لم يكن تفصيلاً أمنيّاً عابراً البيان الذي نشرته وزارة الدفاع التركيّة في 5 من تمّوز الجاري عن تدريب قوّات ليبيّة من الشرق بقيادة خليفة حفتر. بدا أنّ أنقرة تبعث برسالة تحوُّل مفادها أنّ تركيا دخلت في طور جديد من التعاطي مع الملفّ الليبيّ يرقى إلى مستوى المراجعة وإعادة القراءة والتموضع. فهل صارت أنقرة أقرب إلى بنغازي من طرابلس؟
لم يأتِ ذلك التدريب من دون خلفيّات أخرى. قبل بيان الوزارة التركيّة بيوم، تلقّى رئيس حكومة الوحدة الوطنيّة عبدالحميد الدبيبة اتّصالاً من قائد الجيش الباكستانيّ المشير عاصم منير. لم تُعلَن صفقات تسلّح، لكنّ المعطيات يمكن أن تشير إلى أنّ طرابلس تبحث عن بدائل عن تخلّي تركيا المحتمل عن دعمها التقليديّ لحكومة الغرب الليبيّ.
تزامن الحدثان مع تناقل أنباء عن مصادر باكستانيّة أنّ إسلام آباد بدأت وساطة غير معلنة بين الإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، بدعم سعوديّ واطّلاع أميركيّ كامل. تقول المبادرة الباكستانيّة، في جوهرها، إنّ إسلام آباد تريد أيضاً موقعاً إلى طاولة التسوية المعقّدة في ليبيا. وإذا ما اصطفّت مقاعد حول طاولة التسوية فتركيا بدورها تدعّم موقعها ومقعدها في أيّ تسوية.
الحراك التركيّ صوب بنغازي ليس جديداً. سبق أن التقى رئيس الاستخبارات التركيّة إبراهيم قالن بصدّام حفتر (نجل المشير خليفة حفتر ونائبه في قيادة الجيش الوطنيّ الليبيّ الموالي له) في بنغازي. قبل ذلك، شاركت وحدات من هذا الجيش في تمرين مشترك مع قوات تركيّة في إزمير. وليس صدفة أن يأتي كلّ هذا مواكباً لمراجعة برلمان طبرق (القريب من حفتر) لاتّفاقيّة المنطقة الاقتصاديّة الخالصة الموقّعة بين حكومة طرابلس وتركيا عام 2019.
لم يكن تفصيلاً أمنيّاً عابراً البيان الذي نشرته وزارة الدفاع التركيّة في 5 من تمّوز الجاري عن تدريب قوّات ليبيّة من الشرق بقيادة خليفة حفتر
إعادة تموضع تركيّ
تعيد أنقرة التموضع السياسيّ في تركيا، فتسقط الانحياز الأيديولوجيّ لحكومة طرابلس القريبة من الإسلام السياسيّ لمصلحة براغماتيّة تهدف إلى تعظيم مصالح تركيا فقط. تريد أنقرة تثبيت الاتّفاق البحريّ الذي أُبرم مع غرب ليبيا، ويريد حفتر توسيع شرعيّة وجوده من خلال علاقات متعدّدة الأطراف، وتركيا في مقدَّمها. يعرف الطرفان هنا أنّ الصفقة البحريّة التركيّة الليبيّة لا تكتمل إلّا إذا قبلت طرابلس بها، أو على الأقلّ لم تعترض عليها.
تقول مصادر تركيّة إنّ التحوّلات بدأت منذ سنوات، لكنّ الانسداد الليبيّ هو من فرض التسريع في إيقاعاتها. تضيف أنّ تغيّر مواقف اليونان وروسيا، وتقارب أنقرة مع القاهرة، واندفاع واشنطن إلى لعب دور فاعل، كلّ ذلك دفع تركيا إلى خيار الانفتاح على الشرق، لا هياماً بحفتر، بل مراعاة لمعادلة تقول إنّ أيّ تسوية في ليبيا لن تنجح من دون طرفَيها. وهي معادلة تدركها أنقرة أكثر من غيرها، بعد سنوات من الدعم المباشر لحكومة طرابلس.
يلفت خبراء أتراك إلى أنّ الموقف التركيّ كان دائماً براغماتيّاً، وأنّ تطوير العلاقة مع حفتر جاء بعد استنتاج أنّه طرف صاعد، لا سيما بعد ظهور مبادرات أميركيّة وباكستانيّة توفّر له مكانة داخل التسوية العتيدة. وفي هذا السياق، يصبح التدريب تفصيلاً في سياق تسعى من خلاله تركيا إلى تثبيت أقدام لها في معسكر الشرق، وبالتالي الوصل الواقعيّ مع واحد أساسيّ من أطراف الصراع في ليبيا.
امتعاض في طرابلس
تمتعض مصادر في طرابلس من التحوّلات التركيّة. تستغرب أن تقوم أنقرة التي عانت من حكم العسكر بالانفتاح على “جهة عسكريّة تخطّط لنظام حكم عائليّ”. تذكّر أنّ ثلثَي سكّان ليبيا في الغرب، وأنّ الغرب يمتلك أكبر حقل للنفط (حقل الشرارة). وفي إلقاء الضوء على خصال الغرب قلقٌ في طرابلس وحكومة الدبيبة من تحوّل تركيا المنقلب على موقفها السابق حين تدخّلت لردّ هجوم حفتر يوماً ما على طرابلس.

تقول مصادر في أنقرة إنّه ليس في الأمر تحوّل بل قراءة فتحت من خلالها أنقرة أبوابها أمام بنغازي كما فتحت القاهرة أبوابها لطرابلس وحكومة الدبيبة. غير أنّ آراءً محايدة تذهب إلى الاستنتاج أنّ مصر تراجع نفوذها بعدما توطّدت علاقات حفتر مع تركيا والولايات المتّحدة وباكستان، وانكشف دعمه لقوّات الدعم السريع في السودان، علاوة على محاولة إقالة رئيس مجلس النوّاب عقيلة صالح المحسوب على القاهرة.
غير أنّ مصادر دبلوماسيّة معنيّة تقلّل من الجزم بتراجع النفوذ المصريّ، وتعتبر أنّ مبادرة واشنطن من خلال مستشار الرئيس الأميركيّ للشؤون العربيّة والإفريقيّة مسعد بولس، والمبادرة الباكستانيّة تحتاجان إلى دعم إقليميّ، وهذا ما يجعل موقف مصر محدّداً أساسيّاً لنجاح الخطّة وشرطاً لها. وربّما لسان حال القاهرة يقول ما قاله الخليفة هارون الرشيد لسحابة في السماء: “أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك”.
تستبعد مصادر تركيّة أن يأتي التقارب مع الشرق على حساب الغرب، وتعتقد أنّ العمليّة تجري بالتنسيق مع حكومة الدبيبة. وتلفت إلى أنّ خطّة واشنطن وإسلام آباد تحتاج إلى تفاهمات إقليميّة دوليّة، وتركيا تتموضع لتكون على طاولة هذه التفاهمات. لكنّ تواصل طرابلس مع إسلام آباد أثار ريبة من سعي الدبيبة إلى صفقة تسلّح مع باكستان على منوال تلك الصفقة بين باكستان وصدّام حفتر.
إقرأ أيضاً: إيران – أميركا: النووي أولاً ولبنان أخيراً
أزمة ثقة بالحليف
قد يُشتمّ من مناورة طرابلس أزمة ثقة بالحليف التركيّ. تنفي مصادر أنقرة تلك الأزمة ولا تقلق من أجواء التسلّح، حتّى إنّها ترى أنّ الحلول العسكريّة في الداخل الليبيّ باتت مستبعدة ولا بيئة دوليّة أو إقليميّة حاضنة لها. غير أنّ تبدّد القلق من تحوّلات تركيا في ليبيا داخليّاً وإقليميّاً لا ينسحب على أوروبا في الضفّة المقابلة من البحر المتوسّط. سبق لفرنسا ودول أوروبيّة أخرى أن رفضت الاتّفاق البحريّ التركيّ الليبيّ، فيما يُقلق حراك تركيا هذه الدول ويدفع اليونان لإعادة التموضع باتّجاه التقارب مع حكومة الدبيبة في طرابلس.
تغيّر العالم في السنوات الأخيرة، حتّى باكستان البعيدة باتت رقماً في شؤون المنطقة منذ اتّفاق الدفاع الاستراتيجيّ مع المملكة السعوديّة مروراً بوساطتها الأساسيّة في الأزمة الإيرانيّة وليس آخرها همّتها الجديدة في ليبيا. ومن يدرك حميميّة العلاقة بين أنقرة وإسلام آباد والعلاقة بين الرئيسين التركيّ رجب طيّب إردوغان والأميركيّ دونالد ترامب (وواجهاتها الأخيرة في قمّة الناتو في أنقرة) يدرك أنّ المنطقة صارت أصعب من أن تدار بالشعارات، وأنّ الواقعيّة وعلم المصالح وجسامة التحوّلات وسرعتها تفرض قراءة تركيّة مختلفة صارت ترى في بنغازي خيراً لم تجده قبل ذلك إلّا في طرابلس.
لمتابعة الكاتب على X:
