ترامب والشرق الأوسط: الإرتباك الاستراتيجي

مدة القراءة 7 د

راهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن يكون احتفال الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية احتفالاً إمبراطورياً يليق بـ”أعظم أمّة وجدت على وجه الأرض”، ويكرّس مجده الشخصي. لكن المطر والعواصف الرعدية جعلت الاحتفال فوضوياً وعكّرت على سيّد البيت الأبيض ما كان يعدّه لهذا الحدث التاريخي. والأدهى أنّ هذه المناسبة تأتي في لحظة تشهد فيها البلاد انقساماً سياسياً ومؤسسياً عميقاً، ما يطرح السؤال حول مستقبل الديمقراطية الأميركية ومآلات “الحلم الأميركي”.

 

تلقي مذكرة التفاهم مع إيران بظلالها على خيارات واشنطن في الشرق الأوسط خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين، خاصة أنّ عيد الرابع من تموز تزامن مع تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي تخللته هتافات “الموت لأميركا” و”الموت لترامب”. وبدا التحدي كبيراً على ضوء النتائج الأولية للحرب مع إيران. وهنا يبرز الارتباك الاستراتيجي الأميركي ملياً في إعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط في استراتيجية الأمن القومي

كشفت استراتيجية الأمن القومي الأميركية عن تحوّل عميق ينقض التصورات الأميركية التقليدية للشرق الأوسط، ليس لجهة الأهمية فحسب (الأولويات بالتسلسل: نصف الكرة الغربي، آسيا والمحيط الهادىء، أوروبا، الشرق الأوسط وأفريقيا) بل لجهة النهج الذي تبنّته هذه الوثيقة، والتركيز على تحويل الشرق الأوسط من ساحة للصراعات إلى منصّة فرص.  بيد أنّ ذلك لا يعني أنّ الشرق الأوسط فقد أهميته لكونه منطقة احتواء التهديدات وإنشاء ملاذات الطاقة.

تدور أسس هذا النهج حول المحاور التالية: فك الاشتباك ونقل الأعباء. تسعى العقيدة الحالية التي تركّز على الواقعية ونهج “أميركا أولاً”، إلى تجنّب التدخّل في الشؤون الداخلية والتخلي عن نظرية إسقاط الأنظمة، وتشجيع الشركاء المحليين على تحمّل المسؤولية الأساسية عن أمنهم، مع اقتصار دور واشنطن على الدعم الاستراتيجي.

أما لجهة الأولويات الجيوسياسية، فيتمثل التحدي الرئيسي في منع أي قوة منافسة من الهيمنة على احتياطيات النفط والغاز أو السيطرة على نقاط الاختناق الاستراتيجية (المضائق). وفي مجال إدارة التهديدات، تشكّل إيران والشبكات الإرهابية مصدر قلق أمني كبير. وتلحظ هذه الإستراتيجية المخاطر وتعمد إلى معالجتها من دون نشر قوات برية على نطاق واسع.

تبعاً لذلك، يمكن اعتبار الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران منذ الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي تطبيقاً لهذه الاستراتيجية واختباراً عملياً لها.

إبان حقبة جو بايدن، بدا واضحاً أنّ الشرق الأوسط بقي في صلب الاهتمامات الأميركية، نظراً للالتزام بأمن إسرائيل وأمن الطاقة وممراتها واعتبارات التنافس العالمي.

اليوم، بعد مرور ألف يوم على السابع من أكتوبر، يتضح أنّ الشرق الأوسط لا يتغيّر بسهولة ويتمزّق بنزاعات متصّلة بالموقع الجيوسياسي والطاقة، ويعاني كذلك من الصراعات ذات الأبعاد الدينية، ويئنّ تحت وطأة أحلام عودة الإمبراطوريات. ويتبين أنّ الرهانات والطموحات الأميركية تصطدم بمشاريع القوى الاقليمية والدولية. ولذلك ستكون خلاصات المواجهة الحالية حاسمة وتقريرية لمصير الدور الأميركي المستقبلي في الشرق الأوسط.

بين مضيق هرمز والانتخابات الأميركية النصفية  

في ظل الذكرى الـ250 لتأسيسها، تواجه أميركا تحديات في إعادة تموضعها العالمي، حيث يتحول جوهر اهتمامها الاستراتيجي تدريجياً من ضمان النفط إلى تأمين سلاسل التوريد التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، ما يترك أثرًا على ثقل الشرق الأوسط في حساباتها.

بانتظار ذلك، نجحت إيران في جعل مضيق هرمز العنوان الرئيسي للصراع والمفاوضات حول تطبيق مذكرة التفاهم، لإبعاد الاهتمام عن البحث في الملف النووي الذي أصبح أولوية سيد البيت الأبيض بعد تأجيل ملفي الصواريخ الباليستية والأذرع الاقليمية، وفشل محاولة اسقاط النظام الإيراني.

أدركت طهران منذ بدايات الحرب وبروز التردد الأميركي لجهة العمليات البرية وضرب البنى التحتية، ضيق هامش المناورة عند الرئيس ترامب نظراً لضغط الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر القادم وأهمية عدم غلاء أسعار المحروقات بالنسبة للمستهلك- الناخب الأميركي.

هكذا شكلت مسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز “القنبلة النووية” للحرس الثوري الإيراني، ونقطة ضعف الاستراتيجية الأميركية وابتزازاً مكشوفاً للاقتصاد العالمي من خلال أحد أبرز شرايين الطاقة.

في هذا الوقت، بعد تشييع مرشدها السابق، علي خامنئي، تقف إيران في قلب مشهد معقّد يمتزج فيه جمود المسار الدبلوماسي وأزمة حرب الناقلات، و”التذرّع” بالملف اللبناني للمماطلة في التفاوض.

شكلت هذه “الهدنة” قبل عودة الحرب المتقطعة متنفّساً لإيران ومتنفّساً للرئيس الأميركي علّه ينقذ حزبه الجمهوري من مصيدة الانتخابات النصفية. لكن على ضوء تجارب التفاوض مع إيران منذ 2003 إلى اليوم، ثمّة شكوك بأن تكون مهلة الستين يوماً ولو تمددت كافية للتوصل إلى اتفاق نهائي يحسم مسألة السلاح النووي ويزيل القلق الأميركي بخصوص التموضع الجيوسياسي المستقبلي لإيران في الإقليم وصلاتها الاقتصادية مع الصين.

بعد تشييع مرشدها السابق، علي خامنئي، تقف إيران في قلب مشهد معقّد يمتزج فيه جمود المسار الدبلوماسي وأزمة حرب الناقلات، و”التذرّع” بالملف اللبناني للمماطلة في التفاوض

المشروع الأميركي البديل!

أظهرت المواجهة مع إيران اشكاليات المقاربة الأميركية لمجمل قضايا الشرق الأوسط المركّبة والمتداخلة، وستفرض بلورة رؤية استراتيجية بديلة في إقليم متغيّر ومشهد سياسي عالمي جديد.

لم يعد من الممكن اقتصار النظر إلى الشرق الأوسط من بوابة “القاعدة” الاسرائيلية وأمن الطاقة وصفقات السلاح، بل تفرض عدة عوامل إضافية نفسها على قاعدة البيانات الأميركية أبرزها: الذكاء الاصطناعي والمبادلات الاقتصادية والصراع مع الصين.

على صعيد المتغيّرات السياسية، يظهر التوتر بين إدارة ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو على أزمة نادرة بين شريكين قديمين، وإشارة إلى مقاربات أميركية مستجدة في التنبّه للعلاقة مع تركيا وباكستان والدول العربية في الخليج ومصر وسوريا، ومحاولة ترتيب احتواء إيران.

لا تبدو المهمة يسيرة بالنسبة للولايات المتحدة التي عملت دوماً على تجاوز القوى المنافسة والإمبراطوريات القديمة. فإذ بها تفاجأ بطموحات قوى إقليمية شرق أوسطية لإحياء الأحلام الإمبراطورية لبلدان مثل إيران وتركيا.

إقرأ أيضاً: ترامب بين نتنياهو وإردوغان: معادلة الصفقات؟

سيتعيّن على واشنطن التوصّل إلى توازن صعب بين أمن إسرائيل، وتأمين إمدادات الطاقة، واحتواء النفوذ الإيراني، ومراعاة الحليف التركي، وثمة شكوك حول إرضاء جميع الأطراف في وقت واحد، بينما يزداد النفوذ الاقتصادي للصين والتبادل الآسيوي – الآسيوي.

تتأكد معضلة تحالفات واشنطن مع تعدد الشركاء من جهة، وعدم امكان الحفاظ على الهيمنة الكاملة مع تنويع الشراكات الدولية والاقليمية.

إزاء التغييرات الكبيرة في الشرق الأوسط وجواره، ستجهد إدارة دونالد ترامب والمؤسسات الأميركية لصياغة مشروع بديل بخصوص الاولويات الاستراتيجية مع عدم الابتعاد عن الممرات الحيوية للطاقة وادارة شبكات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي لضمان النفوذ المستقبلي. بيد أنّ كل الرهانات الأميركية ستكون مرتبطة بخلاصات الصراع الدائر حالياً من مضيق هرمز إلى حدود إسرائيل.

 

*أستاذ جامعي وكاتب سياسي

مواضيع ذات صلة

تركيا تدرّب قوّات حفتر.. ما الذي تغيّر؟

لم يكن تفصيلاً أمنيّاً عابراً البيان الذي نشرته وزارة الدفاع التركيّة في 5 من تمّوز الجاري عن تدريب قوّات ليبيّة من الشرق بقيادة خليفة حفتر….

أميركا ـ لبنان: دروس الماضي القريب

يزور الرئيس جوزف عون واشنطن بدعوة رسميّة في 21 تمّوز. قبل أسبوع منها، تكون انعقدت جولة جديدة هي السادسة من المفاوضات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، لكنّ…

الجزائر ترِث لبنان في “أصوات الموتى” الانتخابية

هل يقترع الأموات؟ يبدو السؤال فكاهيّاً بالنسبة لمواطن فرنسيّ أو بريطانيّ. لكنّه بالنسبة لنا نحن اللبنانيّين سؤال سخيف وتافه، لأنّ الإجابة عنه يعرفها القاصي والداني….

عون قبل واشنطن: عقله في بعبدا وقلبه في اليرزة

لا يقدّم رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون اتّفاق الإطار مع إسرائيل على أنّه انتصار سياسيّ أو إنجاز تاريخيّ، بل يحرص على طرح سؤال واحد بدا…