النّوويّ السّعوديّ: لا شروط على الرياض

مدة القراءة 7 د

استغرق بناء الصفقة النوويّة الأميركيّة السعوديّة سنوات بدأت منذ عهد الرئيس السابق جو بايدن وصولاً إلى أيّامنا هذه. مرّت المفاوضات بتفاصيل وأخذ وردّ وقراءة وإعادة قراءة حتّى اهتدت واشنطن والرياض إلى صفقة امتثلت فيها الولايات المتّحدة لشروط تقنيّة للمملكة السعوديّة تمنحها السيادة الكاملة على كلّ العمليّة الصناعيّة لبرنامج نوويّ متكامل للأغراض المدنيّة. خلت الاتّفاقيّة من أيّ شروط سياسيّة مناقضةً ما جاء في تغريدة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.

 

شيءٌ ما حصل في واشنطن دفع ترامب بعد ساعات من توقيع الاتّفاق لنشر موقف يؤكّد أنّ الموافقة على الاتّفاق النوويّ مشروطة بانضمام الرياض إلى اتّفاقيّات أبراهام. بدا للوهلة الأولى أنّ للنشر والعجلة في توقيته دواعيَ أميركيّة داخليّة لا علاقة لها بالمملكة، حتّى إنّ تلك الانعطافة جرت من دون الاتّصال بالرياض وكأنّ في الأمر “تهريباً” خلفيّاً لا علاقة له بشكل ومضمون الصفقة والعلاقة التي يريدها ترامب نفسه مع القيادة السعوديّة.

بدأت القصّة الأربعاء حين أعلنت وزارة الطاقة الأميركيّة توقيع اتفاقيّة تعاون نوويّ مدنيّ مع المملكة العربيّة السعوديّة، عُرفت رسميّاً باسم “اتّفاقيّة 123″، إلى جانب اتّفاقيّة ضمانات نوويّة ثنائيّة. وقّع الصفقة وزير الطاقة الأميركيّ كريس رايت ونظيره السعوديّ الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وشكّلت أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجيّة في علاقات البلدين خلال السنوات الأخيرة.

إعلان تمهيديّ في 2025

لم تكن هذه الخطوة مفاجئة تماماً، فقد سبقها إعلان مشترك في تشرين الثاني 2025 خلال زيارة وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان لواشنطن، يؤكّد اكتمال المفاوضات حول التعاون في الطاقة النوويّة المدنيّة. ومع تصريحات وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في مانيلا، الخميس، بأنّ المملكة السعوديّة “شريك استراتيجيّ مهمّ”، وأنّ إبرام اتّفاق نوويّ معها “أمر منطقيّ” ويشمل ضمانات، تتّضح ملامح صفقة تتجاوز الجانب التقنيّ لتلامس جوهر التوازنات الإقليميّة ومستقبل الشراكة الأميركيّة السعوديّة.

التميّز تفيد المصادر الأميركيّة أنّه “كان ضروريّاً لإقناع الرياض باختيار الشراكة الأميركيّة بدلاً من العروض الصينيّة أو الروسيّة أو الفرنسيّة”

تتميّز الاتّفاقيّة بخصائص نوعيّة تميّزها عن سابقاتها في المنطقة، فهي تسمح للشركات الأميركيّة ببناء مفاعلات نوويّة مدنيّة في المملكة السعوديّة، وتفتح الباب، بعد دراسة مشتركة تستغرق عامين، أمام إمكانيّة إقامة منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعوديّة بمشاركة أميركيّة. وتمتدّ الشراكة لعقود، بقيمة تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وتخضع لرقابة أميركيّة مباشرة تحول دون أيّ استخدام عسكريّ. قال رايت (وزير الطاقة الأميركيّ) إنّ الاتّفاقيّات “تحافظ على أعلى معايير السلامة النوويّة وعدم الانتشار مع الاعتماد على أفضل التقنيّات المصمّمة هنا في الولايات المتّحدة والعلماء النوويّين في العالم”.

الرياض

أكثر من ذلك، تختلف الصفقة جوهريّاً عن “المعيار الذهبيّ” الذي التزمته الإمارات عام 2009، والذي يحظر تماماً التخصيب المحلّيّ وإعادة معالجة الوقود المستهلَك. لا تتضمّن البروتوكول الإضافيّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، الذي يمنح المفتّشين صلاحيّات أوسع في الدخول إلى مواقع غير معلنة وأخذ عينات بيئيّة. وفي البحث عن أسباب هذا التميّز تفيد المصادر الأميركيّة أنّه “كان ضروريّاً لإقناع الرياض باختيار الشراكة الأميركيّة بدلاً من العروض الصينيّة أو الروسيّة أو الفرنسيّة”.

تدعم رؤية السّعوديّة 2030

تدعم الصفقة رؤية السعوديّة 2030 لتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن النفط، وتمنح المملكة قدرة على إنتاج طاقة نظيفة ومستدامة، مع إمكانية تطوير صناعة نوويّة محليّة تخلق فرص عمل وتقنيّات متقدّمة. أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة، فتعيد إحياء صناعتها النوويّة المتعثّرة، وتوفّر عقوداً بمليارات الدولارات للشركات الأميركيّة، وتعزّز صادرات التقنيّات النظيفة. استراتيجيّاً، تمنح الصفقة واشنطن دوراً محوريّاً في البرنامج السعوديّ، حارمةً بكّين وموسكو وباريس من نفوذ محتمل في هذا المجال الحسّاس.

خلال الساعات التي تلت إعلان الاتّفاق سرّبت إسرائيل ما يثير مخاوفها من أن يسمح الاتّفاق للمملكة السعوديّة بتخصيب اليورانيوم

أثار المعارضون للاتّفاق ما سبق لوليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان أن صرّح به في أيلول 2023 من أنّه إذا طوّرت إيران سلاحاً نوويّاً فستضطرّ المملكة السعوديّة إلى الحصول على سلاح نوويّ. اعتبر المعارضون أنّه على الرغم من أنّ الاتّفاقيّة مدنيّة بامتياز وتخضع لرقابة أميركيّة، فإنّ إمكانيّة التخصيب بعد الدراسة المشتركة تمنح الرياض هامشاً استراتيجيّاً لم يكن متاحاً من قبل.

خلال الساعات التي تلت إعلان الاتّفاق سرّبت إسرائيل ما يثير مخاوفها من أن يسمح الاتّفاق للمملكة السعوديّة بتخصيب اليورانيوم، فيما حذّر أصدقاؤها في واشنطن من أنّ غياب “المعيار الذهبيّ” والبروتوكول الإضافيّ قد يفتح الباب أمام سباق تسلّح إقليميّ، خاصّة إذا طالبت دول أخرى مثل مصر أو تركيا بمعاملة مماثلة. تبرّع المنتقدون بأنّ ذلك يضعف الحجّة الأميركيّة أمام الدول الأخرى، وقد يحوَّل البرنامج المدنيّ إلى مسار عسكريّ في المستقبل، على الرغم من الضمانات الأميركيّة عبر الشركات والمفتّشين.

ستُحال الاتّفاقيّة إلى الكونغرس لمراجعتها خلال 90 يوماً بموجب قانون الطاقة الذرّيّة، ويمكن للكونغرس محاولة عرقلتها بقرار مشترك. والظاهر أنّ ترامب أراد استرضاء الكونغرس وإسرائيل معاً بتضمين الصفقة شرط التطبيع لعلّ في ذلك ما يرفع عن الاتّفاق تمرّد الكونغرس وما تملكه إسرائيل من مواهب ضغط.

لسان حال الرياض يقول إنّ للتطبيع شروطاً ما برحت المملكة تكرّرها وتؤكّدها، وإنّها صاحبة قرار في الاستغناء عن أيّ صفقة مشروطة

لا شروط جديدة

في المملكة السعوديّة بدا أنّ ملحقات ترامب لا تعني المملكة ولا تعني الاتّفاق الذي تعرف واشنطن كيف تمّ التوصّل إليه والدوافع الأميركيّة بالذات لتوقيعه. سُئل مصدر سعوديّ: “هل وافقت المملكة السعوديّة في الاتّفاق النوويّ أو في ملاحقه على تطبيع العلاقات في مرحلة ما مستقبلاً؟”، فأجاب: “لا”، فيما نُقل عن مصدر سعوديّ مطّلع أنّه “تمّ التوقيع على الاتّفاق النوويّ وانتهى كلّ شيء، ولا توجد شروط جديدة إطلاقاً لنتفاوض عليها”.

لسان حال الرياض يقول إنّ للتطبيع شروطاً ما برحت المملكة تكرّرها وتؤكّدها، وإنّها صاحبة قرار في الاستغناء عن أيّ صفقة مشروطة بما رفضته الرياض وترفضه، وإنّ أمام الرياض بدائل واسعة في العالم.

إقرأ أيضاً: كيف تعمل واشنطن على تحرير “الهلال” الإيراني؟

يقف ترامب وراء دفع وزيره المختصّ لإبرام الاتّفاق مع نظيره السعوديّ بالنصّ الذي نُشر وبالمعايير التي وُضعت. تمتلك المملكة السعوديّة حقوق التخصيب إذا ارتأت ذلك وسط إجراءات رقابة شفّافة تشرف عليها الشراكة الأميركيّة. بدا أنّ كوابح أميركيّة داخليّة، إضافة إلى تلك الإسرائيليّة، قد تكون وراء ارتجال الرئيس الأميركيّ بعض النقاط على بعض الحروف. غير أنّ ترامب يعلم أنّ في تلك النقاط ما لا يبقي حروفاً للاتّفاق برمّته.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

عون يكتب تاريخ تحرير لبنان من الاحتلاليْن

كثيرة هي مؤشّرات نجاح القمّة اللبنانيّة- الأميركيّة، في الشكل والمضمون. كرّس لبنان مساراً تفاوضيّاً مستقلاً عن إيران، في سعيه للخروج من الدائرة المغلقة للصراع على…

المنطقة التجريبيّة: خلايا نائمة… بين الجيش؟

تكفي مقارنة تعامل محطتي NBN التابعة للرئيس نبيه برّي و”المنار” لسان “الحزب”، حيال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأربعاء لزوطر الغربية، كي يبيّن ليس اختلاف…

بين 17 أيار واتفاق الإطار: تغير اللاعبون ولم يتغير السؤال اللبناني

في لبنان، لا تحتاج الذاكرة السياسية إلى كثير من التحريض. يكفي أن يُذكر تفاوض مع إسرائيل، أو اتفاق برعاية أميركية، حتى يخرج 17 أيار من…

كيف لا نبدّد قمّة الفرصة التّاريخيّة؟

دخل الرئيس اللبنانيّ جوزف عون إلى البيت الأبيض في الحادي والعشرين من تمّوز 2026 في لحظة شكّلت فرصة تاريخيّة للبنان. بعيداً عن النثر والشعر في…