ربح لبنان بانتصار رهان رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة استثنائيّة. انتصار قلَب الطاولة على المتشكّكين والمحرّضين، وأعاد الغائبين عن وعيهم السياسيّ إلى جادّة الوعي والتبصّر بمآلات نجاح لقاء روما ومناطقه التجريبيّة.
ليس من لبنانيّ إلّا ويسأل بقلق: هل ينضمّ “الحزب” إلى إيران في المواجهات العسكريّة المتصاعدة مع الولايات المتّحدة منذ أكثر من أسبوع؟. فـ”الحزب” نفّذ قرار “حرس الثورة” في حرب “إسناد غزّة” ثمّ حرب “الثأر” لمقتل المرشد الإيرانيّ الأعلى عليّ خامنئيّ بلا حساب للعواقب عليه وعلى بيئته وسائر اللبنانيّين. يستتبع هذا السؤال آخر: هل تلجأ طهران عبر لبنان إلى إجهاض فصل مسار التفاوض المباشر اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ برعاية أميركيّة عن مفاوضاتها مع واشنطن بمسار إسلام آباد؟
قطعت استقلاليّة المسار اللبنانيّ عن مفاوضات إيران مع الولايات المتّحدة شوطاً مهمّاً عبر صيغة اتّفاق الإطار. وسيعزّز اجتماع جوزف عون مع نظيره دونالد ترامب الثلاثاء المقبل في 21 تمّوز فصل المسارَين.
يؤمن الرئيس اللبنانيّ، حسب قول مرجع رفيع لـ”أساس”، بأنّ ترامب يتعاطى مع لبنان كجزء من رؤية أوسع للمنطقة، بينما لنتنياهو مشروعه الخاصّ وبات مرتبطاً بحسابات داخليّة انتخابيّة
“مفاعيل” خيار عون الجريء: العودة
لم يكن عن عبث قول الرئيس اللبنانيّ الأربعاء الماضي، أثناء انعقاد الجولة السادسة للتفاوض اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ برعاية أميركيّة في روما، إنّ “خيار التفاوض قد لا يكون الأسلم، لكنّه حاليّاً هو الوحيد للوصول إلى النتائج التي نرغبها جميعاً”. ورأى عون أنّ “صيغة اتّفاق الإطار بدأت تعطي مفاعيلها، وواشنطن باتت تصغي إلينا، وملفّ لبنان على طاولة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب”.
دافع الرئيس عون عن خياره الجريء بدعوة من يحملون عليه إلى “قراءة بنود صيغة اتّفاق الإطار كما هي، وليس كما يتمّ الترويج لها لغايات شخصيّة”، مشيراً إلى أنّها “تحقّق مصالح لبنان وتصبّ في خانة الأهداف التي يُجمع عليها اللبنانيّون”. وعلم “أساس” أنّ عون اتّصل بمن أبدوا ملاحظات على اتّفاق الإطار متفهّماً، واعتبر أنّ العبرة في التفاوض على التنفيذ.
أمّا “المفاعيل” التي تحدّث عنها عون فبدأت فور التوقيع على صيغة اتّفاق الإطار التفاوضيّ في 26 حزيران الماضي. ويمكن ذكر بعضها كالآتي:
- تلقّت رئاسة الجمهوريّة تقارير عن عودة أكثر من خمسمئة ألف نازح جنوبيّ إلى قراهم، خلال الأسبوعين الماضيين. كانت “العودة” وما تزال الهاجس الضمنيّ للمفاوض اللبنانيّ. وبات بعض مراكز الإيواء في بيروت وجبل لبنان خالياً. سبب هاجس العودة (إلى درجة أنّه يتقدّم ضمناً من الناحية النفسيّة على الانسحاب الإسرائيليّ) هو المخاوف من تكرار سيناريو غزّة في الجنوب مع المكوّن الشيعيّ في جبل عامل.
الخفّة الإيرانيّة ورهان عون
- برهنت أوهام الرهانات التي يتغنّى بها الجانب الإيرانيّ عن خفّة بقراءة المعطيات الأميركيّة والدوليّة والإقليميّة. سرديّات “الانتصار” تنقّلت بين الضغوط الداخليّة الأميركيّة على الرئيس ترامب لوقف الحرب، وبين خلافه مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لأنّ الأخير ورّطه في الحرب ويريد الخروج من “الورطة”…. أخذت الأوهام “الحرس الثوريّ” نحو تفسير أحاديّ “لمذكّرة التفاهم” مع أميركا في إسلام آباد، ورتّبت حسابات مدمّرة. قصفُ “الحرس الثوريّ” في 7 تمّوز ثلاث سفن عبرت مضيق هرمز من الجهة الجنوبيّة المحاذية للشاطئ العمانيّ أطلق الضربات الأميركيّة القاسية على المواقع العسكريّة الإيرانيّة.
السفن التي استهدفها “الحرس” قطريّة، سعوديّة وقبرصيّة. كان ترامب عائداً للتوّ من قمّة حلف “الناتو” في أنقرة التي شدّدت على حرّية الملاحة الدوليّة… لم يحتمل التصرّف الإيرانيّ المنفرد والتفسير المزيّف لـ”مذكّرة التفاهم”. فـ”الحرس الثوريّ” أراد ليّ ذراع المجتمع الدوليّ بمواصلة التحكّم بالاقتصاد العالميّ عبر المضيق. في المقابل قام رهان عون على أن لا سبيل إلى وقف حرب نتنياهو على البلد وانسحاب جيشه إلّا عبر ترامب، ومن دون أوهام عن متانة التحالف الاستراتيجيّ بين أميركا والدولة العبريّة، حتّى لو اختلفتا بشأن لبنان.
يؤمن الرئيس اللبنانيّ، حسب قول مرجع رفيع لـ”أساس”، بأنّ ترامب يتعاطى مع لبنان كجزء من رؤية أوسع للمنطقة، بينما لنتنياهو مشروعه الخاصّ وبات مرتبطاً بحسابات داخليّة انتخابيّة. ولذلك طلب ترامب منه الانسحاب من سوريا ولبنان. وكان معبِّراً طلبه منه خفض عمليّاته في لبنان “لأنّني أريد التركيز على إيران”.
تفترض الوقائع وقوف “الحزب” خلف الفريق المفاوض لتقوية موقفه سعياً إلى انسحاب إسرائيل، بدلاً من تجييشه وإيران الاعتراضات ضدّ خيار الرئاسة التفاوضيّ
مفتاح الاستقلاليّة عن إيران… وبرّي
- أدرك عون باكراً أنّ حجر الرحى في إخراج لبنان من الأوهام الإيرانيّة يكمن باستقلالية قراره عن إيران ومشاريعها. وبموازاة جولة التفاوض السادسة في روما، كرّر أنّه “لا يمكنني الوقوف متفرّجاً على دمار البلد وقتل المواطنين، أو أن أدع أحداً يفاوض عن الدولة اللبنانيّة التي تتمتّع بسيادتها”. وإذا كان ذلك أغضب طهران و”الحزب”، منذ البداية، فلأنّه يجرّد “الحرس” من ورقة لبنان. وحجّة “الحزب” بأنّ اتّفاق الإطار لن يأتي بأيّ مكسب ولا بدّ من الانسحاب منه تتجاهل فشل الرهان على مسار إسلام آباد. فما فائدة إقحام لبنان بمضيق هرمز، وبتصعيد طهران عداءها لدول الخليج وسائر العرب…؟
التفاوض الأميركيّ ـ الإيرانيّ بحالة “كوما” راهناً أو مجمّد بانتظار نتائج الجولة العسكريّة الدائرة، بينما مفاوضات روما قائمة على بطئها. وترامب من جهته أدرك أنّه لا بدّ من مساعدة جيش لبنان على بسط سلطته عبر انسحابات إسرائيليّة تمكّنه من اجتياز امتحان منع “الحزب” من إقامة بنية عسكريّة في الجنوب. وهو الامتحان الرئيس للسلطة اللبنانيّة.
- ما دفع رئيس البرلمان نبيه برّي إلى القول في معرض تكراره رفض المناطق التجريبيّة إنّه لا يمانع الحصول على نتائج من أيّ مسار و”أريد أكل العنب لا قتل الناطور” يعني أنّه يحتاط لتعثّر مسار إسلام آباد.
إقرأ أيضاً: إسناد هرمز: “الحزب” بين كلفة الحرب وحسابات طهران
مفاوضات روما
تفترض الوقائع وقوف “الحزب” خلف الفريق المفاوض لتقوية موقفه سعياً إلى انسحاب إسرائيل، بدلاً من تجييشه وإيران الاعتراضات ضدّ خيار الرئاسة التفاوضيّ.
أفادت المعطيات عن جولة روما الأخيرة بالآتي:
- جرى نقاش في أسماء القرى التي سيتمّ الانسحاب الإسرائيليّ منها وفق صيغة المناطق “النموذجيّة”. تُرك بتّها إلى اللجنة العسكريّة الثلاثيّة. أصرّ الجانب اللبنانيّ على انسحابات من مناطق محتلّة لا من قرى خالية من الجيش الإسرائيليّ.
- طلبت إسرائيل المشاركة في التحقّق من تنفيذ خطوات الانسحاب وانتشار الجيش وخلوّ منطقة الانسحاب من “الحزب”، لكنّ الجانب اللبنانيّ رفض. التحقّق في المناطق النموذجيّة يتولّاه ضبّاط أميركيّون، وعند الحاجة يستعينون بـ”اليونيفيل”.
- الجيش اللبنانيّ عرض خطّته للانتشار على كامل المساحة الجنوبيّة.
- تأليف اللجان التقنيّة المعنيّة بتنفيذ عناوين اتّفاق الإطار ينتظر تقدّم الخطوات المتعلّقة بالانسحاب ودخول الجيش اللبنانيّ المناطق النموذجيّة.
لمتابعة الكاتب على X:
