الأردن: استقالة وزير تكشف مأزق رئيسه

مدة القراءة 5 د

لا يخسر رؤساء الحكومات معاركهم الأولى بسبب قرار خاطئ، بل بسبب قراءة خاطئة لطبيعة السياسة. وهذا، على الأرجح، ما يواجهه رئيس الوزراء الأردنيّ جعفر حسّان اليوم. فالرجل الذي صار له نحو عامين في رئاسة الحكومة، نجح في تقديم نفسه بوصفه مسؤولاً تنفيذيّاً يعرف كيف يدير الملفّات، ويلاحق التفاصيل، ويقيس النجاح بالأرقام والنتائج. لكنّ السياسة لا تُدار بالمعايير نفسها التي تُدار بها المؤسّسات. الدولة ليست شركة، والحكومة ليست مجلس إدارة، والوزراء ليسوا مديرين يمكن استبدال أحدهم لينتهي كلّ شيء عند هذا الحدّ.

 

لم تكن استقالة وزير العمل الأردنيّ خالد البكّار تعديلاً في التشكيلة الوزاريّة وحسب، كما حاول البعض تصويرها. لا تكمن أهميّة ما جرى في خروج وزير من الحكومة، بل في الطريقة التي أُدير بها الملفّ منذ لحظة اتّخاذ القرار. فكلّ أزمة سياسيّة تطرح سؤالين: يتعلّق الأوّل بالحدث نفسه، ويتعلّق الثاني بكيفيّة تعامل السلطة معه. وفي كثير من الأحيان، يكون السؤال الثاني أكثر خطورة من الأوّل.

المفارقة أن وزير العمل الأردني  لم يغادر منصبه بسبب مخالفة للقانون، وإنما لأنّ نجله تقدّم بعطاءات حكومية، رغم قانونيتها، اصطدم بمدونة السلوك الوزارية التي تحظر حتى شبهة تضارب المصالح. هكذا، أسقطت المدونة الوزير قبل أن يسقطه القانون.

القدرة على الشّرح والدّفاع

خلال العامين الماضيين، بدا واضحاً أنّ جعفر حسّان يفضّل العمل بصمت، ويبتعد عن الاشتباك السياسيّ، ويترك للوزراء مساحة الحديث عن ملفّاتهم فيما يركّز على إدارة الأداء الحكوميّ. وقد يكون هذا الأسلوب مناسباً في متابعة المشاريع، ضبط الإيقاع التنفيذيّ، ومراقبة أداء المؤسّسات، لكنّه يصبح أكثر تعقيداً عندما تدخل الحكومة نفسها في دائرة الأسئلة العامّة. فالحكم لا يعتمد فقط على دقّة القرار، بل على القدرة على شرحه والدفاع عنه وبناء القناعة به.

لم تكن استقالة وزير العمل الأردنيّ خالد البكّار تعديلاً في التشكيلة الوزاريّة وحسب، كما حاول البعض تصويرها

هنا تحديداً ظهر الاختبار الحقيقيّ. فقد تعاملت الحكومة مع استقالة البكّار بمنطق القرار الإداريّ: هناك مشكلة، وهناك مسؤوليّة، وهناك إجراء. لكنّ السياسة أكثر تعقيداً من هذا التسلسل. ففي الإدارة قد يكفي تغيير الشخص لمعالجة الخلل، وأمّا في السياسة فتغيير الشخص يفتح أحياناً أسئلة جديدة عن النظام الذي أنتج الخلل، والطريقة التي اتُّخذ بها القرار.

وزير العمل الأردني

ليس المقصود هنا التشكُّك في قرار إقالة الوزير أو الحكم مسبقاً على أسبابه أو حتّى نفاذه دستوريّاً. فالحكومات تحتاج إلى مساحة لاتّخاذ القرارات التي تراها مناسبة، ولا يمكن إدارة الدولة تحت ضغط كلّ تعليق أو كلّ انطباع. لكنّ الحكومات أيضاً لا تستطيع أن تطلب من الناس الاكتفاء بالنتيجة من دون معرفة السياق. فالمواطن لا يعيش داخل غرف القرار، ولا يرى الملفّات كما تراها الحكومة، ولذلك تقديم تفسير واضح ليس مجاملة للرأي العامّ، بل جزء من مسؤوليّة السلطة نفسها.

كيف تعاملت الحكومة مع القضيّة؟

ربّما كان جعفر حسّان يراهن على أنّ إنهاء الأزمة بسرعة سيمنع تمدّدها. لكنّ التجربة السياسيّة تقول إنّ بعض الملفّات لا تنتهي بخروج أصحابها من الصورة. أحياناً يبدأ الجدل الحقيقيّ بعد القرار، لأنّ الناس لا تناقش فقط مَن غادر المنصب، بل تناقش الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع القضيّة. وهنا يتحوّل الحدث من ملفّ وزاريّ إلى اختبار لأسلوب الحكم.

هذا ما يجعل قضيّة البكّار أكبر من اسم الوزير نفسه. فالمسألة التي تواجه رئيس الوزراء الأردنيّ ليست طريقة تعامله مع وزير غادر الحكومة، بل كيف يتعامل مع مجتمع يريد أن يفهم. فالأردن، مثل بقيّة المجتمعات العربيّة، تغيّر كثيراً خلال السنوات الأخيرة. لم يعد المواطن ينتظر البيانات الرسميّة فقط، ولم تعد المعلومة تسير باتّجاه واحد. كلّ قرار حكوميّ أصبح جزءاً من نقاش عامّ واسع، وأيّ نقص في التفسير يفتح الباب أمام روايات متعدّدة قد لا تكون الحكومة قادرة على ضبطها لاحقاً.

المفارقة أن وزير العمل الأردني  لم يغادر منصبه بسبب مخالفة للقانون، وإنما لأنّ نجله تقدّم بعطاءات حكومية، رغم قانونيتها

في هذا السياق، تبدو معادلة جعفر حسّان أكثر صعوبة. فهو يمتلك رصيداً إداريّاً واضحاً، ويعرف كيف تتحرّك مؤسّسات الدولة، لكنّه يواجه الآن سؤالاً مختلفاً: هل تكفي الإدارة وحدها لقيادة حكومة في بيئة سياسيّة حسّاسة؟ فالمهارة في متابعة الملفّات لا تعني بالضرورة القدرة على إدارة اللحظات السياسيّة، وهذه الأخيرة تحتاج إلى أدوات أخرى: الحضور، الشرح، والقدرة على تحويل القرار إلى رسالة يفهمها الناس.

اختبار السّياسة

ربّما تكون استقالة وزير العمل الأردنيّ حادثة في مسار حكومة طويلة وحسب. لكنّ أهميتها السياسيّة تكمن في أنّها كشفت مساحة تحتاج الحكومة إلى التعامل معها بجدّيّة أكبر. فالنجاح التنفيذيّ مهمّ، لكنّه لا يعفي أيّ حكومة من اختبار السياسة. ورئيس الوزراء الذي يريد أن يدير بلداً لا يستطيع أن يتعامل معه كأنّه مؤسّسة كبيرة فقط لأنّ المؤسّسات تُدار باللوائح والإجراءات، وأمّا الدول فتُدار أيضاً بالثقة والاقتناع والقدرة على مخاطبة الناس عندما تصبح الأسئلة أصعب من الإجابات الجاهزة.

إقرأ أيضاً: متى تحطّ مذكرات “لصوص” بغداد في الأردن؟

لهذا الدرس الأهمّ من أزمة البكّار لا يتعلّق بالوزير الذي خرج، بل برئيس الحكومة الذي بقي. فجعفر حسّان أمام فرصة لإثبات أنّ الإدارة التي عُرف بها يمكن أن تتحوّل إلى قيادة سياسيّة أكثر اتّساعاً. والفرق بين الاثنين هو أنّ المدير ينجح عندما ينجز العمل، وأمّا رئيس الحكومة فينجح عندما يجعل الناس يشعرون بأنّهم شركاء في فهم ما يجري. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقيّ.

 

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

ماذا سيقول الرّئيس عون لترامب؟

ماذا سيقول الرئيس اللبنانيّ جوزف عون للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في لقاء يوم 21 الحاليّ؟   هذه المطالعة هي افتراضيّة متخيّلة في ذهن كاتب المقال…

أما وقد بلغت كربلاء حدَّها

تغيّر كلّ شيء في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ولم يتغيّر شيء. ‏ففي أوّل رسالة منسوبة للوليّ الفقيه الجديد مجتبى خامنئي بعد دفن والده، صوّر الابن…

إسرائيل في الطّريق إلى الشّرق الأوسط الجديد؟

بعد مرور 59 عاماً على حرب الأيّام الستّة في حزيران من سنة 1967 التي تمكّنت إسرائيل من خلالها أن تعلن قيام شرق أوسط جديد، تقف…

تركيا تدرّب قوّات حفتر.. ما الذي تغيّر؟

لم يكن تفصيلاً أمنيّاً عابراً البيان الذي نشرته وزارة الدفاع التركيّة في 5 من تمّوز الجاري عن تدريب قوّات ليبيّة من الشرق بقيادة خليفة حفتر….