لماذا تفتح دمشق أبواب الحوار مع “الحزب”؟

مدة القراءة 6 د

في أقلّ من شهر واحد، صارت لغة دمشق عن لبنان و”الحزب” مختلفة، وتبدو جزءاً من تحوّلات تنتمي إلى تموضع إقليميّ جماعيّ ما يزال يُصدّر واجهاته. وما بدا للوهلة الأولى سلسلة تصريحات “منفتحة”، بدا للوهلة التالية أنّه إعادة ترتيب محسوبة لتحوّل استراتيجيّ لم تعد دمشق تملك خيار خوضه بمفردها. هناك شيء يتحرّك بسرعة بالمنطقة أدركته سوريا وتلتحق به.

 

استدعت تحوّلات دمشق وما صدر عن الرئيس أحمد الشرع حديثاً حيال لبنان زيارة وزير الخارجيّة أسعد الشيباني لبيروت. لم يكن الحدث تحرّكاً دبلوماسيّاً تقليديّاً فقط، إذ وقف الرجل أمام الرؤساء اللبنانيّين، ولم يكتفِ بعبارة “فتح صفحة جديدة”، بل ذهب أبعد من ذلك: “منفتحون على لقاء “الحزب” إذا اقتضت المصلحة”.

تدرك دمشق أنّ رسائلها اللبنانيّة ستُقرأ بعناية في كلّ عاصمة معنيّة، وبالتالي تطلق خطاباً يلتقي مع الرياض وأنقرة، وربّما مع إيران من خلال وكيلها اللبنانيّ، ورسالةً إلى باريس قبل أيّام من زيارة الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون لدمشق، وطبعاً هي رسالة لافتة إلى واشنطن.

حوار مع الجميع

ليس تفصيلاً أن يكون شكل اللقاء بين الشيباني والرئيس نبيه برّي خلوة ثنائيّة لم يحضرها مساعدون. بدا أنّ الرسالة من الأهمّيّة بحيث تستدعي مداولات مغلقة. في اللقاء مع برّي لقاء مع “الثنائيّ”، وفي الحديث معه حديث أيضاً إلى “الحزب”. يعلّق مصدر سوريّ بأنّ دمشق تقول بلغة الجسور: نحن لا نأتي بسلاح، ولا نغلق باباً، لكنّنا لا نندفع أيضاً. يضيف أنّ دمشق توضح لمن يهمّه الأمر أنّ ذلك القفز المباشر لفتح الدمامل يعكس فهماً دقيقاً للمعادلة اللبنانيّة. لا تدخّل في شؤون لبنان، لكن أيضاً لا يمكن بناء استقرار حقيقيّ من دون حوار مع جميع الفاعلين، بغضّ النظر عن الخلافات.

تعتب “المعارضة الشيعيّة” على دمشق التي تهتمّ لأمر “الثنائيّ” ولا تقدّم لفتة لمن دفعوا ثمناً باهظاً جرّاء مساندتهم للثورة السوريّة

لا يجري التحوّل في الخطاب السوريّ في فراغ. تعيش دمشق مرحلة إعادة بناء، داخليّاً وسياسيّاً. الأولويّة للاستقرار لا للاستعراض. فأيّ انخراط عسكريّ أو تصعيد مع “الحزب”، في هذه اللحظة، سيعني تحمّل ثمن لا طاقة للسلطة السوريّة به. في الحسابات أيضاً ما يستدعي التعالي على الجراح. تدرك دمشق أنّ ذلك المجهول القادم في جنوب لبنان قد يفتح على سوريا أبواباً غامضة، وأنّ الاستقرار في لبنان شرط أساسيّ للاستقرار في سوريا نفسها.

هناك أيضاً أنقرة. تشير كلّ التقارير إلى أنّ تركيا نصحت الشرع بعدم الدخول في أيّ مسار يضعف “الحزب” في لبنان، ليس هياماً بـ”الحزب”، بل لعدم تسهيل إطلالة إسرائيليّة على لبنان وسوريا… وتركيا. ألم يقُل الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان قبل أيّام إنّ “أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”؟

الحزب

مصالحة خليجيّة – إيرانيّة في السّعوديّة؟

هناك الرياض أيضاً. ليست دمشق وحدها داخل تموضع جديد. لا بل قد تكون أساساً متأثّرة بتحوّلات إقليميّة سبقتها. يجري الحديث عن همّة قطريّة عُمانيّة لـ”مصالحة” خليجيّة مع إيران قد تستضيف المملكة السعوديّة قمّتها. قبل ذلك رأت رباعيّة بين المملكة وتركيا ومصر وباكستان النور في الرياض، ثمّ التأمت في إسلام آباد، وشهدت آخر اجتماعاتها في القاهرة. يضع التطوّر دمشق في موقع لا يسمح لها أن تكون “الاستثناء” في جوار يتّجه نحو التهدئة. والأرجح أنّ الحوار مع “الحزب”، في هذا السياق، جزء من لغة المنطقة الجديدة، لا مبادرة سوريّة معزولة.

أيّ انخراط عسكريّ أو تصعيد مع “الحزب”، في هذه اللحظة، سيعني تحمّل ثمن لا طاقة للسلطة السوريّة به

تعتب “المعارضة الشيعيّة” على دمشق التي تهتمّ لأمر “الثنائيّ” ولا تقدّم لفتة لمن دفعوا ثمناً باهظاً جرّاء مساندتهم للثورة السوريّة. غير أنّ التحوّل السوريّ يقوم على معطيات خلفيّة مكثّفة دفعت قياديّ في “الحزب” قبل أسابيع إلى وصف الرئيس السوريّ بـ”الأخ أحمد الشرع” والإشادة بمواقفه. لم تكن الجملة عرضيّة عابرة، بل إنّ هدف كلّ المقابلة التي أُجريت معه هو رمي ذلك الكلام. يقرّ مقرّبون من “الحزب” بأنّه كانت في الأمر إشارة إلى أنّ في “الحزب” من يقرأ في الشرع مساراً مختلفاً عن نظام الأسد السابق. وطبعاً لا يقرأ “الحزب” تحوّلاته إلّا من كتاب إيرانيّ تخرجه مطابع طهران.

جرأة الشّرع

يمكن تخيّل مقدار الوجع الذي دفع دمشق إلى تحوّلاتها. كان الشرع تحدّث عن “جرح” سبّبه تدخّل “الحزب” الدمويّ في سوريا. وكان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي استقبل الشرع في البيت الأبيض ورفع العقوبات عن سوريا وأثنى على شخص ضيفه ودافع عنه، طلب تدخّل سوريا ضدّ “الحزب”. ويُسجّل هنا أنّه مقابل ضغوط ترامب العلنيّة، قال الشرع بشكل علنيّ: مستعدّون للحوار مع “الحزب”. بدا الرئيس السوريّ قادراً على إظهار استقلال وجرأة حتّى أمام ترامب بسبب ما يراه “مصلحة لبنان وسوريا”.

تشير كلّ التقارير إلى أنّ تركيا نصحت الشرع بعدم الدخول في أيّ مسار يضعف “الحزب” في لبنان

تقول التقارير، وأكثرها لبنانيّ، إنّ سوريا تحمل مبادرة إلى لبنان. لكن حتّى لو كانت لغة دمشق اليوم مختلفة، يكفي أن يُشمّ في الجوّ رائحة “مبادرة أخويّة” لتعود التحفّظات المؤسَّسة على ذاكرة مبادرات قادت إلى الوصاية الثقيلة (1976-2005). تعرف دمشق هذا، لكنّها تراهن على أنّ لغة الحوار قد تكسر بعض الجليد. فبينما يرحّب البعض بخطاب احترام السيادة والانفتاح، يخشى آخرون أن يكون ذلك مدخلاً لاستعادة نفوذ بأدوات مختلفة.

إقرأ أيضاً: الشيباني في كلّ لبنان… “تتريك” الدّبلوماسيّة السّوريّة

لا تريد سوريا الجديدة التدخّل في لبنان. ضريبة الجغرافيا تفرض هذا التدخّل تاريخاً، حتّى لو كره الشرع هذا الخيار. صحيح أنّ الرئيس السوريّ أعاد تفسير ضغوط ترامب ورفض طلب التدخّل في لبنان، لكنّه تدخّل فعلاً. فسواء في مبادرة لدفع أطراف لبنان إلى الحوار، أو في استعداد لفتح صفحة انفتاح على الشيعة بما في ذلك “الحزب”، أو في تقصّد زيارة طرابلس وظهور رسائلها، تقول واجهات الأمر للعالم والمنطقة ولبنان إنّ سوريا، كما كانت دوماً، هي جزء من توازنات لبنان، وعلى اللبنانيّين التعايش مع موازين القوى الجديدة وحسن مقاربتها بحنكة وحكمة لإنتاج ما يكون مصلحة لازدهار البلد ومنعته واستقراره.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

تفجيرات دمشق رداً على مشهديّة طرابلس؟

رفعوه على الأكتاف في مشهد مهيب، وهذه واقعة لا يُخطئ مضامينها الفتّاكة من يعرف المدينة ويعرف تاريخها ويعرف أهلها. فطرابلس هي النبض، وهي الحرارة، وهي…

لبنان بين مسارين أميركيَّين متناقضين

من النادر أن تبدو السياسة الأميركيّة وكأنّها تتحدّث بلغتين. لكنّ هذا هو الانطباع الذي يتركه الملفّ اللبنانيّ اليوم. ففي غضون أسابيع قليلة، ظهرت وثيقتان رعتهما…

اتّفاق الإطار في سياقه المنطقيّ

نجحت تجربتان سلميّتان في الاستمرار عبر إنهاء حالة الحرب وتوقيع معاهدات سلام، وهما المصرية والأردنيّة. وبينهما برزت تجربتان أخريان: اللبنانيّة القديمة التي ولدت ميتةً في…

عودة الشّام إلى طرابلس

تملك دمشق ذكريات عزيزة وعريقة في كلّ أجزاء ما صار الغربيّون يطلقون عليه اسم الشرق الأوسط. لكنّها في العقود الأخيرة صغُرت وتوتّرت وافتقرت وتغرّب شعبها…