من سايروس إلى ترامب: أسطورة التكليف الإلهي

مدة القراءة 5 د

يروي الإنجيل المقدس في القسم 45 من كتاب النبي إشعيا، كيف أنّ الله اختار الملك سايروس، ملك إيران – وكان ملحداً – للقيام بمهمة دينية إنسانية سامية، وهي تحرير اليهود من بين براثن البابليين وإخراجهم من العراق حيث كانوا يُضطهدون ويتعرّضون لسوء العذاب.

وُلد سايروس في القرن السادس قبل المسيح، وكان أول إمبراطور لإيران. وباختيار الله له، يكون الإنسان الأول غير المؤمن الذي يقوم بمهمة إلهية وبتكليف من الله لإنقاذ “شعب الله المختار” من الأسر والاضطهاد.

 

تعكس هذه الرواية الدينية (?) العلاقة الأولى لليهود بإيران وبالعراق. فعندما قام الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بغزو العراق للإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين، كان بذلك يلبي دعوة ملحّة من اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة – إيباك – ومن الحركة الصهيونية المسيحانية لضرب العراق وتمزيقه انتقاماً لليهود الذين تعرّضوا في العهد البابلي (قبل المسيح) إلى الاضطهاد. نقلت هذه الرواية الكاتبة الأميركية غريس هالسل (كانت تكتب الخطابات الرئاسية للرئيس الأميركي ليندون جونسون) في كتابها “ليّ يد الله”، والذي طلبت مني ترجمته إلى العربية تحت عنوان “يد الله”. وفي هذا الكتاب تشير المؤلفة هالسل إلى الحرب الأميركية على العراق عام 2003 بقولها:

سايروس القرن؟

“تقع الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة (بالتحالف مع بريطانيا وأستراليا) على العراق في ربيع 2003، في صميم هذه التأويلات للنبوءات التوراتية التي روّج لها قساوسة الحركة الصهيونية المسيحية. فالقس دافيد بريكنر مثلاً يقول: إننا نعرف أن تدمير بابل الذي ورد في الإصحاح 18، يعني تدمير العراق، كما أن القس تشارلز داير أستاذ اللاهوت في جامعة دالاس، يدّعي أن إصحاح إشعيا 13 يشير إلى صدام حسين وإلى غزوه للكويت، وذلك لإقامة قاعدة للهجوم على إسرائيل. واعتبر القس داير، في تفسيراته لهذه النبوءات، صدام حسين خليفة نبوخذ نصر (الذي هزم الإسرائيليين وسباهم إلى بابل ودمّر الهيكل) وذلك بسبب عدائه لإسرائيل وبسبب نواياه لإعادة بناء بابل”.

قبل صناعة إسرائيل، كان اليهود في العراق يعيشون بأمن وسلام، حتى إنهم رفضوا بعد عام 1948 كل محاولات نقلهم إلى إسرائيل

اليوم ترفع منظمة الصهيونية المسيحانية في الولايات المتحدة (والتي تشكل القوة الرافعة للرئيس ترامب شخصياً وللحزب الجمهوري الأميركي بصورة عامة) شعاراً تعتبر بموجبه الرئيس ترامب بأنه الإمبراطور سايروس القرن الواحد والعشرين. وبموجب هذا الاعتبار الديني فإن الرئيس ترامب مكلف من الله (?) بحماية إسرائيل والدفاع عنها. وأن الوجه الآخر لهذا الموقف الديني يتمثل في وضع كل الإمكانات المادية – السلاح والمال – وكل الإمكانات المعنوية والسياسية والإعلامية اليهودية في خدمة ترامب حتى يتمكن من إنجاز المهمة المكلف بها من الله (وليس من إبستين صاحب جزيرة الفضائح الجنسية مع الأطفال).

ترامب

قبل غزة قدّم الرئيس ترامب لإسرائيل هديتين رمزيتين أساسيتين. الأولى هي الاعتراف بالقدس عاصمة لها، ونقل مقر السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. واعترف بحق إسرائيل في احتلال مرتفعات الجولان السورية. حدث ذلك أثناء دورته الرئاسية الأولى. وفي دورته الرئاسية الحالية قدّم لها الغطاء السياسي الذي يحفظ لها ماء الوجه بإنشاء ما سمّاه مجلس السلام في غزة، وذلك بعد أن تحولت غزة إلى “أثر بعد عين”. ولقد جاءت الحرب الإسرائيلية – الأميركية المشتركة على “أحفاد الإمبراطور سايروس” لتغطية جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة.

تهجير قسري؟

قبل الحربين على غزة وإيران، كانت الحرب الأميركية على العراق التي شنّها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن – وهو رئيس للحزب الجمهوري الأميركي أيضاً – استجابة لبرنامج الانتقام الإلهي من أولئك الذين اضطهدوا اليهود في عصر ما قبل المسيح!!

قبل غزة قدّم الرئيس ترامب لإسرائيل هديتين رمزيتين أساسيتين

لكن قبل صناعة إسرائيل، كان اليهود في العراق يعيشون بأمن وسلام، حتى إنهم رفضوا بعد عام 1948 كل محاولات نقلهم إلى إسرائيل. من أجل ذلك قامت الحكومة الإسرائيلية بعملية “علي بابا” لتهجيرهم قسراً. وبموجب تلك العملية قامت عناصر من المخابرات الإسرائيلية بزرع عبوات ناسفة في الكنيس اليهودي الرئيسي في بغداد، ونسبت العملية الإجرامية إلى متطرفين عرب ومسلمين. وأرهبت عدداً من التجار اليهود العراقيين بنسف محلاتهم التجارية… مما أوحى لهم أنهم يتعرّضون لعملية انتقامية على خلفية دينية، ما اضطرهم إلى الهروب… واللجوء إلى إسرائيل. وقد كشفت إسرائيل ذاتها فيما بعد عن عملية “علي بابا” بعد أن قامت بعملية مماثلة فيما بعد لنقل الأقلية اليهودية من أثيوبيا عبر السودان خلال عهد الرئيس السابق جعفر النميري.

جرى ذلك أيضاً مع يهود اليمن الذين كانوا “ملوك” الحرف الصناعية اليدوية والتجارة في صنعاء!!

قبل ظهور الإسلام، كان على رأس اليمن ملك يهودي. ولما وصلت المسيحية إلى اليمن آمن بها بعض اليمنيين، الأمر الذي أغضب الملك. فأمر بجمع المسيحيين الجدد وألقى بهم في خندق حُفر خصيصاً وأضرم فيهم النار. ولقد أشار إلى تلك الحادثة القرآن الكريم في سورة البروج حيث يقول: “قُتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد. إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق”.

إقرأ أيضاً: لماذا لن تتوقّف الحرب الإسرائيليّة؟

أي أن الله سوف يعذّبهم بما عذّبوا به المؤمنين برسالة السيد المسيح. وهكذا يتواصل صراع اليهود مع الأقوام الأخرى منذ عهد الإمبراطور سايروس، مروراً بعهد السيد المسيح… وحتى اليوم في عهد الرئيس ترامب.

مواضيع ذات صلة

عزيزي السّيّد وحيدي.. الغرور مقبرة الإمبراطوريّات!

حتّى ليلة السابع من حزيران 2026، ليلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، كانت إيران “منتصرة“ لأنّها صمدت وأفشلت أهداف الحرب. بقي النظام بما بقي من نوويّه…

استقلال المفاوض اللّبنانيّ: تقدير سعوديّ وتفهّم أميركيّ؟

تداعيات سياسيّة كثيرة يمكن أن تنجم عن إثبات الحكم اللبنانيّ استقلاليّة قراره عن إيران في مفاوضاته مع إسرائيل، خلافاً لربطه السابق سواء بنظام الحكم الأسديّ…

تحوّلات إيران وظرفيّة “وحدة السّاحات”

تحوّلات غير مسبوقة وبوتيرة سريعة يشهدها الشرق الأوسط جرّاء الحروب المتتالية وكثرة أطرافها ودوافعهم المختلفة. ربّما أبرز تجلّياتها أحداث إيران، وما لذلك من تداعيات على…

ما علاقة دمشق بمسيّرات “الفايبر أوبتيك”؟

لم يخفِ الرئيس الأميركيّ حماسته لانخراط دمشق والرئيس السوريّ أحمد الشرع في الحرب ضدّ “الحزب”، وهو يعلم أنّ سوريا لن تلبّي طلبه التدخّل عسكريّاً، فيما…