بعد مرور 59 عاماً على حرب الأيّام الستّة في حزيران من سنة 1967 التي تمكّنت إسرائيل من خلالها أن تعلن قيام شرق أوسط جديد، تقف تل أبيب اليوم بعد حربها الأخيرة على إيران ولبنان أمام مرحلة جديدة قد تحدّد من خلالها معالم هذا الشرق الأوسط الجديد الذي تحلم به.
بدأ قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين بفكرة في مؤتمر عُقد في “بال” بسويسرا عام 1897، ثمّ تلاه وعد بلفور البريطانيّ سنة 1917، ثمّ أصبحت الفكرة واقعاً: وطناً يهوديّاً على نصف الأراضي الفلسطينيّة عام 1948، قبل أن تتوسّع إسرائيل وتصير ما أصبحت عليه اليوم.
خسرت إسرائيل أمام العالم العربيّ (التحالف المصريّ – السوريّ) حرباً واحدة هي حرب رمضان سنة 1973. لكنّ تلك الحرب لم تمكّن الدولتين من تذوّق طعم الانتصار، ذلك أنّ تل أبيب هدّدت باستخدام القنبلة النوويّة ضدّ مصر (ضرب سدّ أسوان وإغراق القاهرة)، فكان الانكفاء المصريّ في السويس (الدفرسوار)، ثمّ كانت الدبلوماسيّة المكّوكيّة التي قام بها وزير الخارجيّة الأميركيّ هنري كيسنجر والتي فتحت الطريق أمام زيارة الرئيس المصريّ الراحل أنور السادات للقدس المحتلّة (سنة 1977)، وهو ما مهّد الطريق لتوقيع معاهدة السلام المصريّة ـ الإسرائيليّة سنة 1979، ثمّ كان تهويد مرتفعات الجولان.
مراحل تغيّر خارطة الشّرق الأوسط
غير أنّ هذا الشرق الأوسط الجديد بقي محدوداً بين مصر وإسرائيل. لم تغيّر من صورته التسوية الأردنيّة – الإسرائيليّة الموقّعة في سنة 1994 بمنطقة وادي عربة، ولا التسوية الفلسطينيّة – الإسرائيليّة (اتّفاق أوسلو في 13 أيلول سنة 1993). فالتسويتان استُخدمتا مرحليّاً لتمكين إسرائيل من الاستعداد للمرحلة التالية في تثبيت أركان الشرق الأوسط الجديد. فهل تكون الحرب الإسرائيليّة – الإيرانيّة انطلاقاً من غزّة وامتداداً حتّى لبنان هي الحرب التي تتوّج مساعي إسرائيل إلى إعادة صياغة المنطقة على قياس طموحاتها التي يختصرها شعارها “من النيل الى الفرات” كما يرِد في كلمات نشيدها الوطنيّ؟
يعيش اليوم في الضفّة الغربيّة ثلاثة ملايين فلسطينيّ جنباً إلى جنب مع حوالي نصف مليون مستوطن يهوديّ جيء بهم من مختلف أطراف العالم
هذا الشعار يرفعه شركاء لرئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في الحكومة ولا يعلنون فقط الإيمان به، بل العمل على تنفيذه، ويعلنون أيضاً أنّهم في ذلك يعملون على تحقيق الإرادة الإلهيّة التي تكتمل بقيام إسرائيل الكبرى التي يشكّل قيامها العامل الأخير الممهِّد لظهور المخلّص، المسيح المنتظر، وذلك باعتبار أنّ العقيدة اليهوديّة لا تؤمن بالسيّد المسيح، فإيمانها يقوم على انتظار مجيء المسيح الحقيقيّ الذي سيحكم العالم من إسرائيل لمدّة ألف عام حتّى تقوم الساعة.
تؤمن الحركة الدينيّة اليهوديّة المتحالفة مع نتنياهو بهذه النظريّة الدينيّة – السياسيّة، وتعتبر أنّ من واجبها الدينيّ، وليس من مصالحها السياسيّة فقط، العمل على صناعة الشرق الأوسط الجديد على قاعدة “إسرائيل من النيل إلى الفرات”.
من أجل ذلك لا يكتمل المشروع باحتلال غزّة، ولا باحتلال جنوب لبنان، فالطموحات الدينيّة التوراتيّة تتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد بكثير.
والسؤال هو: هل هذا الطموح في محلّه؟
التّوسّع التّوراتيّ الإسرائيليّ
يمكن البحث عن جواب على هذا السؤال من خلال المقارنة بين ما كانت عليه إسرائيل قبل عام 1967 وما أصبحت عليه بعده، بل يمكن العودة إلى أبعد من ذلك، إلى التحوّل من معسكر الإبادة الهتلريّ لليهود في الأربعينيّات من القرن الماضي، إلى معسكر الإبادة الإسرائيليّة للفلسطينيّين في غزّة والضفّة الغربيّة المستمرّ والمتواصل حتّى اليوم.
أدّت حرب الأيّام الستّة في عام 1967 إلى توسيع حدود إسرائيل ثلاثة أضعاف. استمرّ التوسّع الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة ومرتفعات الجولان السوريّة في عام 1981، والآن في جنوب لبنان.

استرجعت مصر صحراء سيناء من إسرائيل مقابل عقد معاهدة سلام معها، وحاولت السلطة الفلسطينيّة البناء على ذلك بعقد معاهدة سلام مماثلة، لكنّ سيناء ليست الضفّة الغربيّة، وليست مدينة العريش مدينة القدس. وهكذا سقط الرهان الفلسطينيّ تحت عجلات “ميركافا” التوسّع التوراتيّ الإسرائيليّ. ولا تزال الضفّة الغربيّة تتعرّض للتآكل من خلال زرع المستوطنات اليهوديّة بانتظار “عودة المسيح الحقيقيّ”.
تقف تل أبيب اليوم بعد حربها الأخيرة على إيران ولبنان أمام مرحلة جديدة قد تحدّد من خلالها معالم هذا الشرق الأوسط الجديد الذي تحلم به
ديمغرافيا فلسطين المُحتلّة
يعيش اليوم في الضفّة الغربيّة ثلاثة ملايين فلسطينيّ جنباً إلى جنب مع حوالي نصف مليون مستوطن يهوديّ جيء بهم من مختلف أطراف العالم. وفي غزّة يعيش مليونان من الفلسطينيّين، قتل الجيش الإسرائيليّ منهم أكثر من مئة ألف في الحرب الأخيرة. أمّا داخل إسرائيل 1948 (فلسطين القديمة) فوصل عدد اليهود إلى حوالي سبعة ملايين، مقابل ربع مليون فلسطينيّ من الذين بقوا في أرضهم بعد الاحتلال. وعلى الرغم من الاحتلال وممارساته العنصريّة.
تبقى القدس المدينة المقدّسة (لدى المسلمين والمسيحيّين واليهود على حدّ سواء)، فقد بقي فيها حوالي 350 ألف فلسطينيّ (من المسلمين والمسيحيّين) و225 ألف يهوديّ يتكاثرون في سباق مع الزمن بحيث باتوا يقتربون من تشكيل نصف سكّان المدينة المقدّسة.
معظم يهود القدس هم من طائفة الحريديم، وهي طائفة دينيّة متشدّدة إلغائيّة للآخر، مسلماً كان أو مسيحيّاً. تؤمن هذه الطائفة بأنّ القدس أرض مقدّسة يهوديّاً، وأنّ من مستلزمات القداسة ألّا يكون فيها مسلم أو مسيحيّ. ولذلك يتعرّض المسلمون والمسيحيّون في المدينة للاضطهاد والتمييز العنصريّ – الدينيّ.
على هذه الوقائع والمعطيات يتبلور التساؤل: أيّ شرق أوسط جديد يمكن أن يقوم في ضوء هذه المعتقدات الإلغائيّة للآخر؟
إقرأ أيضاً: الصيف.. ودبلوماسيّة سلام الأنهار
قبل سنة 1948 كان “الآخر” هو المهاجر اليهوديّ الآتي من معسكرات الاعتقال والتصفية في أوروبا. أمّا اليوم فإنّ “الآخر” في فلسطين المحتلّة هو الفلسطينيّ المسلم أو المسيحيّ الذي لا يزال يؤمن بدولة وطنيّة فلسطينيّة في إطار شرق أوسط جديد.
