5 مليارات $ طلبها رفعت الأسد: وديع حداد عن اتفاق 17 أيار(3/2)

مدة القراءة 7 د

بعد حلقة أولى أمس من حوار طويل يعود أعوام 2012 و2015 و2017 مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل، المولج حينذاك ملف المفاوضات مع اسرائيل التي أفضت الى اتفاق 17 ايار 1983، متحدثاً عن المرحلة تلك وظروفها كاشفاً خفايا ظلت طي الكتمان، في حلقة ثانية اليوم يتحدث عن تمهيد إلغاء الاتفاق. يتطرق حداد إلى محادثات أجراها في واشنطن للتوصل إلى بديل من الاتفاق غير المبرم قبل أن تنجح دمشق في فرض إلغائه، وانتقال لبنان من خيار أميركي إلى آخر سوري ايذاناً بانقلاب ولاية الجميّل رأساً على عقب. يروي أيضاً حواراً دار بينه ورفعت الأسد مطالباً بثمن انسحاب القوات السورية في لبنان.

 

مرحلة مخاض سقوط اتفاق 17 أيار

مما راح يرويه وديع حداد: “عندما اضحى اتفاق 17 ايار بعد توقيعه في مأزق من جراء الشروط الإسرائيلية الثلاثة، والرفض السوري له وتحريك دمشق حلفائها في لبنان ضده وضد الرئيس الجميّل، كان لا مناص من البحث مع الأميركيين في إمكان الوصول الى حل آخر، ومساعدتنا على ايجاد مخرج سوى الاتفاق المعلق لتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من الاراضي اللبنانية. اسم الاتفاق في الأصل اتفاق جلاء القوات الإسرائيلية الذي لم يكن اتفاق سلام ابداً. وهو ما كنا نريده بانسحاب الجيشين الاسرائيلي ثم السوري. بمعية عبدالله بوحبيب (السفير اللبناني) اجتمعت الاربعاء 22 شباط 1984 بجورج شولتز وناقشته في البديل، فاجابني ان القرار يحتاج الى موافقة مجلس الامن القومي في حضور الرئيس (رونالد ريغان) الذي هو في كاليفورنيا اليوم. أضاف شولتز انه سيتحدث معه كي يتحقق من إمكان أن يحضر ويترأس الاجتماع، طالباً مني المكوث في واشنطن بضعة ايام اخرى. قال: عُد إليّ السبت قد يكون اجتماع مجلس الامن القومي في حضور الرئيس حدث، فاطلعك على النتائج”.

يتطرق حداد إلى محادثات أجراها في واشنطن للتوصل إلى بديل من الاتفاق غير المبرم قبل ان تنجح دمشق في فرض الغائه، وانتقال لبنان من خيار أميركي الى آخر سوري

مفاجأة سياسية من العيار الثقيل

ومما يرويه “السبت 25 شباط عدت إليه ففاجأني: ألم تسمع الاخبار؟ سألته: ماذا هناك؟ قال: الأخبار من بيروت ان رئيسك سيلغي الاتفاق ما أن يزور دمشق. باغتني ما حدث دونما ان اكون على علم بما كان يجري في لبنان، عشية التحضير لقمة سورية ـ لبنانية في دمشق هي الأولى بين الرئيسين حافظ الأسد وأمين الجميّل (الاربعاء 29 شباط). طلب شولتز أن ابقى في واشنطن بضعة أيام، قائلاً علّناً نرى ما يمكن فعله. قال: علينا ان ننتظر لنرى الاثمان التي سيُرغم رئيسك على ان يدفعها وقد تكون انت أحدها. انتظر قليلاً. تواصلت مع شولتز هاتفياً الاحد واعلمته بمغادرتي واشنطن فعقب: على أمل أن لا يحدث ما لا نريده. ساعات قبل قمة دمشق رجعت إلى لبنان الثلثاء 28 شباط.

فور عودتي عاتبت ايلي سالم على إحراجي أمام الوزير الأميركي ـ وانا في مهمة رسمية هناك ـ بتوالي التطورات في بيروت وتحديد موعد القمة وقراراتها، فيما انا في واشنطن في صدد شأن مغاير ومحاولة انقاذ الاتفاق مع اسرائيل. حجته ان الوقت كان ضيقاً. ذلك اليوم أبلغت إلى الرئيس عزمي على ترك منصبي. الذريعة التي أدلى بها لي أن سوريا هددت بقصف بيروت وجبل لبنان الشمالي وتدميرهما ما لم يُلغَ الاتفاق، طالباً مني البقاء إلى جانبه ريثما يتخطى المرحلة الصعبة تلك”.

سابقة سياسية في تاريخ لبنان

التأمت قمة دمشق (بين الرئيسين اللبناني والسوري أمين الجميل وحافظ الأسد) يومي 29 شباط 1984 والأول من آذار، وافضت إلى قرار الغاء الاتفاق مع اسرائيل، وهو قرار لا يلبث أن تصدره حكومة الرئيس شفيق الوزان. عاد رئيسها عن استقالة كان تقدم بها قبل اشهر، كي يلتئم مجلس الوزراء في 5 آذار ويتخذ قرار الالغاء: “غداة قمة دمشق سألت الرئيس عما اتفق عليه مع الرئيس السوري في مقابل الغاء الاتفاق فاجابني مساعدتنا على تأليف حكومة جديدة. سألته: هل هناك شيء خطي؟ رد بالنفي. سألت: هل هناك محضر اجتماع؟ قال لا. على الأثر اجتمعت بايلي سالم وجان عبيد وكانا رافقاه الى القمة، وطلبت من كل منهما بصفتي اعلى مستشاري الرئيس، اطلاعي على ما سمعاه في دمشق. دوّن كل منهما محضراً جمعتهما في واحد اطلعت الرئيس عليه كي يتحقق من دقته، ويوافق عليه، فنخرج بمحضر اجتماع واضح. أناط بايلي سالم الذهاب به الى دمشق كي يأتي بموافقة سورية على مضمون المحضر، وتالياً على ما تقرر فيه”.

تنازلنا مجاناً عن 17 أيار

يضيف في ما يرويه: “عاد برفض سوري بعدما احجم عبد الحليم خدام عن الاعتراف بالمحضر وتوقيعه. اكثر المستهجن في ما تقرر في القمة أن يتولى خدام كتابة قرار الغاء اتفاق 17 ايار بأن يبدأ بعبارة: “ان مجلس الوزراء اللبناني…”. مَن يكتب “اللبناني” في قرار يصدره مجلس الوزراء؟ لا سابقة في تاريخ حكوماتنا أن يصدر قرار أو مرسوم بعنوان “ان مجلس الوزراء اللبناني”. قلت للرئيس بعدم جواز ايراد عبارة “اللبناني”، فرد: لا نريد مزيداً من المشاكل والمتاعب معهم. تصرّف. اضطر ايلي سالم الى الذهاب الى هناك والعودة بموافقة خدام على شطب عبارة “اللبناني”. في اعتقادي تنازلنا عن اتفاق 17 ايار مجاناً، وكان بداية سلسلة تنازلات لاحقة ابرزها تأليف حكومة الرئيس رشيد كرامي في 30 نيسان. في اليوم التالي غادرت منصبي الى واشنطن. في ضوء هذا التطور سقطت المعادلة التي قام عليها العهد في مطلعه. استقلت وابراهيم طنوس بعدما سبقنا زاهي البستاني (المدير العام للامن العام) لاسباب مختلفة لا صلة لها باتفاق 17 ايار، بل بعلاقته بالرئيس الجميّل. اول ما فعلته حكومة كرامي الغاء عدد من المراسيم الاشتراعية توطئة لمرحلة جديدة تبدأ من الصفر. كل ما كان يريده السوريون الغاء الاتفاق لاسباب سياسية. راحوا يقولون ان عليهم اطلاق النار على حصان ميت”.

رفعت الأسد: المال مقابل التضحيات في لبنان

يتابع حداد “لم تكن ثمة علاقة لي بالمسؤولين السوريين الذين كانوا يديرون ملف لبنان في دمشق كعبد الحليم خدام وحكمت الشهابي. تمسُّك الرئيس بالاتفاق مع اسرائيل في مرحلة ما قبل الامتناع عن ابرامه، دفعه الى محاولة لدى دمشق من بوابة مختلفة، موازية للحوار الدائر معها عبر موفديه الشخصيين كجان عبيد وايلي سالم. طلب مني من غير ان اكون ذا صلة بالاتصالات بدمشق وانا المعني المباشر بمفاوضات الاتفاق، فتح حوار مع سوريا. سرّاً قصدتها مرتين كي التقي رفعت الاسد شقيق الرئيس السوري بغرض الوصول الى عقل حافظ الأسد دونما المرور بخدام. كان رفعت الأسد لا يزال نافذاً عام 1983 على رأس سرايا الدفاع واحد اقوى رجال النظام. اشاع لي انطباعاً بتأثير فاعل على اخيه الرئيس. رغم أن الاجتماع الاول في حضور عاصم قانصو الذي اصطحبني الى المكان، لم يفضِ الى نتيجة، تقرر اجتماع ثان في مكالمة هاتفية بيني ورفعت الاسد الذي رغب في عدم حضور عاصم قانصو.

توجهت في طوافة عسكرية إلى رياق حيث انتظرتني سيارة عسكرية سورية تابعة لسرايا الدفاع، قادتني إلى دمشق عبر الممر العسكري. هناك كانت المفاجأة. سألت رفعت الأسد هل اطلع على نص الاتفاق، فأجاب بتباهٍ: لا يعنيني ولا يهمني، بل ما يمكن الحصول عليه اذا انسحبنا من لبنان؟ من ثم طرح الثمن الباهظ: خمسة مليارات دولار أميركي شرط أن تكون من الأميركيين وليس من اي من دول الخليج العربي، دونما اقرانه هذا العرض بمكسب سياسي. قال بعدذاك: قدمنا الكثير في لبنان ونريد التعويض. لم يطل الوقت أعلمت رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي روبرت ماكفرلين بعرض رفعت الأسد. عندما فاتحته في الاجتماع الأول بيننا في سبل الوصول الى تفاهم مع الرئيس حافظ الأسد وبناء علاقات وطيدة بين البلدين، طالباً مساعدته على انه الأقرب إليه لإعادة ترميمها، كان جوابه لي صادماً: أحياناً يتصرّف الرئيس الأسد بما لا يرضيني. لو لم يكن اخي لكنت انقلبت عليه. باغتتني العبارة قبل أن أجيب: لأنك الوثيق الصلة به جئت اطلب المساعدة. إن لم تكونا على ما يرام، فلا حاجة إلى الخوض في الموضوع اكثر. استدرك رفعت الأسد: لا، هو اخي في كل حال. واقترح العودة إلى الاجتماع ثانية”.

إقرأ أيضاً: وديع حداد عمّا لم يُروَ عن اتفاق 17 أيّار (1/3):سرّ “ورقة شارون”

غداً الحلقة الثالثة والأخيرة: ما يصح في الجولان لا يصلح للبنان؟

مواضيع ذات صلة

حرب “هرمز” تثبّت خيار عون الاستقلاليّ بوجه الأوهام

ربح لبنان بانتصار رهان رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة استثنائيّة. انتصار قلَب الطاولة على المتشكّكين والمحرّضين، وأعاد الغائبين…

إردوغان ونتنياهو.. الخصومة الضّروريّة

لا يكاد يمرّ يوم من دون أن نسمع تبادلاً للتهم بين الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان وبين رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. لو قرّر أن…

“الأوكتاغون” المصريّ: قوّة الرّمز (1/2)

العمران والدولة صنوان مترافقان منذ عهد الفراعنة في مصر. إنّها علاقة تتوارثها السلطة، وهي بمنزلة محاكاة لصناعة التاريخ وفقاً لاحتياجات الحاضر والمستقبل.   على خلفيّة…

صفقة إيران: المضيق مقابل “القنبلة”

تخوض إيران معركة تخالها ناجعة للخروج من الحرب. تبدو وأن أحلامها لامتلاك قنبلة نووية تتوارى. تعمل على الذهاب بعيدا، على حواف حافة الهاوية، لمقايضة الشق…