إسرائيل تخسر حصانتها السّياسيّة في أميركا

مدة القراءة 5 د

لا تبدأ التحوّلات في السياسة الأميركيّة عندما يتغيّر القانون، بل عندما يتغيّر الخطاب. وعندما يبدأ السياسيّون بقول أشياء كانوا يتجنّبون التفكير فيها قبل سنوات، فهذا يعني أنّ الرأي العامّ سبقهم، وأنّ السياسة بدأت تلحق به.

 

لهذا لم تكن أكثر لحظات الأسبوع الماضي أهميّة هي تصويت أكثر من مئة نائب ديمقراطيّ لوقف المساعدات العسكريّة لإسرائيل، على الرغم من رمزيّة هذا التصويت التاريخيّة، بل ربّما المقابلة الطويلة التي أجراها نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس مع جو روغان، والتي كشفت عن تحوّل أعمق بكثير في المزاج السياسيّ الأميركيّ.

تغيّر المناخ السّياسيّ الأميركيّ نحو إسرائيل

ليس فانس نائباً تقدّميّاً من الجناح اليساريّ للحزب الديمقراطيّ. وليس ناشطاً جامعيّاً يشارك في اعتصامات مؤيّدة للفلسطينيّين. إنّه نائب رئيس جمهوريّ، وأحد أبرز المرشّحين الطبيعيّين لخلافة دونالد ترامب داخل الحزب الجمهوريّ.

ومع ذلك، قال كلاماً كان يُعدّ حتّى وقت قريب من المحرّمات السياسيّة في واشنطن.

لم تكن أكثر لحظات الأسبوع الماضي أهميّة هي تصويت أكثر من مئة نائب ديمقراطيّ لوقف المساعدات العسكريّة لإسرائيل، على الرغم من رمزيّة هذا التصويت التاريخيّة

اتّهم  فانس جهات داخل الحكومة الإسرائيليّة بمحاولة التأثير على الرأي العامّ الأميركيّ لإفشال التفاهم مع إيران، وأضاف أنّ إسرائيل تخسر معركة الرأي العامّ داخل الولايات المتّحدة، وأنّ المصلحة الأميركيّة يجب أن تُصاغ في واشنطن، لا في أيّ عاصمة أخرى. بغضّ النظر عن الاتّفاق أو الاختلاف مع تقويمه، فإنّ صدور هذا الكلام عن نائب رئيس جمهوريّ هو بحدّ ذاته مؤشّر إلى تغيّر المناخ السياسيّ.

المفارقة أنّ فانس نفسه كان، لسنوات، من أكثر الجمهوريّين دعماً لإسرائيل: دعا إلى تزويدها بالسلاح، وانتقد إدارة الرئيس جو بايدن لأنّها، برأيه، قيّدت حركة الدولة العبريّة العسكريّة، وكرّر مراراً أنّ تل أبيب حليف استراتيجيّ يتشارك مع الولايات المتّحدة القيم والمصالح. لذلك لا يمكن تفسير تصريحاته بأنّها انقلاب على إسرائيل، بل إعادة تعريف للعلاقة معها من زاوية جديدة: أولويّة المصلحة الأميركيّة حتّى في التعامل مع أقرب الحلفاء.

وهنا تكمن القصّة الحقيقيّة.

التّنافس بين الجمهوريّين والديمقراطيّين على دعم إسرائيل

كانت إسرائيل تمثّل لسنوات طويلة أحد الملفّات القليلة التي تحظى بإجماع الحزبين. كان المرشّح الجمهوريّ يتنافس مع المرشّح الديمقراطي على من يقدّم دعماً أكبر لها. كان نقل السفارة إلى القدس وعداً انتخابيّاً. وكانت تُعدّ زيادة المساعدات العسكريّة نقطة قوّة لا موضع جدل.

أمّا اليوم فقد بدأ السؤال يتغيّر من: هل تؤيّد إسرائيل؟ إلى: كيف تؤيّدها؟ وإلى أيّ مدى؟

أصبح الانقسام واضحاً داخل الحزب الديمقراطيّ. فجيل الشباب والناخبون التقدّميّون وكثير من الأقليّات ينظرون إلى القضيّة الفلسطينيّة بمنظار مختلف عن الأجيال السابقة. بالنسبة إليهم، لم يعد الحديث عن حقوق الفلسطينيّين قضيّة خارجيّة بعيدة، بل جزء من خطاب العدالة وحقوق الإنسان الذي يتبنّاه الحزب. واللافت أنّ هذا النقاش لم يعد محصوراً بالديمقراطيّين.

بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوريّ أيضاً مدرسة جديدة لا تعارض إسرائيل، لكنّها ترفض أن تتحوّل أيّ علاقة خارجيّة إلى التزام مفتوح قد يجرّ الولايات المتّحدة إلى حروب لا تراها ضروريّة. هذه المدرسة، التي يمثّلها فانس وآخرون بدرجات متفاوتة، تنطلق من شعار بسيط: “أميركا أوّلاً”، الذي يعني أن القرار الأميركيّ يجب أن يبقى أميركيّاً.

لذلك الانتخابات الرئاسيّة المقبلة ستكون مختلفة عن كلّ ما سبقها.

إسرائيل ستصبح قضيّة انتخابيّة في الولايات المتّحدة

لن تكون إسرائيل الملفّ الوحيد، ولن تكون القضيّة الفلسطينيّة القضيّة الأولى أمام الاقتصاد أو الهجرة أو التضخّم. لكنّها، للمرّة الأولى منذ عقود، قد تصبح قضيّة انتخابيّة حقيقيّة لا بنداً ثابتاً في برامج المرشّحين.

سنرى مرشّحين ديمقراطيّين يحاولون استقطاب الجناح التقدّميّ عبر مواقف أكثر وضوحاً تجاه الدولة الفلسطينيّة أو عبر الدعوة إلى ربط المساعدات العسكريّة بشروط سياسيّة أو إنسانيّة.

عندما يتحوّل حليف من مسلّمة سياسيّة إلى موضوع نقاش انتخابيّ، فهذا لا يعني أنّ العلاقة انتهت… بل يعني أنّ قواعدها القديمة لم تعد كافية لضمان استمرارها بالشكل نفسه

وسنرى، في المقابل، جمهوريّين يؤكّدون استمرار التحالف مع إسرائيل، لكن مع تشديد أكبر على أنّ هذا التحالف يجب أن لا يأتي على حساب المصالح الأميركيّة أو أن يفرض على واشنطن خيارات لا تريدها.

وهذا تحوّل كبير.

لأنّ السؤال الانتخابيّ الأميركيّ لم يعد: من هو الأكثر دعماً لإسرائيل؟ بل قد يصبح: من هو الأقدر على تحقيق توازن بين أمن إسرائيل، حقوق الفلسطينيّين، والمصلحة الأميركيّة؟

أيّ سياسة أميركيّة في الشّرق الأوسط يريدها الأميركيّون؟

هذا لا يعني أنّ التحالف الأميركيّ ـ الإسرائيليّ ينهار. فمن المبكر جدّاً الوصول إلى هذا الاستنتاج. فالدعم المؤسّسيّ لإسرائيل داخل الكونغرس، وداخل المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة الأميركيّة، لا يزال قوياً.

إقرأ أيضاً: بعد ليندسي غراهام من يهمس في أذن ترامب؟

لكن ما يتغيّر هو البيئة السياسيّة المحيطة بهذا التحالف. لقد انتهى زمن كانت فيه إسرائيل خارج النقاش، وأصبحت اليوم داخل النقاش الانتخابيّ.

في الديمقراطيّات، عندما يتحوّل حليف من مسلّمة سياسيّة إلى موضوع نقاش انتخابيّ، فهذا لا يعني أنّ العلاقة انتهت… بل يعني أنّ قواعدها القديمة لم تعد كافية لضمان استمرارها بالشكل نفسه.

ربّما يكون هذا هو التحوّل الأهمّ الذي تشهده السياسة الأميركيّة منذ سنوات. فهو لا يغيّر فقط طريقة النظر إلى إسرائيل، بل يعيد رسم الخريطة الفكريّة للحزبين، ويؤسّس لمعركة رئاسيّة قد لا يكون عنوانها من يؤيّد إسرائيل، بل أيّ سياسة أميركيّة في الشرق الأوسط يريدها الأميركيّون أنفسهم.

 

مواضيع ذات صلة

لبنان في دوّامة المتغيّرات الدّوليّة

تشهد الساحة الدوليّة سلسلة من التحوّلات المتسارعة التي توحي بإعادة رسم موازين القوى وإعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى الكبرى. فمن أوروبا إلى شرق آسيا،…

لا حلّ سلميّاً مع إيران

وضعت الصحافة وصف ‏دونالد ترامب للنظام الإيرانيّ “بالحثالة والمرضى والمنافقين والأشرار” في خانة التقلّبات المزاجيّة المفاجئة للرئيس الأميركيّ. فهو، على ما ذكّره أحد الصحافيين، كان…

نتنياهو يتحدّى ترامب: “لا نحتاج إذنك في لبنان”

أظهرت الأيّام الأخيرة أعراض تشقّق في اللحمة التي عادة ما تجمع إسرائيل والولايات المتّحدة، لا سيما في ظلّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. تُقصي واشنطن…

مسيحيّو لبنان وجودهم رهن خياراتهم (3/4)

شكّل المسيحيّون، لا سيما الموارنة  منهم، أحد الأعمدة الأساسيّة في تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، ثمّ في صياغة الميثاق الوطنيّ الذي قام على الشراكة…