حجب العدوان الإسرائيليّ على جنوب لبنان وبقاعه الأنظار عن المجزرة الإسرائيليّة المتواصلة في غزّة. عندما أُعلن الاتّفاق بين إسرائيل و”حماس” على وقف النار، كان عدد الضحايا الفلسطينيّين حوالي 22 ألفاً من المدنيّين. تقول اسرائيل إنّها، إضافة إلى ذلك، أودت بحياة 8 آلاف مقاتل من عناصر “حماس”. تقدّر الأمم المتّحدة وجود أكثر من سبعة آلاف ضحيّة أخرى لا تزال تحت الأنقاض… مع ذلك ليست لحكومة بنيامين نتنياهو خطّة أو رؤية لمرحلة ما بعد الحرب على غزّة التي يجب أن تستمرّ، برأيها، على الرغم من الاتّفاق الذي تمّ مع “حماس” برعاية أميركيّة.
شكّل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مجلساً دوليّاً للسلام في غزّة. إلّا أنّ المجلس الذي حظيت ولادته بكثير من الترحيب الاحتفاليّ، كان ضحيّة من ضحايا الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران. وتحوّلت ولادة المجلس، الذي أراد الرئيس الأميركيّ أن يكون إنشاؤه بطاقة دخول إلى مؤسّسة نوبل للسلام في أوسلو (النرويج)، إلى سحابة صيف.
يخوض نتنياهو الحرب على لبنان وعينه على المجلس الأعلى للقضاء في إسرائيل، الذي قرّر محاكمته بتهم الاختلاس والرشوة وسوء الأمانة. حاول ترامب مساعدته بالطلب علناً من على منبر الكنيست (البرلمان) من رئيس الدولة التدخّل لمنح نتنياهو عفواً خاصّاً واستثنائيّاً. هدّد القضاة بالاستقالة إذا حدث شيء من ذلك، فانكفأ الرئيس الإسرائيليّ ولا تزال القضيّة معلّقة حتّى اليوم… ما دامت إسرائيل في حالة حرب.
نتنياهو من أزمة إلى أزمة
لذلك يريد نتنياهو أن تستمرّ الحرب في غزّة ولبنان وإيران. يعرف أنّه إذا جرت محاكمته فعلاً فإنّ ثمّة أدلّة مادّية كافية لإدانته، ولذلك ينتقل من أزمة إلى أزمة (من الحرب على غزّة إلى الحرب على لبنان)، ليخلق وضعاً يمنحه مزيداً من الفرص لتعطيل أو لتأخير الحكم القضائيّ المنتظَر بإدانته لأنّه لا محاكمة لرئيس الحكومة خلال الحرب، ويعني استمرار الحرب (أو الانتقال من مسرح حربيّ إلى آخر) استمرار تعطيل المحاكمة.
يريد نتنياهو أن تستمرّ الحرب في غزّة ولبنان وإيران. يعرف أنّه إذا جرت محاكمته فعلاً فإنّ ثمّة أدلّة مادّية كافية لإدانته
من هنا تتناقض مواقف ترامب مع مواقف نتنياهو في شأن الحرب على إيران. فالرئيس الأميركيّ يرى أنّ الهدف الأوّل والأهمّ هو تجريد إيران من إمكانيّة إنتاج سلاح نوويّ. وإيران تقول إنّها في الأساس لا تسعى وراء إنتاج سلاح نوويّ. أمّا نتنياهو فيرى أنّ الهدف الأوّل والأهمّ هو إسقاط النظام لعدم الثقة بالتزامه عدم إنتاج سلاح نوويّ.
يتحصّن نتنياهو بقوى التطرّف الدينيّ في إسرائيل (الحريديم) الذين يرون أنفسهم وكلاء الله والناطقين باسمه، ومنهم وزراء في حكومته. لم يعد هدف هؤلاء الدفاع عن إسرائيل وأمنها فقط، بل والعمل على تحقيق مقولة الوعد الإلهيّ لليهود (؟) بمنحهم وطناً يمتدّ من النيل إلى الفرات، ويعتقدون أنّ أيّ تقصير في العمل على تحقيق هذا الوعد يعرّض اليهود لغضب من الله.

لذا من أسباب الحصول على مرضاة الله وجوب العمل على إقامة هذا الوطن انطلاقاً من تهويد الضفّة الغربيّة، بما في ذلك القدس، وبناء الهيكل (؟) على أنقاض المسجد الأقصى.
كانت جرائم الحرب الإسرائيليّة على غزّة بما اتّسمت به من إبادة جماعيّة ومن ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة، كما ورد في وثيقة المحكمة الدوليّة، تغطّي جرائم اقتحام مدن وقرى الضفّة الغربيّة واقتلاع مزروعاتها (أشجار الزيتون المعمّرة) لإفقار أهلها وحملهم على الهجرة.
يخوض نتنياهو الحرب على لبنان وعينه على المجلس الأعلى للقضاء في إسرائيل، الذي قرّر محاكمته بتهم الاختلاس والرشوة وسوء الأمانة
من النّيل إلى الفرات
استخدمت حكومة نتنياهو سلاح التجويع الجماعيّ في غزّة، واستخدمت سلاح التدمير الجماعيّ في مدن وبلدات وقرى جنوب لبنان وبقاعه، بهدف تحويل هذه المناطق من فلسطين ولبنان إلى أراضٍ محروقة… تمهيداً لضمّها إلى المشروع التوراتيّ “من النيل إلى الفرات”. يدفع نتنياهو السياسيّ المخضرم ثمن السكوت (أو الموافقة) على هذه الأعمال الإجراميّة عبر توفير استمرار الأكثريّة المؤيّدة له في الحكومة التي يرأسها، والتي يحرص على استمرار رئاستها استبعاداً للمحاكمة والإدانة.
إقرأ أيضاً: هستيريا إيرانيّة بعد فقدان ورقة لبنان
لا يملك نتنياهو سياسة لما بعد الحرب على غزّة أو على لبنان، لأنّه يدرك أنّه ما إن تضع الحرب في الجبهتين أوزارها حتّى تبدأ معركته الشخصيّة مع القضاء. إنّ عدم وجود سياسة لما بعد الحرب يعني انتهاج سياسة تؤدّي إلى استمرار الحرب. إذ ما دامت إسرائيل في حالة حرب فإنها لا يمكن أن تفتح أبواب أزمة وزاريّة. يعرف نتنياهو ذلك… ويعرف كيف يجعل من الحرب أداةً للبقاء رئيساً للحكومة.
