ليست كلّ الأحداث التي تغيّر الشرق الأوسط تقع في الشرق الأوسط. أحياناً لا يبدأ التغيير من واشنطن بانتخاب رئيس جديد أو بتوقيع اتّفاق أو بإطلاق صاروخ، بل برحيل رجل ظلّ لعقود جزءاً من ماكينة صنع القرار الأميركيّ.
في النظام السياسيّ الأميركيّ رؤساء يوقّعون قراراتٍ يقضي رجالٌ سنواتٍ في صناعة الظروف التي تجعلها ممكنة. لا تجذبهم الأضواء بقدر ما يجذبهم النفوذ، ولا تُقاس أهمّيّتهم بعدد الخطب التي يلقونها، بل بعدد الملفّات التي تمرّ في مكاتبهم، وعدد الهواتف التي ترنّ عندما تندلع أزمة. وكان السيناتور ليندسي غراهام واحداً من هؤلاء.
ليست وفاة غراهام خبراً أميركيّاً داخليّاً، ولا مناسبة لاستعراض سيرة سياسيّة امتدّت أكثر من ثلاثة عقود، بل فرصة لفهم احتمال دخول واشنطن مرحلة جديدة في سياستها الخارجيّة، وخصوصاً تجاه الشرق الأوسط، في لحظة تعيش فيها المنطقة حرباً مفتوحة، مفاوضات معقّدة، وإعادة رسم لموازين القوى. فالسؤال الحقيقيّ ليس من سيخلف غراهام في مجلس الشيوخ، بل من سيرث الدور الذي كان يؤدّيه في التأثير على السياسة الأميركيّة تجاه منطقتنا.
يصعب فهم ليندسي غراهام من خلال منصبه فقط. فقد تحوّل، مع مرور السنوات، إلى أحد أكثر الأصوات تأثيراً في قضايا الأمن القوميّ والسياسة الخارجيّة
صانع سياسات
يصعب فهم ليندسي غراهام من خلال منصبه فقط. فقد تحوّل، مع مرور السنوات، إلى أحد أكثر الأصوات تأثيراً في قضايا الأمن القوميّ والسياسة الخارجيّة. كان حاضراً في كلّ النقاشات الكبرى: من أفغانستان والعراق، إلى أوكرانيا، وإسرائيل، وإيران، والصين، والعقوبات الاقتصاديّة، والموازنات العسكريّة.
كانت خصوصيّته في أنّه نجح في الجمع بين عالَمين مختلفين. فمن جهة، كان من أبناء المدرسة الجمهوريّة التقليديّة التي تؤمن بأنّ قيادة العالم جزءٌ من الدور الأميركيّ، وأنّ التحالفات العسكريّة واستخدام القوّة عند الضرورة هما أساس حماية المصالح الأميركيّة. ومن جهة أخرى، استطاع أن يصبح أحد أقرب حلفاء الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، على الرغم من أنّه كان من أشدّ منتقديه خلال الانتخابات التمهيديّة عام 2016.
لم يكن هذا التحوّل تبدّلاً في المواقف، بل عكس تحوّل الحزب الجمهوريّ نفسه. رفض كثيرون التكيّف مع الحزب الجديد فخرجوا من المشهد، وآخرون انخرطوا في المدرسة الترامبيّة على حساب تاريخهم السياسيّ. أمّا غراهام فاختار أن يكون جسراً بين المدرستين بحيث يحتفظ بثقة المؤسّسة التقليديّة، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقة مباشرة بالرئيس.
صاحب التّأثير والنّفوذ
لا تقوم السياسة الأميركيّة على المناصب وحدها، بل على النفوذ الشخصيّ، والثقة، وشبكات العلاقات التي تُبنى عبر عقود. يمكن انتخاب سيناتور جديد، لكن لا يمكن انتخاب المكانة التي تجعل الرئيس، وزير الدفاع ومستشار الأمن القوميّ يرفعون الهاتف للتشاور مع شخص بعينه.
أمّا بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فيأتي غياب غراهام في توقيت بالغ الحساسيّة.
تعيش المنطقة إعادة تشكيل غير مسبوقة. لم تُقفل الحرب مع إيران ملفّاتها بعد، ولا يزال مستقبل البرنامج النوويّ مفتوحاً، ويعيش لبنان مرحلة إعادة تعريف لدور الدولة والسلاح، وتدخل سوريا ترتيبات إقليميّة جديدة، فيما تحاول إسرائيل تثبيت معادلات أمنيّة مختلفة عمّا كان قائماً قبل سنوات.
كان غراهام في معظم هذه الملفّات من أكثر الأصوات حضوراً وتأثيراً. فمنذ هجمات الحادي عشر من أيلول، كان من أبرز المدافعين عن التدخّل العسكريّ الأميركيّ في أفغانستان والعراق، انطلاقاً من قناعته بأنّ الانسحاب الأميركيّ يخلّف فراغاً تملؤه التنظيمات المتطرّفة والقوى المناوئة لواشنطن.
لم يكن من دعاة الاحتواء في الملفّ الإيرانيّ، بل من أنصار الردع. عارض الاتّفاق النوويّ الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما، ودعم بقوّة سياسة “الضغوط القصوى” التي اعتمدها الرئيس ترامب، وكان من أكثر الأصوات المطالبة بتشديد العقوبات على إيران ومنعها من الاحتفاظ بأيّ قدرة تجعلها قريبة من امتلاك سلاح نوويّ. وخلال المواجهة الأخيرة مع طهران، دعا إلى توجيه ضربات أشدّ قسوة ضدّ البنية العسكريّة الإيرانيّة، معتبراً أنّ المشكلة لا تُدار، بل تُحسم.

البراغماتيّ وصاحب الرّؤية
أمّا إسرائيل فكان من أكثر السياسيّين الأميركيّين قرباً من حكوماتها المتعاقبة. دافع باستمرار عن المساعدات العسكريّة الأميركيّة، واعتبر أمن إسرائيل جزءاً من الأمن القوميّ الأميركيّ، ورفض الضغوط التي رأى أنّها قد تحدّ من قدرتها على مواجهة “حماس” أو “الحزب” أو إيران.
كانت مواقفه أكثر تعقيداً في الخليج. فقد هاجم القيادة السعوديّة بشدّة بعد مقتل الصحافيّ جمال خاشقجي، ووصف ما جرى بأنّه لا يمكن تجاوزه، لكنّه عاد لاحقاً ليؤكّد أنّ الخلاف مع الرياض لا يلغي حقيقة أنّ المملكة السعوديّة ودول الخليج تشكّل ركناً أساسيّاً في الاستراتيجية الأميركيّة لمواجهة إيران، وأنّ المصالح الأمنيّة، استقرار أسواق الطاقة، واحتواء النفوذ الصينيّ والروسيّ تفرض الحفاظ على هذا التحالف لا هدمه. كانت هذه القدرة على الفصل بين الخلافات السياسيّة والمصالح الاستراتيجيّة من السمات البارزة في مقاربته.
أمّا لبنان فكان حاضراً في اهتمامه من زاويتين: دعم الجيش اللبنانيّ بوصفه المؤسّسة الشرعيّة التي ينبغي أن تحتكر السلاح، وتشديد الضغوط على “الحزب” باعتباره الأداة الرئيسة للنفوذ الإيرانيّ في المشرق. ومن هذا المنطلق، دعم العقوبات على “الحزب”، ودعا مراراً إلى سياسة أميركيّة أكثر صرامة تجاهه.
قد يتّفق المرء أو يختلف مع هذه المواقف، لكنّها جعلت من غراهام أحد أكثر السياسيّين الأميركيّين تأثيراً في النقاش المتعلّق بالشرق الأوسط داخل الحزب الجمهوريّ.
لكن ليس السؤال الأهمّ عمّا كان يريده ليندسي غراهام، بل ألا يزال الحزب الجمهوريّ نفسه يريد الشيء ذاته؟
إقرأ أيضاً: الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!
الولايات المتّحدة أوّلاً
يعيش الحزب الجمهوريّ اليوم تحوّلاً عميقاً. هناك تيّار متزايد يرى أنّ الأولويّة يجب أن تكون للداخل الأميركيّ، وأنّ زمن الحروب الطويلة قد انتهى، وأنّ على الولايات المتّحدة أن تقلّص انخراطها الخارجيّ. وفي المقابل، لا يزال هناك من يؤمن بأنّ الانسحاب الأميركيّ لن يصنع السلام، بل سيترك الساحة للصين وروسيا وإيران.
وكان غراهام أحد أبرز ممثّلي هذا الاتّجاه.
هل يعني ذلك أنّ السياسة الأميركيّة ستتغيّر بغيابه؟ على الأرجح لا. فالولايات المتّحدة دولة مؤسّسات، وسياساتها لا تتبدّل برحيل شخص واحد، مهما بلغ نفوذه. لكنّ المؤسّسات نفسها تتأثّر بالأشخاص الذين يقودون النقاش داخلها، ويصوغون الأفكار، ويبنون التوافقات، ويملكون القدرة على التأثير في الرئيس والحزب والرأي العامّ. وربّما هنا تكمن أهميّة وفاة ليندسي غراهام، فهي لا تغيّر خريطة الشرق الأوسط بين ليلة وضحاها، لكنّها قد تكون مؤشّراً إلى أنّ جيلاً كاملاً من الجمهوريّين الذين آمنوا بالدور الأميركيّ التقليديّ في العالم يقترب من مغادرة المسرح السياسيّ، فيما يتقدّم جيل آخر أقلّ حماسة للتدخّلات الخارجيّة، وأكثر ميلاً إلى حساب الكلفة قبل رفع العلم الأميركيّ فوق أيّ معركة.
