لبنان يستظلّ أميركا والسعودية لرفض الاحتلالَين

مدة القراءة 6 د

تختصر حرب اللافتات التي شهدتها بيروت واقع الحال. حين نشر “الحزب” لافتات “شكراً إيران” على صورة لعليّ ومجتبى خامنئي على طريق مطار بيروت، ترجم خياره الالتحاق بإيران حيثما تذهب، ولو كان ذلك للاتّفاق مع “الشيطان الأكبر” على مذكّرة التفاهم في سويسرا. إحراق أنصاره لافتات نشرتها السلطات اللبنانيّة مكانها تحمل العلم الوطنيّ وعبارة “لبنان أوّلاً” جاء نتيجة تعبئة لأنصاره تنتهي بإنكار الانتماء إلى البلد برمّته بسبب “اتّفاق الإطار” بين لبنان وأميركا وإسرائيل.

 

 

وضَع الرفض الإيرانيّ لـ”اتّفاق الإطار” لبنانَ في خيار بين استمرار النكبة بفعل قتال إسرائيل وإيران على أرضه، وبين ولوج الفتنة التي تلوح بفعل الانقسام الذي أخذ منحىً طائفيّاً حول الرعاية الأميركيّة للمخرج من أزمته.

إنّه الخيار بين شرّين، في ظلّ دعوة “الثنائيّ الشيعيّ” سلطاته إلى التزام مسار طهران التفاوضيّ في إسلام آباد وسويسرا، المتأرجح بين الدبلوماسيّة والمواجهة. شهدت الساعات الماضية نموذجاً عمّا تخلّفه التفسيرات المتعارضة لدى كلّ من واشنطن وطهران لمذكّرة التفاهم من تصعيد عسكريّ. وهو ما ينبئ بأنّ تطبيقه سيخضع، خلال ستّين يوماً من وقف النار (منذ 17 حزيران)، للتأرجح بين التفاهم والضربات العسكريّة مع واشنطن في مضيق هرمز. لكنّه تأرجُح سيبقي لبنان معلّقاً إلى مدّة مجهولة ما دام المرجّح تمديد تلك المهلة مرّة تلو أخرى.

رأى وزراء مجلس التعاون أنّ “سلام وأمن المنطقة يتطلّبان التصدّي لجميع أشكال التهديدات الإيرانيّة، بما في ذلك صواريخها الباليستيّة وطائراتها المُسيّرة ودعمها للوكلاء في المنطقة”

السّلّتان الإيرانيّة والأميركيّة

الاتّفاق الذي انخرطت فيه السلطة السياسيّة اللبنانيّة هو النقيض تماماً للرهان على إيران. ما تطمح إليه أكثريّة اللبنانيّين هو فكّ الارتباط بين موقع لبنان الإقليميّ وبين موقع طهران الصداميّ مع الولايات المتّحدة وحلفائها. ويتلخّص بالانفصال عن إيران، وبالرهان على الاستنجاد بواشنطن لوقف التغوّل الإسرائيليّ، الذي جلبه “حرس الثورة” إلى الميدان الجنوبيّ. مطلب لبنان تجريد طهران من مواصلة استخدامه ورقة، سواء في التفاوض أو في تبادل الضغوط المرافقة للمعادلة التي يحلم “الحرس” بإرسائها على قاعدة التفوّق على سائر دول المنطقة، بالتفاهم مع دونالد ترامب.

المسار التفاوضيّ اللبنانيّ المستقلّ عن مسار إيران يعني إخراج البلد من “الجيب الإيرانيّ” في إسلام آباد وسويسرا. وما حقّقه “اتّفاق الإطار” هو إبعاد “الحرس” عن التحكّم بقرار لبنان.

بتوقيع الاتّفاق اختارت السلطة اللبنانيّة أن تتموضع في السلّة الأميركيّة بدل البقاء في سلّة إيران. تقحم الأخيرة لبنان بصراعها لانتزاع صفة شرطيّ الإقليم، ولا قِبَل للبنان باحتمال تداعياته.

عليّ الطّاهر وهرمز… وباب المندب؟

ما علاقة لبنان بالنزاع على حرّيّة الملاحة في مضيق هرمز؟ وماذا يجني لبنان من وقائع المواقف المتقلّبة للقيادة الإيرانيّة حيال مذكّرة التفاهم مع أميركا؟ في هذا السياق يمكن تسجيل الآتي:

  • الشيخ نعيم قاسم يقول: “لن نترك الميدان وهذا الاتّفاق منعدم الوجود ويجب تطبيق مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة”. يشرح النائب عن “الحزب” حسن فضل الله المقصود، معتبراً أنّ “أيّ اتّفاق أميركيّ إيرانيّ تسعى إليه أميركا، معبره البند الأوّل الذي هو لبنان، وإيران ملتزمة مع لبنان، ولن توقّع أيّ اتّفاق لا يضمن انسحاباً إسرائيليّاً منه. وصارت لدينا معادلة إقليميّة تمتدّ من مضيق هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى عليّ الطاهر وقرانا الأماميّة”. ذهب فضل الله برفضه الاتّفاق إلى القول: “نحن لبنان والدولة والوطن وأهل الأرض والميدان، ولن يمرّ أيّ شيء لا نوافق عليه”. فهل ينقل الالتحاق بطهران “الحزب” إلى الحالة الإلغائيّة للآخرين؟

موجات الخلافات الإيرانيّة: بزشكيان و”الحرس

  • عاد إلى السطح بوضوح الخلاف الداخليّ الإيرانيّ على مقاربة التفاوض مع أميركا. فيما تبادل “الحرس” الضربات مع القوّات الأميركيّة يومَي السبت والأحد 27 و28 حزيران، كان لافتاً قول الرئيس مسعود بزشكيان: “لا تزال بعض التيّارات تسعى إلى إثارة التوتّر واستمرار المواجهات، وتحاول جرّ البلاد إلى تحدّيات جديدة”، وأضاف: “خلال المسار الدبلوماسيّ أجرينا مشاورات بين مختلف مؤسّسات النظام، والطرف المقابل قَبِل شروطنا”.

أعقب ذلك، ليل 28 حزيران، إعلان وقف المواجهات الأميركيّة الإيرانيّة والعودة إلى جلسات التفاوض، التي كان الإعلام الإيرانيّ لوّح بإلغائها.

يقود إلحاق لبنان بالمسار الإيرانيّ للتفاوض إلى إقحامه بموجات التنافس بين “الحرس” والمتشدّدين والإصلاحيّين والمرجعيّة العليا والحوزة الدينيّة… إلخ.

بعد تظاهرات بالدرّاجات الناريّة نظّمها “الحزب” باتّجاه السراي الحكوميّ، ليل 27 حزيران، أوصلت الرياض تنبيهاً من التمادي ضدّ رئاسة الحكومة

مجلس التّعاون و”التّهديدات الإيرانيّة

ملاحظات المعترضين على بنود في اتّفاق الإطار مشروعة. قدّم لبنان تنازلات خاضعة للأخذ والردّ ويعود للتفاوض اللاحق توضيحها. والمؤكّد أنّ ما نصّ عليه في أكثر من فقرة عن السلام مع إسرائيل لا يعني، حسب المراجع اللبنانيّة الرسميّة، توقيع اتّفاق سلام، بل البقاء ضمن هامش عدم الاعتداء. فالسلام مع الدولة العبريّة مرهون بالسلام العربيّ الإسرائيليّ، إذ تبقي السلطات اللبنانيّة على المظلّة العربيّة لأيّ خيار تسلكه.

يقود ذلك إلى التذكير بالغطاء العربيّ للخيار اللبنانيّ وترحيب عدد من الدول بإنجازه. في 25 حزيران، عشيّة توقيع “اتّفاق الإطار”، أصدر وزراء خارجيّة مجلس التعاون الخليجيّ بياناً عن محادثاتهم مع نظيرهم الأميركيّ ماركو روبيو، جاء فيه بشأن لبنان: “… رحّبوا بالمفاوضات الثنائيّة الجارية بين إسرائيل ولبنان، برعاية الولايات المتّحدة… شدّد الوزراء على أهميّة مسار التفاوض وألّا يرتبط بأيّ نزاعات أخرى”.

رحّب البيان بوضع نهج عمليّ لاستعادة الأمن وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة وترسيم الحدود الدائمة. وأكّد أنّ السيادة اللبنانيّة الكاملة لا يمكن أن تتحقّق في ظلّ احتفاظ جماعات مسلّحة غير حكوميّة بقدرات عسكريّة خارج نطاق سلطة الدولة اللبنانيّة، ودعوا إلى نزع سلاحها بالكامل واحتكار الدولة للقوّة، آخذين في الاعتبار أهميّة دعم القوّات المسلّحة اللبنانيّة.

إقرأ أيضاً: لبنان بين توقيع واشنطن وحسابات طهران

البارز أنّ الموقف من لبنان اقترن بالموقف من فتح مضيق هرمز و”حرّيّة الملاحة غير المشروطة وغير المقيّدة، وحقّ المرور العابر بموجب القانون الدوليّ، وهو أمر جوهريّ للأمن الإقليميّ والعالميّ”. ورفض الوزراء فرض رسوم أو محاولات السيطرة على المضيق.

رأى وزراء مجلس التعاون أنّ “سلام وأمن المنطقة يتطلّبان التصدّي لجميع أشكال التهديدات الإيرانيّة، بما في ذلك صواريخها الباليستيّة وطائراتها المُسيّرة ودعمها للوكلاء في المنطقة”.

في سياق متّصل، وبعد تظاهرات بالدرّاجات الناريّة نظّمها “الحزب” باتّجاه السراي الحكوميّ، ليل 27 حزيران، أوصلت الرياض تنبيهاً من التمادي ضدّ رئاسة الحكومة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

برّي يدفن الفتنة في عين التينة

تكرّر تحذير الرئيس نبيه برّي من الحرب الأهليّة. ويرجع ذلك إلى تكاثف التحدّيات على الطائفة الشيعيّة وعلى لبنان. وآخر تلك التحدّيات الاتّفاق الذي انعقد بواشنطن…

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

“إطار واشنطن” الذي وقّعه كلّ من لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، يعدّ الاتّفاق الأشجع الذي تذهب إليه الدولة اللبنانيّة، عبر سلطة سياسيّة ذات تمثيل شعبيّ وبرلمانيّ…

لبنان بين توقيع واشنطن وحسابات طهران

في اليوم الذي كانت فيه السفيرة اللبنانيّة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيليّ يحيئيل ليتر يوقّعان في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن ما سُمّي “إطاراً لسلامٍ…

إيران لم تعد بحاجة لقنبلة نووية؟

تقتضي الشجاعة الاعتراف بأن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة بصورة تبدو متناقضة للوهلة الأولى: خسرت عسكريًا وأمنيًا على نحو قاسٍ، لكنها نجحت في تحقيق مكسب…