تسبق موعد اجتماع الرئيس اللبنانيّ جوزف عون مع دونالد ترامب في 21 حزيران، محطّة تنفيذ المرحلة الأولى من خطّة تطبيق المناطق النموذجيّة بانسحاب إسرائيل وتولّي الجيش اللبنانيّ حفظ السيادة والأمن بخلوّها من سلاح “الحزب”. إذا نفّذ لبنان ما عليه من هذه الزاوية قبل منتصف هذا الشهر، يكون ذخَّر زيارة رئيسه للإبقاء على زخم الدعم الأميركيّ لطلبه انسحاب إسرائيل من أراضيه. انطباع المفاوض اللبنانيّ أنّ بنيامين نتنياهو لا ينوي الانسحاب من أيّ بقعة، قبل انتخابات الخريف.
قال مصدر معنيّ بمسار التفاوض في واشنطن لـ”أساس” إنّه لا شيء يضاهي عناد إيران في ربط لبنان بمسار التفاوض في إسلام آباد، إلّا شراسة إسرائيل في سعيها إلى تعطيل مسار واشنطن والحؤول دون المساندة الأميركيّة للمطالب اللبنانيّة. هذا مع أنّ مسار إسلام آباد عاد ملتهباً مع دول الخليج لا أميركا وحدها.
توثيق لبنانيّ للعرقلة الإسرائيليّة
حرص لبنان مطلع الأسبوع على توثيق حادثتَي استشهاد المدرِّسة اسبيرانزا غندور ووالدتها وابنتها وخادمتها، وتلاعب الجيش الإسرائيليّ وبنيامين نتنياهو بوضع القرى المسيحيّة في الجنوب والتحكّم بالمساعدات الإنسانيّة التي يشرف الفاتيكان على إرسالها إليها. أرسل المفاوض اللبنانيّ المعطيات عنهما إلى نظرائه الأميركيّين الثلاثاء الماضي. واعتبر أنّها أدلّة على تعنّت إسرائيل في تطبيق المناطق التجريبيّة تمهيداً لمواصلة عمليّاته العسكريّة شمال الليطاني تنفيذاً لسياسة القتل والتدمير والتهجير في القرى الشيعيّة، وهو ما يعمّق الكارثة اللبنانيّة، بموازاة سعي نتنياهو إلى إجهاض المفاوضات وتجنّب الضغوط الأميركيّة عليه.
تَشارك رئيس الوفد المفاوض السفير سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوّض الاتّصالات مع الجانب الأميركيّ لإثبات عرقلة إسرائيل اتّفاق “الإطار”. يروي المصدر المعنيّ بالمفاوضات بعض مجرياتها وكواليسها والانطباعات:
يشدّد نتنياهو على أن لا انسحاب من الجنوب، إرضاء للمناخ الإسرائيليّ الداخليّ، الذي تفيد استطلاعات الرأي بميله إلى استمرار الحرب لإنهاء “تهديد الحزب”
التنازلات المحدودة التي قدّمتها إسرائيل جاءت “غصباً عنها” بضغط أميركيّ. كان حضور وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في الجولتين الرابعة (2 و3 و4 حزيران) والخامسة (23 و1- 24 و25 و26 حزيران) “حازماً” بوجه الوفد الإسرائيليّ لمصلحة لبنان. لذلك كان أوّل ردّ فعل للمفاوض اللبنانيّ على تبنّي واشنطن اقتراح إسرائيل نقل التفاوض إلى روما أو قبرص في 15 و16 تمّوز هو الرفض. رأى المصدر المعنيّ بالمفاوضات أنّ نتنياهو يريد الهروب من ضغوط روبيو. تردّد لاحقاً أنّ إلحاح واشنطن على بيروت وضمان الحضور الفاعل للخارجيّة الأميركيّة جعلا لبنان يربط حضوره بتنفيذ إسرائيل المرحلة الأولى من المناطق التجريبيّة.
في الجولة الرابعة انتزع لبنان تمديد وقف النار 40 يوماً، لكنّ “الحزب” رفضه. يضاف إليه أنّ لبنان ثبّت مبدأ تفاوضه عن نفسه، بدل إيران باسمه. وما فهمه لبنان من الأميركيّين لاحقاً أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي كان يفتح الحديث في باكستان وسويسرا مع نظرائه الأميركيّين بالسؤال عن وقف الحرب في لبنان، رفعاً للعتب، ثمّ تستمرّ المناقشات في مسائل مضيق هرمز والأرصدة الماليّة والحصار على بلاده.
المناطق التّجريبيّة… ورفض “الحزب”
2- تصاعد الضغط العسكريّ الإسرائيليّ بعد الجولة الرابعة إثر اقتراح الرئيس جوزف عون بدء تطبيق المناطق “التجريبيّة” (انسحاب إسرائيليّ، دخول الجيش، انكفاء “الحزب” وحصر السلاح بالسلطة اللبنانيّة) في قريتَي زوطر الغربيّة والشرقيّة، بدل اقتراح كرم البدء ببنت جبيل، وتوخّى عون من اقتراحه التحسّب لشهيّة الإسرائيليّ لاحتلال النبطيّة والتلال فوقها، مع تقدّمه نحو كفرتبنيت والقرى المحيطة… لكنّ إسرائيل رفضت الاقتراح واحتلّت قلعة الشقيف التي زارها رئيس الأركان إيغال زامير الثلاثاء الماضي.
3- في الجولة الخامسة قَبِل الإسرائيليّ بالمنطقة التجريبيّة وفق الاقتراح اللبنانيّ. نُقلت الفكرة إلى “الحزب” بالقنوات العسكريّة فرفضها، ثمّ عارض اقتراحاً محليّاً لتولّي الجيش تلّة عليّ الطاهر، التي يقول الإسرائيليّون إنّ أنفاقها تضمّ 40 مقاتلاً وقياديّاً بينهم إيرانيّون، فيما يشير الأميركيّون إلى أنّهم 35 مقاتلاً.
في الجولة الرابعة انتزع لبنان تمديد وقف النار 40 يوماً، لكنّ “الحزب” رفضه
نيّات نتنياهو شمال النّهر
يخشى المفاوض اللبنانيّ من العراقيل الإسرائيليّة أمام تنفيذ المناطق التجريبيّة. يعتبر أنّ قتله المدرِّسة اسبيرانزا غندور في النبطيّة الفوقا، وتأخير الانسحاب من قريتَي زوطر وفرون والغندوريّة ليتولّاها الجيش، وادّعاء التقرّب من القرى المسيحيّة تمهيدات لمواصلة تدمير وتهجير المناطق الشيعيّة في النبطيّة ومحيطها. اغتيال المدنيّين بهذا الشكل رسالة لمنع الجنوبيّين من العودة إلى مناطق وقف النار وخفض التصعيد، وتلك التي يمكن أن ينسحب منها “تجريبيّاً”.

يلفت المصدر القريب من المفاوضات في تصريح إلى “أساس” إلى عودة بين 500 و600 ألف نازح إلى مناطقهم بعد وقف النار جرّاء اتّفاق “الإطار” وفق وزارة الشؤون الاجتماعيّة. يعتبر أنّ هذا الأمر يقلب المسار الذي عملت عليه إسرائيل، والقائم على القتل والتهجير والتدمير، بحيث تصبح المناطق التي تحتلّها بلا حجر ولا بشر، إلى مسار عودة إلى القرى يمهّد لإعادة إعمار ما يتيسّر إعماره في القرى الشيعيّة.
أبرز المواضيع التي يتوخّى لبنان الحصول على دعم ترامب لها خلال لقاء عون به، هي المرحلة الثانية من الانسحابات الإسرائيليّة، التي كان الوفد العسكريّ اللبنانيّ بالتنسيق مع السفير كرم قدّم خريطة لها في الجولة التفاوضيّة الأخيرة. وتشمل، بعد تولّي الجيش اللبناني تلّة عليّ الطاهر، أن يسيطر على مجرى نهر الليطاني من القطاع الشرقيّ نزولاً نحو الساحل في منطقة البيّاضة القريبة من مدينة صور، ثمّ يتولّى الأمن تدريجاً جنوباً نحو الحدود الدوليّة لمنع المظاهر المسلّحة. الخطّة هذه لا بدّ أن تكون مدار بحث في الجولة السادسة عشرة المفترضة في روما.
يخشى المفاوض اللبنانيّ من العراقيل الإسرائيليّة أمام تنفيذ المناطق التجريبيّة
لا انسحاب قبل الانتخابات؟
يدعو المصدر المعنيّ بالمفاوضات إلى رصد الموقف والسلوك الإسرائيليَّين:
- يشدّد نتنياهو على أن لا انسحاب من الجنوب، إرضاء للمناخ الإسرائيليّ الداخليّ، الذي تفيد استطلاعات الرأي بميله إلى استمرار الحرب لإنهاء “تهديد الحزب”.
- شعبيّة حزبه “الليكود” المتأرجحة تعود إلى رغبة الجمهور بالتأكّد من مدى تأييده لمواصلة الحرب، وسط الأزمة الكيانيّة التي تعيشها الدولة العبريّة بعد “طوفان الأقصى” منذ 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023. يدفع ذلك نتنياهو وحلفاءه اليمينيّين للتشدّد كسباً للأصوات الانتخابيّة.
- كان واضحاً رفض المفاوض الإسرائيليّ اعتماد كلمة “الانسحاب الإسرائيليّ” في نصّ “الإطار” لأسباب انتخابيّة، فاستُخدمت كلمة “إعادة انتشار جيش الدفاع الإسرائيليّ خارج الأراضي اللبنانيّة” بدلاً منها.
إقرأ أيضاً: طهران تتحدّى العرب في هرمز وتعطّل الانسحاب في لبنان
- لا يشمل وقف النارّ، وفق الإسرائيليّ، استهداف “الحزب”، بتفهّم أميركيّ.
لمتابعة الكاتب على X:
