ليس السؤال في إسرائيل: هل يريد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الخروج من جبهة لبنان؟ بل، كيف يريد أن يخرج؟. لم تعد الاعتبارات الأمنيّة وحدها تحكم القرار الإسرائيليّ، إذ دخل عامل انتخابيّ بقوّة إلى صلب الحسابات العسكريّة، في لحظة تشير فيها الاستطلاعات الأخيرة إلى تراجع موقع نتنياهو داخل الشارع الإسرائيليّ، على الرغم من نجاحه في استثمار حرب غزّة والضربات التي طالت إيران لتعزيز صورته كرجل أمن.
استطلاعات مخيّبة لنتنياهو… ولبنان يعود إلى الواجهة
لم يعد أمام بنيامين نتنياهو سوى أسابيع قليلة قبل توجّه الإسرائيليّين إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأوّل المقبل. وفيما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع موقعه الانتخابيّ، يعود الملفّ اللبنانيّ ليحلّ في صدارة الحسابات الأمنيّة والسياسيّة في تل أبيب باعتباره الجبهة الوحيدة التي ما تزال مفتوحة، والقادرة، بالنسبة إلى نتنياهو، على إنتاج إنجاز انتخابيّ أو التحوّل إلى عبء قد يطيح بمستقبله السياسيّ.
بحسب أحدث استطلاعات الرأي التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيليّة خلال الأسابيع الأخيرة، ما يزال ائتلاف نتنياهو بعيداً عن ضمان أغلبيّة مريحة، فيما يستمرّ التنافس الحادّ مع معسكر المعارضة بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، مع بروز استطلاعات تتحدث عن رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت (عن حزب “ياشار”) كأحد أبرز المنافسين القادرين على هزيمة نتنياهو في الانتخابات المقبلة، إلى جانب رئيسي الوزراء السابقين نفتالي بينيت ويائير لابيد. أمّا داخل معسكر اليمين نفسه، فتزداد الضغوط على نتنياهو من جمهور يطالب بحسم الملفّات الأمنيّة المفتوحة، وفي مقدَّمها جبهة لبنان.
لم يعد أمام نتنياهو سوى أسابيع قليلة قبل توجّه الإسرائيليّين لصناديق الاقتراع. وفيما تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع موقعه الانتخابيّ، يعود الملفّ اللبنانيّ ليحلّ في صدارة الحسابات الأمنيّة
تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر إلى لبنان باعتباره “الملفّ الأمنيّ غير المكتمل”. فمنذ اندلاع المواجهة مع “الحزب” في خريف عام 2023، لم تكتمل عودة عشرات آلاف المستوطنين إلى شماليّ إسرائيل، ولا تزال البلديّات الشماليّة وجمعيّات السكّان تضغط على الحكومة مطالبة بضمانات تحول دون تكرار ما عاشته المنطقة خلال العامين الماضيين.
بحسب هذه المصادر، ستعيد أيّ حملة انتخابيّة إسرائيليّة طرح السؤال نفسه: هل انتهى خطر “الحزب” على المستوطنات الشماليّة فعلاً؟ وإذا كان الجواب سلبيّاً، فإنّ نتنياهو سيكون أوّل من يدفع الثمن سياسيّاً.
بين اتّفاق أمنيّ أو حرب أشدّ
يُنظر في الكواليس الدبلوماسيّة إلى لبنان على أنّه الحلقة الأضعف في الإقليم، والساحة التي يمكن لإسرائيل أن تحقّق فيها إنجازاً سياسيّاً وعسكريّاً بأقلّ كلفة مقارنة بالملفّات الأخرى.
تؤكّد مصادر دبلوماسيّة مطّلعة لـ”أساس” أنّ الخيارات المطروحة أمام نتنياهو لم تعد كثيرة، فهو يحتاج، قبل الدخول في الاستحقاق الانتخابيّ، إلى صورة نصر واضحة يستطيع تقديمها للرأي العامّ الإسرائيليّ.
يتمثّل السيناريو الأوّل في التوصّل إلى ترتيبات أمنيّة نهائيّة مع لبنان تضمن انسحاب “الحزب” من الحدود، ونزع سلاحه بالكامل، وبسط سلطة الجيش اللبنانيّ، بإشراف ورقابة دوليَّين، على كامل الأراضي اللبنانيّة، بما يمنح سكّان الشمال قناعة بأنّ الحرب انتهت فعلاً، وأنّ إسرائيل استعادت قوّة الردع.
أمّا السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيقوم على الذهاب إلى جولة عسكريّة جديدة تكون أشدّ عنفاً وأكثر تدميراً من كلّ ما سبق، بهدف فرض واقع ميدانيّ جديد إذا تعذّر تحقيقه عبر التفاوض.
تضيف المصادر أنّ إسرائيل تعتبر أنّ كلّ جولة سابقة انتهت قبل تحقيق أهدافها كاملة. فحرب عام 2024 لم تُنهِ ملفّ السلاح، والجولة التالية كانت أكثر اتّساعاً وتدميراً ولم تحقّق الحسم الذي تريده تل أبيب. ويسود اليوم داخل المؤسّسات الأمنيّة الإسرائيليّة قناعة بأنّ أيّ مواجهة مقبلة لن تشبه سابقاتها، بل ستكون أوسع نطاقاً وأسرع إيقاعاً، مع استخدام قوّة ناريّة غير مسبوقة.
تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر إلى لبنان باعتباره “الملفّ الأمنيّ غير المكتمل”
نتنياهو يخوض معركة بقاء سياسيّ
تستعيد هذه القراءة سوابق سياسيّة داخل إسرائيل، إذ شكّلت الحروب، في أكثر من محطّة، وسيلة لإعادة ترتيب الداخل أو تأجيل الأزمات السياسيّة، حتّى لو لم تكن نتائجها الانتخابيّة مضمونة. منذ حرب لبنان عام 1982 إلى الحروب المتكرّرة على غزّة، ظلّ العامل الداخليّ حاضراً في توقيت القرارات العسكريّة، وإن اختلفت الظروف بين مرحلة وأخرى.
أمّا واشنطن فتبدو، وفق المصادر نفسها، قادرة على ممارسة ضغوط محدودة فقط. صحيح أنّ الإدارة الأميركيّة لا ترغب في انفجار إقليميّ جديد، لكنّها تدرك أيضاً أنّ نتنياهو لم يعد يخوض معركة عسكريّة فحسب، بل معركة بقاء سياسيّ.
لهذا يتراجع هامش استجابة نتنياهو للضغوط الأميركيّة كلّما اقترب من استحقاق داخليّ يهدّد مستقبله السياسيّ. فبالنسبة إليه، قد يكون الثمن الدبلوماسيّ أقلّ خطراً من ثمن خسارة السلطة.
من هنا، تكتسب الأسابيع المقبلة أهميّة استثنائيّة. تتحدّث المصادر الدبلوماسيّة عن أنّ شهر آب قد يشكّل النافذة الزمنيّة الأخيرة قبل انتقال المنطقة إلى مرحلة مختلفة، سواء عبر تسوية أمنيّة شاملة أو عبر انفجار عسكريّ جديد.
إقرأ أيضاً: جنوب لبنان تحت الاختبار… ما هو ثمن الانسحاب؟
هامش الخيار العسكريّ يتوسّع
تضيف المصادر أنّ الرسائل التي تصل إلى مختلف الأطراف اللبنانيّة لا تتحدّث عن حرب حتميّة، لكنّها تؤكّد أنّ هامش الوقت يضيق بسرعة، وأنّ استمرار المراوحة في الملفّات الأمنيّة يمنح أصحاب الخيار العسكريّ هامشاً أوسع للذهاب إلى جولة ثالثة من الحرب.
في المقابل، يدرك “الحزب” أنّ أيّ مواجهة جديدة لن تكون نسخة عن الحروب السابقة، فالحرب الأخيرة كانت أشدّ تدميراً من تلك التي سبقتها، وكانت حرب سنة 2026 أكثر قسوة من حرب سنة 2024، في تطوّر يعكس انتقال إسرائيل تدريجاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحسم.
لهذا ترى المصادر أنّ الأسابيع المقبلة قد تضع الأمور أمام لحظة مفصليّة: إمّا تسوية تتيح لكلّ طرف إعلان إنجاز سياسيّ يحفظ ماء الوجه، وإمّا حرب جديدة قد تكون الأعنف في تاريخ المواجهة اللبنانيّة – الإسرائيليّة، مدفوعة باعتبارات أمنيّة واستراتيجيّة وانتخابيّة إسرائيليّة، وهي غالباً ما تكون الأكثر خطورة والأقلّ قابليّة للضبط.
لمتابعة الكاتب على X:
