استعصاء حرب إيران: استنزافٌ وصراع إرادات

مدة القراءة 8 د

دخلت الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة – الإيرانيّة شهرها الثالث، ويتّصف الوضع الحاليّ بالاستعصاء والجمود منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 8 نيسان الماضي، بالإضافة إلى استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانيّة وبقاء مضيق هرمز مغلقاً.

 

كما في كلّ الحروب المعاصرة، وبشكل خاصّ في الحملات الجويّة، من الصعب إيجاد مخرج ملائم من الحرب نظراً لتناقض السرديّات حول مجرياتها ونتائجها، وإمكانيّة تحويل المكسب العسكريّ إلى إنجاز سياسيّ.

يراهن الرئيس دونالد ترامب على عقد صفقة رابحة، فيما يسخر منه الحرس الثوريّ الإيرانيّ (الممسك بمفاتيح طهران)، ويتحدّاه أن يختار بين “عمليّة عسكريّة مستحيلة” أو “اتّفاق سيّئ”.

يكمن خلف هذه المبارزة ادّعاء الغلبة بين الولايات المتّحدة الساعية إلى تحقيق مخرج مشرّف في سياق صراع دوليّ على النفوذ والطاقة والممرّات، وبين إيران التي تسعى عبر الحرب غير المتكافئة إلى منع الثنائيّ الأميركيّ – الإسرائيليّ من تحقيق أهدافه.

تفرض الحروب المعاصرة وأبعادها الجيوسياسيّة والاقتصاديّة تجاوزاً لقواعد الحروب التقليديّة للنصر العسكريّ، إذ إنّ الطبيعة المركّبة للحروب الهجينة وأدواتها غير المتماثلة تقودنا غالباً نحو “منطقة رماديّة” التي تعقّد إمكانيّة الحسم كما جرى في حرب أوكرانيا، ويحصل اليوم في “حرب إيران الثانية”.

كما في كلّ الحروب المعاصرة، وبشكل خاصّ في الحملات الجويّة، من الصعب إيجاد مخرج ملائم من الحرب نظراً لتناقض السرديّات حول مجرياتها ونتائجها، وإمكانيّة تحويل المكسب العسكريّ إلى إنجاز سياسيّ

المأزق في المفاوضات

بدأت “حرب إيران الثانية” في محاولة للحسم عبر الضربة القاضية من خلال توزيع الأدوار بين إسرائيل التي تولّت تصفية القيادات الإيرانيّة، والولايات المتّحدة التي قامت بضربات على مجمل الجغرافيا الإيرانيّة. لكنّ عدم سقوط النظام وامتصاص طهران للضربات الأولى، ثمّ القيام بردّ على ثلاثة مستويات: الهجمات ضدّ الدول العربيّة في الخليج، وتحريك جبهتَي لبنان والعراق، واستكمال الردّ باللجوء إلى الرافعة الاقتصاديّة من خلال إغلاق مضيق هرمز أحد أبرز شرايين الاقتصاد العالميّ. إزاء هذا الوضع لم تتمكّن واشنطن من تحويل إنجازاتها التكتيكيّة إلى نتيجة حاسمة.

من هنا أتى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار في الحرب على إيران تعبيراً عن التردّد والانخراط في الاستنزاف بديلاً عن الحسم السريع.

بالغت إيران في محاولة فرض شروط مختلفة للعودة إلى طاولة التفاوض، وأوّلها قيام واشنطن بفكّ الحصار عن الموانئ الإيرانيّة، وكان ذلك يخفي على الأرجح تخبّطاً في صناعة القرار في طهران، وخاصّة أنّ آخر خطّة إيرانيّة تضمّنت تراجعاً عبر اقتراح رفع متوازٍ من الطرفين للحصار.

في المقابل، يمكن القول إنّ عدم ترجمة ترامب لتهديده بسحق إيران وتدمير حضارتها، يعني أنّ خيار استئناف الحرب (وما ينطوي عليه من مخاطر وصعوبة تحقيق الأهداف أو السيناريو المتوقّع) لن يُتّخذ إلّا في حال التأكّد من فشل كلّ فرص التفاوض.

يكمن المأزق الحاليّ في مقاربة موازين القوى بين الطرفين المعنيَّين. في هذا النوع من السيناريوات، المعروف في تاريخ الصراعات غير المتكافئة، يصبح السلام صعباً ليس لنقص الحلول التقنيّة، بل بسبب التكلفة السياسيّة للتنازلات.

بالنسبة للجانب الأميركيّ الذي أبقى سقف أهدافه غامضاً، يتمثّل المأزق حتّى الآن في عدم القدرة على ترجمة ميزان القوى العسكريّ في المجال السياسيّ، وصعوبة التوصّل إلى إبرام اتّفاق نوويّ مع إيران يتجاوز اتّفاق

في الوقت نفسه، تعطي واشنطن الأولويّة لانتظار تداعيات الحصار على قطاع النفط والاقتصاد في إيران، وتفضيل ذلك على استئناف الأعمال العدائيّة. من جهتها، تراهن طهران على عامل الزمن لأنّ الاستنزاف سيثقل القيود الاقتصاديّة والسياسيّة على الولايات المتّحدة في ظلّ الضغوط التضخّميّة، والانتخابات النصفيّة المقبلة في تشرين الثاني.

يتناقض الخطاب الإيرانيّ بين اعتبار الصمود انتصاراً، وإنكار الواقع الاقتصاديّ والاختناق التدريجيّ، وينطوي ذلك على الاستمرار في المكابرة أو التفاوض من أجل التفاوض كما درجت العادة منذ 2003.

عدم الإقرار بالهزيمة وصعوبة تعريف النّصر

يكمن المأزق في تقديم روايتين متناقضتين للنصر، وانعكاس ذلك على شروط التفاوض وطريقته. يتوافق خبراء على تفوّق عسكريّ حقيقيّ لواشنطن، مع بقاء أهدافها الاستراتيجيّة بعيدة المنال.

من جهتها، ترفض طهران الإقرار بالهزيمة، وخاصّة أنّ الإعلام الأميركيّ المعادي لترامب قام بتضخيم نتائج القصف الإيرانيّ للقواعد الأميركيّة، وآثار إغلاق مضيق هرمز، وساهم ذلك في خدمة الدعاية الإيرانيّة الأيديولوجيّة التي ركّزت على “الصبر الاستراتيجيّ” في تحمّل أعباء العقوبات والحصار.

بالنسبة للجانب الأميركيّ الذي أبقى سقف أهدافه غامضاً، يتمثّل المأزق حتّى الآن في عدم القدرة على ترجمة ميزان القوى العسكريّ في المجال السياسيّ، وصعوبة التوصّل إلى إبرام اتّفاق نوويّ مع إيران يتجاوز اتّفاق 2015 الذي مزّقه ترامب عام 2018.

يتّضح أنّ حرب الاثني عشر يوماً في حزيران 2025 لم تسفر عن تراجع إيران عن استئناف برنامجها النوويّ العسكريّ الموازي، وبقي لغز مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% من دون حلّ.

يبرز المأزق الأميركيّ في إعلان النصر في حال عدم حصول ترتيب يتّصل بتجميد التخصيب لفترة طويلة وبمخزون اليورانيوم (يعتقد حسب معلومات متقاطعة أنّه يوجد أيضاً لدى طهران تسعمئة كيلو من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20% وأحد عشر طنّاً من اليورانيوم المخصّب بنسبة تقلّ عن 5%).

يبقى الفصل الأصعب أمام الأميركيّين إعلان أيّ انتصار من دون نتيجة ملموسة في الملفّ النوويّ. على الرغم من التناغم بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، واعتقاد الكثيرين أنّ الأوّل قام بإقناع الثاني ودفعه لاتّخاذ قرار الحرب، يتّضح مأزق الجانب الإسرائيليّ في الفجوة بين رغبته في تغيير النظام، وإمكانية اكتفاء واشنطن بعقد “صفقة مقبولة” بعد إعادة إيران عدّة سنوات للوراء، وتحقيق أهداف في قطاع الطاقة واستمرار الضغط غير المباشر على المنافس الصينيّ.

أمّا بالنسبة لإيران فيبرز المأزق في حال اضطرّت إلى قبول تسوية لا تضمن انعكاساتها. يميل الرأي الغالب في طهران للرهان على استمرار المناورات والصمود على المدى الطويل.

إذا بقيت الأمور على حالها واستمرّت المراوحة وعدم الوصول لنتائج حاسمة، سيبشّر كلّ طرف بالنصر على طريقته ووفق سرديّاته

وسط التناقضات داخل التركيبة التي تدير البلاد بعد ضربة 28 شباط، والشكوك في مصير المرشد الجديد أو دوره الفعليّ، تحاول طهران كسب الوقت وإغراق الوسيط الباكستانيّ والأميركيّين بسيل من الاقتراحات من دون الدخول في عمق “العقدة النوويّة” مع إصرار ضمنيّ على الاحتفاظ بورقة مضيق هرمز. يخفي كلّ ذلك خشية من استئناف الحرب في حال غياب الأفق لأيّ اتّفاق.

في حال التسوية، يمكن أن تضخّم طهران سرديّة بقاء النظام وتقديمها على أنّها النصر المظفّر، لكنّ ذلك لن يعفيها من مداهمة الاستحقاقات الداخليّة في اليوم التالي، وإمكانيّة التعرّض للمزيد من الانكشاف الاستراتيجيّ.

آفاق “اليوم التّالي”

تشير أحدث المعطيات إلى استمرار باكستان في لعب دور ساعي البريد لنقل المقترحات بين الجانبين من دون إحراز تقدّم يُبنى عليه. لكنّ الأهمّ هو إعلان الرئيس دونالد ترامب ليل الثالث من أيّار عمليّة “مشروع الحرّيّة”، التي ستبدأ صباح الرابع من أيّار بتوقيت الشرق الأوسط، للمساعدة في مرور السفن المحتجزة في مضيق هرمز في إطار “بادرة إنسانيّة”، مع التشديد على أنّ أيّ محاولة لعرقلة هذه العمليّة الإنسانيّة “سيتمّ التعامل معها بحزم”. يوجب ذلك مراقبة هذه العمليّة التي تذكّر بعمليّات مماثلة نهاية الثمانينيّات تخلّلتها مجابهات مع إيران.

إقرأ أيضاً: كابوس المنطقة: لا اتّفاق لا حرب

هكذا تبرز محاولة للخروج من “الاستعصاء العمليّاتيّ” أو استدراج إيران إلى ارتكاب خطأ وتبرير استئناف الحرب داخل إدارته أو أمام الرأي العامّ الأميركيّ.

سيتمثّل التحدّي في مقاربة اليوم التالي في بلد يقترب من 100 مليون نسمة، وذي جغرافيا استراتيجيّة تمثّل أبرز عناصر قوّته، وطموحات إمبراطوريّة لن يتمّ إسدال الستار عليها ما دام النظام باقياً.

إذا بقيت الأمور على حالها واستمرّت المراوحة وعدم الوصول لنتائج حاسمة، سيبشّر كلّ طرف بالنصر على طريقته ووفق سرديّاته. لكنّ مأزق تعريف النصر يعني في الغالب إغلاق فصل من هذا الصراع على إيران وحولها، من دون طيّ نهائيّ لصفحات الحروب التي دمغت تاريخ الشرق الأوسط.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…