قانون العفو… على “كوع” محكمة التّمييز

مدة القراءة 7 د

يُفتحُ ملفُّ قانونِ العفوِ العامِّ في لبنانَ مرّةً جديدةً على مصراعيه، لتنكشفَ من خلالِهِ أعمقُ ثنايا الانقسامِ السياسيِّ والأمنيِّ، وتظهرَ مجدّداً محاذيرُ الوقوعِ في فخِّ “العدالةِ الانتقائيّةِ” التي طالما طبعتِ التشريعاتِ الاستثنائيّةَ في البلاد. وسرعانَ ما تصطدمُ المسألةُ التي تُطرحُ في الظاهرِ كضرورةٍ إنسانيّةٍ ملحّةٍ لمعالجةِ واقعِ الاكتظاظِ المأساويِّ في السجونِ وتخفيفِ الضغطِ عن النظاراتِ، علاوة على علاجِ التباطؤِ القضائيِّ المزمنِ وتجاوزِ مهلِ التوقيفِ الاحتياطيِّ، بالحساباتِ السياسيّةِ الطائفيّةِ، وتوازناتِ الشارعِ، وحساسيّاتِ المؤسّساتِ الأمنيّةِ والتنفيذيّةِ.

 

يكشفُ مصدرٌ نيابيٌّ مطّلعٌ لـ”أساس” أنَّ الخلافَ على مشروعِ قانونِ العفوِ العامِّ ليسَ تبايناً تقنيّاً على صيغٍ نصّيّةٍ أو توزيعِ مهلٍ قانونيّةٍ وحسب، بل هوَ في العمقِ تجاذب حادّ ومكتوم بينَ النوّابِ السنّةِ من جهةٍ، والمحكمة العسكريّة التي هيمن عليها “الحزب” منذ عام 2000 من جهةٍ أخرى، ولا سيما على البندِ الجوهريِّ المتعلّقِ بتخفيضِ عقوبةِ الإعدامِ والعقوباتِ المؤبّدةِ.

عقدةُ الأسيرِ: معادلةُ “العفوِ الشّاملِ أو لا عفوَ

تُظهر كواليس النقاشاتِ النيابيّةِ خلافاً عميقاً في ملفِّ الشيخِ أحمدَ الأسيرِ والتكييفِ القانونيِّ والسياسيِّ لمصيرِهِ ومصيرِ القضايا المرتبطةِ بِهِ. يصرُّ النوّابُ السنّةُ على تقديمِ ضماناتٍ واضحةٍ ومعلنةٍ تضمنُ الإفراجَ عن الشيخِ الأسيرِ وشمولَهُ بأحكامِ العفوِ، وذلكَ وفقَ معادلةٍ سياسيّةٍ صريحةٍ مفادُها: “أن يشملَ العفوُ الشيخَ الأسيرَ أو لا عفوَ عن أحدٍ”، وذلكَ لأنّ الأكثريّة النّيابيّة السّنّيّة ترى أنّ الشّيخَ الأسير تعرّضَ لفخٍّ أمنيّ – قضائيّ بغطاءٍ سياسيّ، وتأكّد ذلكَ مع رفضِ المحكمة العسكريّة الاطّلاع على أشرطةِ الفيديو التي قدّمها فريق الدّفاع عنه والتي تُثبت تورّط عناصر “الحزبِ” في الاشتباكاتِ منذ “الطّلقة الأولى” قُربَ حاجزِ مسجد بلال بن رباح.

تُظهر كواليس النقاشاتِ النيابيّةِ خلافاً عميقاً في ملفِّ الشيخِ أحمدَ الأسيرِ والتكييفِ القانونيِّ والسياسيِّ لمصيرِهِ ومصيرِ القضايا المرتبطةِ بِهِ

تجدُ غالبيّةُ الكتلِ النيابيّةِ نفسَها في موقعٍ حرجٍ ومربكٍ جدّاً. إذ تريدُ من جهةٍ مراعاةَ ملاحظاتِ قيادةِ الجيشِ اللبنانيِّ ووزارةِ الدفاعِ، نظراً إلى أنَّ المؤسّسةَ العسكريّةَ كانتِ المتضرّرَ المباشرَ وقدّمت شهداءَ وجرحى في أحداثِ عبرا الشهيرةِ عامَ 2013، ومن جهةٍ أخرى لا تريدُ هذهِ الكتلُ التي تميلُ ضمنيّاً إلى التضامنِ معَ موقفِ الجيشِ، أن تتحمّلَ أمامَ الشارعِ والإعلامِ والرأيِ العامِّ مسؤوليّةَ إحباطِ مشروعِ قانونِ العفوِ العامِّ وتطييرِهِ. هذا التردّدُ المحمومُ والتجاذبُ الحادُّ بينَ الترضياتِ السياسيّةِ والمشروعيّةِ الأمنيّةِ أدّى بشكلٍ مباشرٍ إلى تطييرِ نصابِ الجلسةِ النيابيّةِ الأخيرةِ.

تقاطعُ قانونِ إلغاءِ الإعدامِ والسّنواتِ السّجنيّةِ

تكتملُ العقدةُ القانونيّةُ والتشريعيّةُ بالحديثِ عن مشروعِ قانونٍ آخرَ يتردّدُ في أروقةِ البرلمانِ، يهدفُ إلى إلغاءِ عقوبةِ الإعدامِ بالكاملِ واستبدالِها بعقوبةِ الأشغالِ الشاقّةِ المؤبّدةِ المشدّدةِ. هذهِ العقوبةُ البديلةُ، في حالِ أُقرّت وصارت نافذةً قبلَ صدورِ مشروعِ قانونِ العفوِ العامِّ، ستسدُّ المنافذَ كليّاً أمامَ المحكومينَ بالإعدامِ، والذينَ يبلغُ عددُهُم 83 شخصاً، وتمنعُهُم حكماً من الاستفادةِ من أيِّ خفضٍ للعقوبةِ أو عفوٍ استثنائيٍّ.

قانون العفو

أمّا في ما يخصُّ الملفَّ الإجرائيَّ للشيخِ أحمدَ الأسيرِ تحديداً، فينتظرُ حاليّاً قرارَ محكمةِ التمييزِ العسكريّةِ لبتّ حكمه النهائيِّ وتثبيتِهِ أو تعديلِهِ. وهنا تبرزُ القراءةُ الدقيقةُ للتداخلِ بينَ الأحكامِ الصادرةِ ومشاريعِ القوانينِ المطروحةِ:

–  السيناريو الأوّلُ: في حالِ ثبّتت محكمةُ التمييزِ حكمَ الإعدامِ بحقِّ الأسيرِ، ثمّ أُقرَّ قانونُ العفوِ الحاليُّ قبلَ التعديلِ الخاصِّ بإلغاءِ الإعدامِ، فتتحوّلُ عقوبتُهُ الاستثنائيّةُ إلى 28 سنةً سجنيّةً، وهوما يعني عمليّاً إمكانيّةَ خروجِهِ بحلولِ عامِ 2037 استناداً إلى حسابِ سنواتِ السجنِ.

–  السيناريو الثاني: في حالِ حكمت محكمةُ التمييزِ العسكريّةُ بالمؤبّدِ بدلاً من الإعدامِ، وأُقرَّ العفوُ بتخفيضِ عقوبةِ المؤبّدِ إلى 17 سنةً سجنيّةً، فقد يستفيدُ من الخفضِ فيخرج في حدودِ عامِ 2028 تقريباً، وذلكَ معَ احتسابِ مدّةِ توقيفِهِ.

 يضع مشروع قانونِ العفوِ العامِّ المؤسّساتِ الدستوريّةَ أمامَ امتحانٍ صعبٍ وميزانٍ دقيقٍ

أمامَ هذا المشهدِ المعقّدِ، يرى المصدرُ النيابيُّ أنَّ المدخلَ الفعليَّ والرصينَ لفكِّ هذهِ العقدةِ يكمنُ في إفساحِ المجالِ كاملاً أمامَ محكمةِ التمييزِ العسكريّةِ لتقولَ كلمتَها، ثمّ تأتي التشريعاتُ لتسهّل إجراءات خروجِهِ أو تسوّي ملفّه وفقَ الأصولِ القضائيّةِ السليمةِ.

خريطةُ التّشريعِ

على هامشِ هذهِ التجاذباتِ المفتوحةِ، تسعى بعضُ الأصواتِ إلى تحميلِ رئاسة اللجانِ النيابيّةِ المشتركةِ مسؤوليّةَ التعطيلِ أو المماطلةِ، ولا سيّما نائبَ رئيسِ مجلسِ النوّابِ الياس بو صعب. لكنَّ الوقائعَ والمعطياتِ البرلمانيّةَ الحاكمةَ تؤكّدُ أنَّ بو صعب لا يملكُ مفرداتِ التعطيلِ ولا يستطيعُ بمفردِهِ تفخيخَ مشروعِ القانونِ أو عرقلتَهُ وذلكَ على الرّغم من ميله نحوَ موقف “العسكريّة”، ولذلكَ استعانَ بوزير الدّفاعِ ميشال منسّى للحضورِ إلى الجلسات.

يتّضحُ هذا المسارُ التشريعيُّ بالعودةِ إلى التفاصيلِ الفنّيّةِ لاقتراحِ القانونِ الذي درست اللجانُ المشتركةُ صيغتَهُ المعدّلةَ. فقد حدّدت المادّةُ الأولى منحَ عفوٍ عامٍّ عن الجرائمِ المرتكبةِ قبلَ تاريخِ 1 آذارَ 2026، معَ وضعِ لائحةٍ واسعةٍ ومشدّدةٍ من الاستثناءاتِ في المادّةِ الثانيةِ تشملُ جرائمَ الإرهابِ والقتلِ عمداً والاعتداءِ على عناصرِ الجيشِ والقوى الأمنيّةِ، وجرائمَ الفسادِ وتبييضِ الأموالِ، والجرائمَ المحالةَ على المجلسِ العدليِّ.

نصّت الصيغةُ المرفوعةُ من اللجانِ على أنَّهُ بالنسبةِ للجرائمِ التي لم يشملْها العفوُ الكاملُ، تُستبدلُ عقوباتُها وفقَ الآتي:

–  تخفيضُ عقوبةِ الإعدامِ لتصبحَ 28 سنةً سجنيّةً.

–  تخفيضُ الأشغالِ الشاقّةِ المؤبّدةِ لتصبحَ 17 سنةً سجنيّةً.

–  تخفيضُ سائرِ العقوباتِ الباقيةِ بمقدارِ الثلثِ.

لم يغفلِ الاقتراحُ معالجةَ أزمةِ المحاكماتِ المتأخّرةِ، إذ تضمّنَ نصّاً استثنائيّاً يوجبُ إخلاءَ سبيلِ كلِّ مدّعى عليهِ حكماً إذا تجاوزت مدّةُ توقيفِهِ الاحتياطيِّ 14 سنةً سجنيّةً من دون صدورِ حكمٍ بحقِّهِ، معَ استمرارِ محاكمتِهِ وفقَ الأصولِ.

يُفتحُ ملفُّ قانونِ العفوِ العامِّ في لبنانَ مرّةً جديدةً على مصراعيه، لتنكشفَ من خلالِهِ أعمقُ ثنايا الانقسامِ السياسيِّ والأمنيِّ

بينَ ضغطِ السّجونِ وخطوطِ الأمنِ

يضع مشروع قانونِ العفوِ العامِّ المؤسّساتِ الدستوريّةَ أمامَ امتحانٍ صعبٍ وميزانٍ دقيقٍ. فمن جهةٍ، هناكَ واقعٌ إنسانيٌّ متفجّرٌ داخلَ السجونِ واكتظاظٌ تجاوزَ الطاقةَ الاستيعابيّةَ بأضعافٍ، وهو ما يشكّلُ قنبلةً موقوتةً تهدّدُ الأمنَ الداخليَّ، إضافة إلى مظلوميّاتِ موقوفينَ ينتظرونَ أحكاماً أكلَ عليها الدهرُ وشربَ. ومن جهةٍ أخرى، هناك هاجسُ المساسِ بالأمنِ القوميِّ وهيبةِ المؤسّسةِ العسكريّةِ والحفاظِ على حقوقِ الضحايا المتضرّرينَ.

إقرأ أيضاً: لا لقانون العفو.. أعيدوا المحاكمات

يبقى السؤالُ الأساسيُّ المطروحُ في الأروقةِ: هل تتمكّنُ القوى السياسيّةُ من تغليبِ مصلحةِ العدالةِ وتخفيفِ الاكتظاظِ عبرَ تسوياتٍ قانونيّةٍ واضحةٍ، أم يبقى قانون العفوِ معطّلاً ورهيناً للحساباتِ الفئويّةِ والصفقاتِ المعلّقةِ على توقيتِ محكمةِ التمييزِ؟

الجوابُ في حكمِ التمييزِ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

المنطقة التّجريبيّة الأولى: مَن “يتحقّق” من السّلاح؟

بدأت رسميّاً، منذ يوم الإثنين، أولى مراحل تنفيذ “المناطق التجريبيّة”، وسط إحاطة رسميّة واسعة أخذت مداها في لقاء رئيس الجمهوريّة جوزف عون، الأوّل منذ انتخابه،…

واشنطن تضغط… وبيروت تفاوض على الوقت

بين استقبال بروتوكوليّ ورسائل سياسيّة ثقيلة، تتحرّك زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن. فاللقاء مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في مبنى وزارة الخارجيّة، وغياب…

لبنان… الورقة الأخيرة في معركة نتنياهو

ليس السؤال في إسرائيل: هل يريد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الخروج من جبهة لبنان؟ بل، كيف يريد أن يخرج؟. لم تعد الاعتبارات الأمنيّة وحدها تحكم…

جنوب لبنان تحت الاختبار… ما هو ثمن الانسحاب؟

في 14 آب 2006 بعد وقف العمليّات الحربيّة بين إسرائيل و”الحزب”، كان المشهد واضحاً ومباشراً: انسحبت إسرائيل من المناطق التي احتلّتها، وانتشر الجيش اللبنانيّ بالتوازي…