شروط الرّياض لاستقرار المنطقة..

مدة القراءة 5 د

تخيّل خارطة طريق لإقامة منطقة تعيش تحوّلات ما بعد الحرب على إيران باتّجاه ما يقيم شرقاً أوسط مستقرّاً، مزدهراً، متعاوناً، ومتقاطع المصالح. لا يحتاج الأمر إلى القفز نحو ما هو افتراضيّ، بل تأمّل ما تريده المملكة السعوديّة ودول الخليج لمستقبل يطوي صفحة سوداء شهدتها المملكة وأخواتها في أشهر الحرب الإيرانيّة الأخيرة. صحيح أنّ دول الخليج الستّ استبقت خطراً محتملاً أطلّ برأسه عند قيام جمهوريّة الخميني عام 1979 فأنشأت مجلس التعاون الخليجيّ بعد عامين، لكنّ تلك الدول على فراستها لم تتخيّل أن يصبح الاحتمال واقعاً لا اجتهادَ في تفسيره.

 

تأخذ الرياض هذا الواقع بصفته معطى نهائيّاً وجب تجنّبه. تمتلك إيران وإسرائيل من الفقه السياسيّ وأدوات الفتك ما يعمل، وفق أجندة كلّ دولة وأهوائها، على تهديد أمن كامل المنطقة، والعبث بتوازناتها ويوميّاتها، وتقويض خططها التنمويّة والتطوّريّة. وإذا ما تصادم مشروعا العقيدتين بعدما سئما لعبة التخادم خلال العقود الأخيرة، تعيش المنطقة برمّتها على ترانيم العقل الحاكم في إسرائيل وما تجود به فلسفة إدارة جمهوريّة الوليّ الفقيه في إيران، لا سيما المحدثة المحيّرة.

لم تستطع الحرب إخراج البيادق من رقعة اللعبة. تبدو المفاوضات، التي بوشرت باستحياء وتدلّل وارتباك في سويسرا، وكأنّها ورشة مضنية للسيطرة على توازن قوى يهدّد اختلاله ألفباء قواعد الاشتباك وأبجديّات صراعاته التاريخيّة. تبدو بيانات الترحيب بمذكّرة التفاهم بين الولايات المتّحدة وإيران الصادرة عن العواصم البعيدة والقريبة أشبه بمجاملات كاذبة للتهنئة بعرس لا أحد دُعي إليه ولا أحد في هذا العالم له ناقة فيه أو جمل. ويكاد التكاذب يدفعك إلى سؤال باريس ولندن وبرلين وعواصم أخرى عمّا إذا كانوا يعلمون شيئاً عمّا أُعدّ وقُرّر، وعمّا إذا كانوا كعواصم دوليّة كبرى يدركون إلى أين يذهب العالم.

لا أحد في العالم والمنطقة يملك من المعطيات ما يمكن أن يتجاوز مستويات التحليل المتعثّر. لا أحد كان شريكاً في قرار الحرب وسياقاتها

ولادة مستعصية

لا أحد في العالم والمنطقة يملك من المعطيات ما يمكن أن يتجاوز مستويات التحليل المتعثّر. لا أحد كان شريكاً في قرار الحرب وسياقاتها، ولا أحد استُشير أصلاً وطُلب منه رأي في مفصل كان من شأنه تغيير مسار التاريخ في الشرق الأوسط وقد يفعل. يكفي تأمّل انتقال رئيس وزراء باكستان شهباز شريف وقائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير للالتحاق بوفد أميركيّ يقوده نائب الرئيس جي دي فانس ووفد إيرانيّ يقوده رئيس مجلس الشورى محمّد باقر قاليباف، لاستنتاج ركاكة المشهد الذي يحتاج إلى دفع الوسيط الباكستانيّ بأعلى مستويات الدولة للدفع بولادة مستعصية لتفاهم ما يزال دونه مخاض بعد مخاض.

دفتر شروط

قبل الشروع في وضع نواميس لترتيب هذا العالم من مضيق هرمز مروراً بجنوب لبنان انتهاءً بمستويات تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون العالي التخصيب منه، وقبل أن تتقدّم المفاوضات أو تتراجع، أو يتخلّلها انتهاك هنا وحادث هناك وربّما صدام عرضيّ هنالك، لا تقرِّر استقرار منطقتنا همهماتُ الغرف المغلقة والدهاليز الخلفيّة بين واشنطن وطهران، بل دفتر شروط وجب اعتماده لجعل الشرق الأوسط أفضل حالاً و”عظيماً مجدّداً” (Great again) تيمّناً بالقوافي التي يستخدمها سيّد البيت الأبيض دونالد ترامب “مالئ الدنيا وشاغل ناس” عالم السنوات الراهنة:

المملكة

1- على إيران التخلّي عن أطماعها في السيادة على المنطقة من خلال ولاية الفقيه، والتوقّف عن تجنيد ودعم الميليشيات مثل “الحزب” والحوثيّين والفصائل في العراق، والانضمام إلى مسار التنمية والرقيّ الشعبيّ.

2- على إسرائيل التخلّي عن أطماعها التوسّعيّة والكفّ عن العمليّات العسكريّة وعن الاستيلاء على الأراضي العربيّة وتوهّم شرق أوسط على هواها.

3- على الدول الغربيّة التوقّف عن تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل بالمال والسلاح والهرولة لدعم دولة لم يبقَ لها صديق إلّا في واشنطن وفق تأنيب نائب الرئيس الأميركيّ.

4- على منطقتنا ودول مجلس التعاون الخليجيّ التي دفعت ثمن الحرب غالياً استخلاص العبر وتعزيز الدفاع المشترك، باعتبار أنّ “اليد الواحدة لا تصفّق”.

تتمحور سياسة المملكة السعوديّة لجعل المنطقة “أوروبا الجديدة”، وفق وعد وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حول أضلاع أربعة تعرضها سطور الأمير تركي

ليس في ما سبق شيء من قصائد النثر ونصوص الرغبة، بل خارطة طريق لطالما عبّرت عنها المملكة السعوديّة ملكاً ووليّاً للعهد ووزيراً للخارجيّة ومنابر السياسة والاقتصاد والأمن والدفاع والإعلام في الرياض. هو دفتر شروط عرضه منذ أيّام الأمير تركي الفيصل معبّراً بما خبره في الأمن والدبلوماسية، وبما يعرفه من داخل المملكة ومزاج حكمها، في مقال يضع نقاطاً كثيرة على الحروف.

أضلاع السّياسة السّعوديّة

تتمحور سياسة المملكة السعوديّة لجعل المنطقة “أوروبا الجديدة”، وفق وعد وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حول أضلاع أربعة تعرضها سطور الأمير تركي:

1- إيران مشروع يقتات من فكرة الهيمنة والتخريب والتحريض والتأليب واختراق المنطقة بالميليشيات.

2- إسرائيل مشروع ينهل من فكرة الصراع الدائم بكلّ أسلحة الفتك مهما أسالت من دماء.

3- العالم الذي يفقد منتهاه الأخلاقيّ ويمعن في سلوك مدمن على تعظيم صناعة الموت جعل من “وعد بلفور” ورشة لا نهاية لها في يوميّاتنا.

إقرأ أيضاً: الرسالة السياسية من وراء فتح الأسواق السعوديّة للبنان؟

ربّما وجب على المنطقة أيضاً أن تتعجّل استخلاص ما خرج به المشهد الراهن والارتقاء إلى وضع نهاية لذلك الفهم السلبيّ للتاريخ، وكأنّنا لا نملك من الحروب في بيوتنا إلّا القبول بها قدراً مكتوباً. ولا بأس هنا من تأمّل رباعيّة المملكة السعوديّة وتركيا ومصر وباكستان التي تشكّلت في الرياض، في آذار الماضي، وأعادت من القاهرة، الأحد الماضي، التأكيد أنّ هذه العواصم ساهرة على مصير المنطقة ومساراتها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

الرباعيّ الإقليميّ: أقل من حلف وأكثر من تفاهم..

لا تكمن أهميّة الاجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة…

إيران في المحور الأميركيّ؟

ما نشهده اليوم هو أكثر من جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران. إذ توحي المؤشّرات المتراكمة بأنّ المنطقة أمام إعادة تموضع استراتيجيّة كبرى، عنوانها…

لبنان بين إيران وإسرائيل: الدّولة هي الضّحيّة

لم تكن إيران الجهة الإقليميّة الوحيدة التي انخرطت في حروب لبنان، بل سبقتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة وسوريا وإسرائيل ودول أخرى. ولم يكن ممكناً لإيران أن…

الردع الباكستاني.. مظلةٌ للسعودية أم مظلةٌ لإيران؟

يتّضح خلال الأسبوع الأخير تقاربٌ لافتٌ وغير مريح في الخطاب الاستراتيجي الباكستاني-الأميركي، على حساب أمن ومصالح دول مجلس التعاون.   فبعد ستة أيام فقط من…