ترامب بين نتنياهو وإردوغان: معادلة الصفقات؟

مدة القراءة 4 د

ليست المشكلة في السياسة الدوليّة أن يكون لديك خصمان. المشكلة الأصعب أن يكون لديك حليفان لا يطيق بعضهما بعضاً.

 

هذه هي المعضلة الأميركيّة اليوم. يتمتّع دونالد ترامب بعلاقة شخصيّة قويّة مع بنيامين نتنياهو، ويتمتّع أيضاً بعلاقة قويّة مع رجب طيّب إردوغان. لكنّ بين إسرائيل وتركيا لم تعُد العلاقة توتّراً دبلوماسيّاً وحسب، بل تحوّلت إلى منافسة استراتيجيّة مفتوحة تمتدّ من غزّة إلى سوريا، ومن شرق المتوسّط إلى توازنات حلف شماليّ الأطلسيّ.

في قمّة الناتو الأخيرة في أنقرة، ظهر التناقض بأوضح صوره. أشاد ترامب بإردوغان، وفتح الباب أمام احتمال إعادة بحث بيع مقاتلات 35-F لها. في المقابل، كان نتنياهو يضغط على ترامب كي لا يمنح أنقرة أنظمة تسليح متقدّمة، معتبراً أنّ ذلك قد يخلّ بميزان التفوّق العسكريّ الإسرائيليّ في المنطقة.

الأكثر دلالة أنّ ترامب لم يحاول إخفاء علاقته الجيّدة بالرجلين. فقد وصف إردوغان ونتنياهو بأنّهما “رائعان”، وقال إنّه يحبّ إردوغان، وفي الوقت نفسه حافظ على لغة التحالف الوثيق مع نتنياهو. بالنسبة إليه، لا يبدو التناقض مشكلة أخلاقيّة أو سياسيّة، بل معادلة صفقات: كيف أستفيد من الاثنين من دون أن أسمح لأحدهما بتعطيل الآخر؟

هنا تكمن الفكرة الأساسيّة: لا تريد واشنطن أن تختار بين تركيا وإسرائيل. فهي تحتاج إلى إسرائيل حليفاً عسكريّاً واستخباريّاً متقدّماً، وضامناً للتفوّق الأميركيّ في مواجهة إيران. لكنّها تحتاج أيضاً إلى تركيا القوّة الأطلسيّة الكبرى التي تملك موقعاً حاسماً بين أوروبا وآسيا والبحر الأسود والشرق الأوسط، وتملك نفوذاً مباشراً في سوريا وأوكرانيا وملفّات الطاقة والهجرة. بمعنى آخر، لا تستطيع إسرائيل أن تكون تركيا، ولا تستطيع تركيا أن تكون إسرائيل.

المفارقة أنّ ترامب قد يكون الرجل الوحيد القادر على الكلام مع نتنياهو وإردوغان في الوقت نفسه

لكنّ الأزمة تكمن في أنّ الخلاف بين أنقرة وتل أبيب لم يعد محصوراً بفلسطين. قال إردوغان أخيراً إنّ الهجمات الإسرائيليّة في سوريا ولبنان بلغت مستوى يهدّد أمن تركيا نفسه. أمّا نتنياهو فاتّهم إردوغان بأنّه ليس “حليفاً نموذجيّاً” للولايات المتّحدة، وقال إنّ تركيا تملك طموحات عدوانيّة، وذهب أبعد من ذلك في انتقاد حكم إردوغان وسياسته الإقليميّة.

لا حرب مباشرة مع سوريا..

سوريا هي نقطة الاحتكاك الأخطر. ترى تركيا أنّ مرحلة ما بعد تراجع النفوذ الإيرانيّ تفتح أمامها دوراً أكبر في سوريا، أمنيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً. ترى إسرائيل العكس: أيّ تمدّد تركيّ واسع في سوريا قد يتحوّل إلى تهديد استراتيجيّ جديد على حدودها الشماليّة. لذلك قد لا تكون المواجهة المقبلة بين تركيا وإسرائيل حرباً مباشرة، بل سباق نفوذ داخل سوريا، عبر القواعد، الفصائل، الاستخبارات، إعادة الإعمار، والممرّات الأمنيّة.

ترامب

من هنا يصبح الدور الأميركيّ أشبه بإدارة غرفة عمليّات لا قيادة تحالف متجانس. لا تريد واشنطن انتصار تركيا على إسرائيل، ولا انتصار إسرائيل على تركيا. تريد أن تستخدم تركيا حيث تحتاج إلى تركيا، وأن تستخدم إسرائيل حيث تحتاج إلى إسرائيل، وأن تمنع الاشتباك بينهما من الانفجار.

هذه هي سياسة التوفيق الأميركيّة: ليست مصالحة عاطفيّة بين إردوغان ونتنياهو، بل توزيع أدوار. إسرائيل للردع العسكريّ. تركيا لضبط بعض الجغرافيا الصعبة. الخليج للتمويل وإعادة الإعمار. وواشنطن للحكم بين الجميع عندما يقتربون من الصدام.

الأكثر دلالة أنّ ترامب لم يحاول إخفاء علاقته الجيّدة بالرجلين. فقد وصف إردوغان ونتنياهو بأنّهما “رائعان”، وقال إنّه يحبّ إردوغان

معادلة هشّة

لكنّ هذه المعادلة هشّة. فإذا أعطى ترامب تركيا أكثر ممّا تحتمل إسرائيل، سيصطدم بنتنياهو والكونغرس واللوبي المؤيّد لإسرائيل. وإذا انحاز بالكامل إلى إسرائيل، قد يدفع تركيا أكثر نحو استقلاليّة استراتيجيّة عن الغرب. ولذلك يحاول أن يلعب لعبته المفضّلة: أن يبيع كلّ طرف أنّه الأقرب إليه.

المفارقة أنّ ترامب قد يكون الرجل الوحيد القادر على الكلام مع نتنياهو وإردوغان في الوقت نفسه، لكنه أيضاً قد يكون الرجل الذي يبالغ في الاعتقاد أنّ العلاقات الشخصيّة تكفي لضبط صراع جيوسياسيّ عميق.

إقرأ أيضاً: لبنان بين مسارين أميركيَّين متناقضين

في النهاية، لا تسعى واشنطن إلى جعل تركيا وإسرائيل صديقتين. هذا هدف غير واقعيّ الآن. ما تسعى إليه هو شيء أقلّ رومانسيّة وأكثر أميركيّة: منع الحليفين من التحوّل إلى خصمين يهدّدان النظام الذي تريد واشنطن إدارته. ففي الشرق الأوسط الجديد، قد لا تكون المشكلة غياب الحلفاء، بل كثرة الحلفاء الذين يتصرّفون كخصوم.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

عون قبل واشنطن: عقله في بعبدا وقلبه في اليرزة

لا يقدّم رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون اتّفاق الإطار مع إسرائيل على أنّه انتصار سياسيّ أو إنجاز تاريخيّ، بل يحرص على طرح سؤال واحد بدا…

نتنياهو يُحبط “التّجريبيّة”… وعراقجي يعترض رفعاً للعتب

تسبق موعد اجتماع الرئيس اللبنانيّ جوزف عون مع دونالد ترامب في 21 حزيران، محطّة تنفيذ المرحلة الأولى من خطّة تطبيق المناطق النموذجيّة بانسحاب إسرائيل وتولّي…

إيران – أميركا: النووي أولاً ولبنان أخيراً

خلافاً لسواها من الدول الإقليمية الطامحة للتمدد خارج حدودها، لم تكتفِ إيران بالنفوذ الإقليمي بل تجاوزته إلى ما هو أبعد، إلى أميركا وخارج المحيط الاقليمي…

أيّ سلام… لأيّ شرق أوسط؟

أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب سقوط مذكّرة التفاهم مع إيران في إحاطة متلفزة بدت أشبه بتمزيقه اتّفاقيّة العمل الشاملة في 2018، إثر استهداف إيران ثلاث…