“صولة الفجر” في بغداد توقظ بيروت؟

مدة القراءة 6 د

يفتح العراق معركة طال انتظارها ضد شبكات المال. ما جرى في المنطقة الخضراء وغيرها ليس تفصيلاً قضائياً عابراً، بل زلزال سياسي نُفذ بالدبابات وضرب قلب النظام الذي تشكّل بعد 2003، ويعلن أن المساءلة بدأت تطرق أبواباً بقيت مغلقة طويلاً. في قلب ذلك “الانقلاب” لا يغيب الصراع مع إيران في حدث يصيب أحد أركان ممرها الشهير من طهران إلى بيروت.

 

في ظاهر المشهد حملة اعتقالات في ملفات المال الخفي. في جوهره اختبار لهيبة الدولة ومدى قدرتها على الانتقال من خطاب الإصلاح إلى ممارسة الفعل. فحين تُستخدم أجهزة الدولة الثقيلة ضد شخصيات سياسية وبرلمانية من مستويات متعددة، فإن الرسالة تتجاوز الملف القانوني إلى ما هو أبعد لتقول إن لا حصانة بعد اليوم، ولو كان ذلك جزئياً ومحدوداً في البداية.

ما جرى في المنطقة الخضراء وغيرها ليس تفصيلاً قضائياً عابراً، بل زلزال سياسي نُفذ بالدبابات وضرب قلب النظام الذي تشكّل بعد 2003، ويعلن أن المساءلة بدأت تطرق أبواباً بقيت مغلقة طويلاً

تراجع قوة إيران بالعراق

يثير توقيت الحملة أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة. لا تتحرك بغداد في لحظة داخلية صِرفة، بل على وقع إعادة اصطفاف إقليمي، وضغط أميركي متجدد، وتراجع واضح في قدرة بعض القوى على حماية شبكاتها القديمة. بدا الأمر من الأعراض الجانبية لتراجع قوة إيران عامة ونفوذها في العراق خاصة. بدا أيضا وكأن الحكومة العراقية تستثمر نافذة سياسية نادرة، قبل أن تُغلقها احتمالات التوازنات نفسها التي عطّلت كل محاولات الإصلاح السابقة.

لم تذهب الحملة، رغم جرأتها، إلى نهاياتها المثلى وقد لا تذهب. حتى الآن، تبدو وكأنها أصابت الحلقة الوسطى من منظومة المال، لا رأسها الفعلي. وهذا ما يمنحها معنى مزدوجاً. من جهة، هي خطوة جريئة غير مسبوقة، ومن جهة أخرى، هي اختبار مبكر لمدى استعداد السلطة لمواجهة الحيتان لا الصغار فقط. وإذا ما توقفت عند هذا الحد، فإنها ستتحول إلى رسالة مؤقتة تضع حدودا محسوبة بدل أن تكون بداية قطيعة حقيقية مع نظام الإفلات من العقاب.

اللافت أيضاً أن المستهدفين ينتمون إلى أكثر من بيئة سياسية وطائفية. وهذا ليس تفصيلا شكليا. لم تعد شبكات المال شأناً جانبياً مرتبطاً بكتلة بعينها، بل بسلوكيات عابرة للانتماءات، تأسست تحت مظلة المحاصصة، وازدهرت بفضلها منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين السابق عام 2003. حتى أن رئيس الحكومة علي الزيدي في مطالعته “الحجَاجَية” وتهديده بأن “رؤسا قد أينعت” ووعده بالذهاب بعيدا ضد شبكات المال، لا يملك ترف تصفية حسابات سياسية خصوصا انه يَعِدُ بعدم الترشّح لولاية ثانية أو تأسيس حزب سياسي، فيما عين الولايات المتحدة وعواصم العالم تراقب باهتمام انقلابا “من فوق” نفذته بغداد ضد نفسها.

مرارة التجارب السابقة والتدخل الأميركي

من حقّ المشككين أن يشككوا. سبق للعراقيين أن عايشوا كثيراً من الحملات التي تبدأ بصوت مرتفع وتنتهي في الظل. ومن حق المذهولين أن يتساءلوا: هل نحن أمام بداية المحاسبة أم أمام عرض سياسي محسوب؟ هذا الشك مشروع، لأن التجربة العراقية علّمت الناس أن شبكات المال لا تعيش فقط في المال العام، بل في آليات الحماية نفسها، وفي التواطؤ بين النفوذ السياسي والغطاء الأمني والقضائي.

وجد المراقبون منطقا لتوقيت “صولة الفجر” يرتبط بزيارة الزيدي إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب. سبق للأخير أن أشاد برئيس وزراء العراق الجديد بعد أن تدخل (ترامب) شخصيا وبشكل علني لرفض ترشح نوري المالكي للمنصب. قيل أيضا أن في “همم” المبعوث الأميركي الرئاسي توم باراك شيء مما نفذته بغداد فجر  28 من الشهر الماضي. صحيح أن دوافع داخلية باتت داهمة لـ “تطهير” نظام تفاقم فساده، غير أن ضغوط الخارج ودعمه بالخبرة والمعلومات كانت حاسمة في اتخاذ القرار.

يعوّل الزيدي على إقناع واشنطن أن بغداد شريك يمكن التعويل عليه في ملفات حساسة، وأنها مستعدة للذهاب أبعد من سابقيها في حصر السلاح بيد الدولة وما يعنيه الأمر من صدى يصمّ الآذان في لبنان. والرسالة موجّهة أيضاً إلى داخل العراق (كما لبنان أيضا)، بأن الزمن تغيّر وأن موازين القوى لم تعد كما كانت.

ما يجري في بغداد هو أكثر من حملة على شبكات المال. هو إعلان بأن الدولة قررت أن تواجه نفسها

صدام على شكل الدولة

تحمل هذه المقاربة مفارقة خطرة. فإذا كانت بغداد تتحرك بدفع من حاجة داخلية إلى استعادة الدولة، وبمساندة خارجية من واشنطن، فإنها في الوقت نفسه تفتح مواجهة مع شبكات متجذرة تمتد داخل المؤسسات وخارجها. والأرجح أن هذه الشبكات لن تصمت. سترد عبر الإعلام والبرلمان والشارع، وربما عبر أدوات أشد خطورة. وكلما اتسعت الحملة وارتفع مستوى استهدافاتها، زادت احتمالات أن تتحول من معركة على شبكات المال إلى صدام على شكل الدولة نفسها.

لكن ما جرى في العراق ليس شأنا محلياً صرفاً سينحصر داخل الحدود. فالبلد عقدة تمويل ونفوذ في منظومة أوسع ترتبط بإيران ووكلائها. وإذا ما نجحت حكومة بغداد في كسر بعض قنوات شبكات المال والتهريب، فإنها لا تضرب متهمين أفراداً فقط، بل تمس مصادر قوة مالية وسياسية تراكمت خلال سنوات. هنا تبدو الحملة، مهما قيل إنها محلية، جزءاً من صراع أكبر على إعادة توزيع النفوذ في المشرق. وبهذا المعنى، لا تبدو بيروت بعيدة عن المشهد.

إقرأ أيضاً: العراق: “حالة الاستثناء” مدخل لاستعادة هيبة الدّولة

إنذار إلى بيروت

فالحديث عن تشابه بين ملفات العراق ولبنان ليس مجرد مقارنة إنشائية. كلا البلدين عرف كيف تختلط السياسة بالمال والولاء والحماية. لكن الفارق أن بغداد، على هشاشتها، تمتلك اليوم هامش حركة قد لا يتوفر في بيروت، حيث تتقاطع شبكات المال مع سطوة السلاح ومع توازنات أكثر تصلباً. لذلك فإن ما يحدث في العراق قد لا يُنسخ في لبنان، لكنه سيُقرأ في بيروت كإنذار سياسي لا يمكن تجاهله. ورغم أن مادة صراع “المقاومة” والدولة في لبنان وتصادم السلاح بالمفاوضات المباشرة ستكون جزءا من عدّة الشغل للدفاع عن السلاح والشبكات الخفية المستفيدة منه، فإن بغداد وضعت حجر أساس لمسار سيزحف بشكل حتمي من داخل “الممر الشهير” صوب بيروت.

ما يجري في بغداد هو أكثر من حملة على شبكات المال. هو إعلان بأن الدولة قررت أن تواجه نفسها. هو تغيير قد ينال من المشهد الحاكم منذ 23 عاما. وهو بداية قد تشبه البدايات الحديثة لإستعادة الدولة موقعها في لبنان. وإذا ما كانت بيروت تراقب أحوال بغداد هذه الأيام، فإن العالم سيتأمل قدرة العراقيين على ضرب النواة الحقيقية الصلبة لشبكات المال ربما داخل الدولة العميقة نفسها. وإذا لم يتمّ الاهتداء إلى تلك النواة، فإن “صولة الفجر” العراقية لن تعدو كونها مجرد ضربة قوية في معركة طويلة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

بين مقابلة الشرع وزيارة الشيباني

ثمة مشهدان متزامنان يكشفان معاً ما لا يكشفه كلٌّ منهما منفرداً. المشهد الأول هو الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية قرر أن يخصصها للعلاقات…

الدّنيا من دون المصريّين… اكتئاب

ليس في الأمر أيّ مبالغة. فمنذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع أنّ مصر أمّ الدنيا، وأنّها ليست دولة عربيّة كبيرة وحسب، بل حالة حضاريّة…

ترامب حاضر في “خلوة” برّي – الشيباني..

أشاحت زيارة وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لبيروت الخميس الفائت قليلاً الانتباه عن الانقسام الداخليّ حيال الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الآخذ في التصاعد والتفاقم. ليست…

التّوفيق بين “المذكّرة” و”الإطار”: البداية انسحاب “الحرس”

بانتظار الانسحاب الإسرائيليّ من “المناطق التجريبيّة”، التي سيتسلّمها الجيش ويفرض سلطته فيها بلا أيّ وجود مسلّح آخر، وفق “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ الإسرائيليّ، هناك خشية من…