يزور الرئيس جوزف عون واشنطن بدعوة رسميّة في 21 تمّوز. قبل أسبوع منها، تكون انعقدت جولة جديدة هي السادسة من المفاوضات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، لكنّ هذه المرّة في روما. لئن يعتبر البعض تبدّل الأماكن شكليّاً يحدث غالباً في مفاوضات الدول فتتنقّل بين العواصم من غير أن تستقرّ في إحداها، فما سيُعطى لبنان في روما، إن كان سيُعطى، هو اختبار ما قد ينجح أو لا ينجح في قمّة الرئيسين في واشنطن.
إلى الآن قدّم الرئيس دونالد ترامب نموذجَيْ احترام وازدراء في استقبال رئيسَيْن يقول عنهما إنّهما حليفان له لدولتين واقعتين تحت حروب الآخرين في سنة واحدة هي سنة 2025: الرئيس السوريّ أحمد الشرع بإظهار التقدير له، والرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي بإهانته.
ما خلا الرئيس أمين الجميّل، قلّما اتّسمت زيارات الرؤساء اللبنانيّين لواشنطن بأهميّة ذات مغزى. ربّما تستعيد زيارة الرئيس جوزف عون أهميّة ما. منذ أوّل فصول الحرب اللبنانيّة قبل خمسة عقود، لم تكن لزيارات الرؤساء اللبنانيّين إلى هناك خصوصيّة كاستقبال الرؤساء الأميركيّين للبطاركة الموارنة في الحقبة نفسها. الرئيس الياس سركيس دُعي إليها واعتذر عام 1978، الرئيس الياس هراوي زارها مرّة عام 1996، الرئيس إميل لحّود قصد نيويورك دونما أن يعرّج على العاصمة، الرئيس ميشال سليمان زارها مرّتين عامَي 2008 و2009، والرئيس ميشال عون لم يُدعَ.
ظروف زيارة الرئيس الحاليّ شبيهة إلى حدّ ما بما فعله الجميّل بفارق مختلف. هو الرئيس الوحيد بين أسلافه وخلفائه الذي يستقبله رئيس أميركيّ ثلاث مرّات في سنتين، في تشرين الأوّل 1982 وفي تمّوز وكانون الأوّل 1983. أوّلها قبل خوض لبنان في مفاوضات ما صار لاحقاً اتّفاق 17 أيّار، ثمّ كانت المرّتان الأخريان إبّان النزاع مع إسرائيل وسوريا على مصير الاتّفاق، إلى أن أبلغ الجميّل الأميركيّين في القمّة الثالثة أنّه في صدد إلغائه قبل ثلاثة أشهر من الإلغاء.

الرّئيس الأميركيّ القويّ
تأتي زيارة عون بعد أقلّ من شهر على توقيع “اتّفاق الإطار” مع إسرائيل في 26 حزيران. القاسم المشترك بين الرئيسين السابق والحاليّ أنّ كلّاً منهما رافق رئيساً أميركيّاً طبع صورته بالاستثناء وقرن ملامح “القبضاي” فيه بصورة أميركا القويّة. كان رونالد ريغن “الكاوبوي”، ودونالد ترامب في الوقت الحاضر “رئيس أعظم دولة في العالم”. قدّم كلاهما الولايات المتّحدة على أنّها راعية اتّفاق لبنانيّ – إسرائيليّ لأمن حدود البلدين.
عام 1982 كان الأميركيّون على الأرض اللبنانيّة قبل انتخاب الجميّل رئيساً، على نحو سابقة 1958 حين أوصل نزول المارينز على شاطىء الأوزاعي فؤاد شهاب إلى الرئاسة. بذلك مثّلوا قوّة ضغط لإنجاح انتخاب الرئيس أوّلاً، ثمّ مع الجميّل لعقد اتّفاق 17 أيّار، قبل أن يديروا ظهورهم للبنان بعد أشهر خريف 1983 وينسحبوا نهائيّاً، ويتركوا الرئيس اللبنانيّ لقدره يواجه إسرائيل بإحجامها عن تنفيذ الاتّفاق، وسوريا برفضها إيّاه. الزيارة المقبلة لعون يُفترض أنّها ستتّعظ من الماضي.
ليس رهان الرئيس الحاليّ على الدور الأميركيّ أقلّ تأثيراً من سلفه، وكلاهما وصلا إلى منصبَيهما في ظلّ احتلال إسرائيليّ وحرب لم تكن توقّفت، مرّة مع مقاومة ياسر عرفات وأخرى مع مقاومة “الحزب”. ما إن وُقّع اتّفاق 17 أيّار تنكّرت له إسرائيل في يوم الاحتفال بالتوقيع، بطرح ثلاثة شروط على لبنان ملازمة لقبولها بتطبيقه. رفض الجميّل ولم يبرم الاتّفاق، وسقطت الورقة لحظتذاك قبل أن تقلب سوريا موازين القوى العسكريّة في أيلول 1983 وشباط 1984.
ما إن وقّع لبنان أخيراً في 26 حزيران الماضي ما سُمّي اتّفاق الإطار مع إسرائيل سارعت إلى القول، ولمّا تزل إلى اليوم تكرّر، إنّها متمسّكة باحتلالها الجنوب حتّى نهر الليطاني ومصرّة على البقاء في المنطقة الصفراء. وفي كلّ الأحوال لن تقبل بأيّ انسحاب ما لم يُجرَّد “الحزب” من سلاحه. ما فعلته قبلاً في اجتياح عام 1982 ذو حجّة مماثلة. دخلت إلى لبنان لطرد المقاومة الفلسطينيّة من الجنوب لا لتجريدها من سلاحها فحسب، وهو ما حصل، ولبث الاحتلال حتّى عام 2000، ثمّ جلا، ثمّ أُعيد إلى الاحتلال نفسه.
في الزيارة الثانية للجميّل لواشنطن في تمّوز 1983، حضّ ريغن على إنقاذ اتّفاق 17 أيّار غير المبرم قبل دخول لبنان نفقاً مظلماً. في الزيارة الثالثة تحدّث معه عن أنّ إلغاءه لا مناصّ منه بعدما أقرّ مؤتمر جنيف للحوار الوطنيّ على إثر “حرب الجبل” هذا الخيار.
كلا الرئيسين، السلف والحاليّ، وثقا بالرئيس الأميركيّ وعوّلا عليه، ربّما أكثر ممّا يُعتقد أنّه عوّل على استراتيجية المرحلة
عون في مهمّة مشابهة لمهمّة الجميّل
ليست زيارة عون لواشنطن إلّا لمهمّة يفترض أنّها مشابهة لزيارة الجميّل الثانية لها، ومفادها أن يدعو ترامب إلى إنقاذ اتّفاق الإطار من الغرق وأن ينتشله من الانهيار مع تزايد وطأة الضغوط على الرئيس وحكومته بسببه. للمفارقة أنّ ما سيسمعه عون من الرئيس الأميركيّ هو شعارات الثمانينيّات نفسها التي تنسجم مع وقائع العقد الثاني من الألفيّة الثالثة. وهو ما كان سمعه الجميّل من ريغان من قبل: خروج الاحتلالات (كانت سوريا وإسرائيل وباتت الآن إسرائيل)، وسيطرة السلطة المركزيّة على أراضيها وسيادتها على قراراتها، وأمن الحدود اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة.
الحظّ الممنوح لعون الآن، وكان قد حُرم منه الجميّل، أنّ خصوم الاتّفاق وأعداءه لا يخوضون حرباً عسكريّةً ونزاعاً أهليّاً دمويّاً لإسقاطه، وليس ثمّة ظهير قويّ لهم كانت تمثّله سوريا التي كانت تتنشر قوّاتها في نصف لبنان وتشارك في الحرب تلك. وليس في وسع أيّ من الخصوم والأعداء أن يهدّد بإسقاط ولاية الرئيس، وفي أحسن الأحوال ليسوا قادرين على إسقاط حكومته كتجربة الرئيس شفيق الوزّان.
إقرأ أيضاً: نتنياهو يُحبط “التّجريبيّة”… وعراقجي يعترض رفعاً للعتب
عون أمام اختبار صعب
مع ذلك، كلا الرئيسين، السلف والحاليّ، وثقا بالرئيس الأميركيّ وعوّلا عليه، ربّما أكثر ممّا يُعتقد أنّه عوّل على استراتيجية المرحلة. اللاعبون الثلاثة على أرض لبنان حينذاك والآن كأنّهم أنفسهم: الدولة اللبنانيّة المعاندة، إسرائيل المحتلّة، وسوريا النهمة قبل أن تخلفها إيران الشرهة.
على نحو أحاجي المقارنة والتقاطع بين زمنَيْ الجميّل وعون، يبدو الرئيس الحاليّ أمام اختبار ظهور صعب له في أوّل دخول إلى المكتب البيضاويّ، وامتحان مدى الاحترام المحفوظ للبنان ورئيسه “الحليف”، على غرار ذيْنك التهيّبين اللذين رافقا استقبال بطريركين مارونيَّين في واشنطن: مار أنطونيوس بطرس خريش عام 1981، ومار نصرالله بطرس صفير مرّتين عامَي 1988 و2005.
