما للمشاركة في الاجتماعات التفاوضيّة مع الوفد الإسرائيليّ…

واشنطن تمهّد لدخول “شركاء دوليّين” لمساعدة لبنان

بعد الإعلان الأميركيّ الرسميّ للانتقال إلى مربّع “تنفيذ اتّفاق الإطار”، بعد أسبوعين من توقيع لبنان وإسرائيل له، يدخل الاتّفاق مرحلة متقدّمة يُظلّلها توسّع الشرخ الداخليّ…

لبنان بين هشاشة الاتّفاق وتجدّد الحرب

بعد الهدوء النسبيّ الذي لم يوقف الغارات الإسرائيليّة ولا الاشتباكات المحدودة، تتقاطع معلومات أمنيّة ودبلوماسيّة على أنّ هامش المناورة الذي نشأ نتيجة التصعيد الأميركيّ –…

عون إلى واشنطن: لا لقاء مع نتنياهو

حُسِمت زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون، الأولى لواشنطن منذ انتخابه رئيساً للجمهوريّة، في 21 تمّوز الجاري. إعلان توقيت الزيارة لم تتولَّه رئاسة الجمهوريّة كما تجري…