الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

مدة القراءة 8 د

تغيّر السؤال ولم يعُد: كيف يتعامل العالم مع الأزمة السوريّة؟ بل أصبح: كيف ستشارك سوريا في صياغة التوازنات الإقليميّة التي تعيش مرحلة إعادة تشكّل؟

لم تكن أنقرة محطّة عبور للرئيس السوريّ أحمد الشرع باتّجاه حلف شماليّ الأطلسيّ فحسب، بل كانت لحظة اختبار لمعنى عودة سوريا: هل تعود دولةً تبحث عن الاعتراف والقبول أم دولةً يُعاد احتساب موقعها في معادلات الإقليم الجديدة؟

 

 

تختصر أحياناً الصور التي تلتقطها العدسات سنواتٍ من التحوّلات السياسيّة أكثر ممّا تقوله التصريحات والبيانات الرسميّة. فالصور التي التُقطت للرئيس أحمد الشرع في أنقرة، على هامش قمّة الناتو، لم تكن لقطات بروتوكوليّة لرئيس يشارك في لقاء دوليّ، بل كانت لحظةً تجسّد انتقال سوريا من موقع الدولة العبء، التي كان العالم يناقش أزماتها، إلى دولة تحاول أن تستعيد مكانها على طاولة البحث في ترتيبات جديدة للأمن الإقليميّ والدوليّ.

الرجل الذي كان، هو وبلاده، لسنوات، عنواناً للعقوبات والحروب والتجاذبات الدوليّة، وجد نفسه جالساً أمام طاولة كانت، حتّى الأمس القريب، تُقدِّم نفسها بوصفها جزءاً من منظومة غربيّة معادية.

لكن لماذا أحمد الشرع؟ ولماذا الآن؟ وما الذي تغيّر حتّى أصبحت سوريا حاضرة في نقاشات إعادة تشكيل التوازنات الإقليميّة والدوليّة؟

يعني الدخول إلى المشهد الغربيّ عبر البوّابة التركيّة أنّ دمشق تحاول أن تبدأ علاقتها مع الغرب من أسئلة المستقبل لا من ملفّات الماضي

سوريا بين مرحلتين

لفهم لحظة أنقرة لا بدّ من الإجابة عن هذه الأسئلة. المسافة السياسيّة بين دمشق التي كانت تُبحث في غرف الآخرين باعتبارها أزمة، ودمشق التي أصبحت مدعوّة إلى طاولة النقاشات الأمنيّة، ليست فاصلاً زمنيّاً فقط، بل تعبير عن انتقال بين مرحلتين في موقع سوريا ووظيفتها.

من هنا تبرز أهمّيّة البوّابة التركيّة. فأنقرة لا تقدّم نفسها اليوم بوصفها جاراً لسوريا فحسب، بل باعتبارها قوّةً تسعى إلى المشاركة في إعادة صياغة الدور السوريّ الجديد، بالتنسيق مع شركاء إقليميّين ودوليّين يرون أنّ استقرار سوريا بات جزءاً من استقرار المنطقة.

لم يعد الأمر يتعلّق بشخص الرئيس السوريّ وحده، بل بالصورة السياسيّة التي يراد تقديمها عن سوريا الجديدة. فتركيا حاولت أن تسوّق دمشق باعتبارها شريكاً محتملاً في منظومة أمنيّة وسياسيّة جديدة تمتدّ من شرق المتوسّط إلى الفضاء العربيّ والإقليميّ، فيما سعت دمشق إلى تثبيت رسالة موازية مفادها أنّ العودة إلى المجتمع الدوليّ لن تكون عودة دبلوماسية فقط، بل إعادة تعريف لدور الدولة السوريّة وموقعها ومصالحها الوطنيّة والإقليميّة.

بالتالي لا تبدأ قراءة مشاركة الشرع في قمّة الناتو من مقعد سوريا في القاعة، بل من السؤال الذي يسبق ذلك كلّه: لماذا أصبح الوقت مناسباً لإعادة إدخال دمشق إلى المشهد الدوليّ؟

أطراف متعدّدة تعيد تعريف علاقتها بسوريا الجديدة

لم يكن اختيار الرئيس الشرع للمشاركة في هذه اللحظة تفصيلاً دبلوماسيّاً. فسوريا تقع اليوم في قلب ملفّات تتجاوز حدودها الوطنيّة: أمن الحدود، مكافحة الإرهاب، الهجرة، الطاقة، إعادة الإعمار، وخرائط النفوذ في شرق المتوسّط.

لكنّ أهمّيّة الحضور في أنقرة لا ترتبط بملفّات النقاش وحدها، بل وبتعدّد الأطراف التي تعيد تعريف علاقتها بسوريا الجديدة.

لم يكن الشرع حاضراً بوصفه رئيس دولة خارجة من أزمة فقط، بل باعتباره عنواناً لتقاطع مصالح متعدّدة، فتركيا تنظر إلى سوريا من زاوية أمنها القوميّ وموقعها كجسر استراتيجيّ مع العالم العربيّ، وأوروبا من زاوية الاستقرار والهجرة وشرق المتوسّط، وواشنطن من زاوية الأمن الإقليميّ وإعادة ترتيب النفوذ، فيما ترى الدول العربيّة في استعادة سوريا عاملاً أساسيّاً في إعادة بناء التوازن العربيّ.

تحمل الدعوة في مضمونها اعترافاً بأنّ إعادة بناء التوازنات الإقليميّة باتت أكثر صعوبة من دون سوريا الجديدة، وإقراراً بقيمتها الاستراتيجيّة التي تتجاوز جغرافيتها. فدمشق التي كانت لعقد ونصف نقطة جذب للصراعات الدوليّة، أصبحت اليوم نقطة تقاطع للمصالح.

لهذا يصبح السؤال مشروعاً : هل أرادت تركيا أن تقدّم الشرع إلى الناتو أم أرادت أن تقدّم الناتو إلى سوريا الجديدة؟

المرور إلى سوريا الجديدة عبر تركيا

يدرك الشرع أنّ المشاركة في قمّة الناتو تخدم عدّة أهداف سوريّة، من بينها كسر الصورة القديمة المرتبطة بالعزلة الدوليّة، وفتح قنوات مباشرة مع القوى الغربيّة، وتقديم سوريا باعتبارها دولة يمكن أن تساهم في ملفّات الاستقرار الإقليميّ.

لكنّه يدرك أيضاً أنّ الفارق كبير بين أن يدخل قاعة الاجتماعات باعتباره ممثّل أزمة، وأن يصل إليها باعتباره طرفاً في نقاش مستقبل المنطقة.

قد يكون السؤال الأكثر إثارة للاهتمام في قراءة زيارة الشرع لأنقرة هو: هل وفّرت هذه المشاركة لدمشق مساحة سياسيّة أوسع للتعامل مع الملفّات الأكثر حساسيّة؟

لا تنظر الولايات المتّحدة إلى سوريا من زاوية إعادة دمجها دوليّاً فقط، بل من خلال شبكة واسعة من الملفّات المتداخلة: أمن إسرائيل، لبنان، إيران، العقوبات، مكافحة الإرهاب، ومستقبل التوازنات الإقليميّة.

هذا يعني أنّ أيّ انفتاح أميركيّ على دمشق لن ينفصل عن توقّعات مرتبطة بدور سوريا في محيطها، سواء في الجنوب السوريّ أو على الساحة اللبنانيّة، وهي ملفّات ستختبر قدرة القيادة السوريّة على الموازنة بين متطلّبات الانفتاح الخارجيّ وحساباتها الوطنيّة.

لهذا منح الظهور السوريّ في إطار قمّة الناتو الشرع مساحة مختلفة، إذ بدأت صورة سوريا الجديدة من بوّابة ملفّات التعاون والاستقرار، قبل الانتقال إلى ملفّات الخلاف والاختبار.

لم تكن القضيّة وصول الرئيس السوريّ إلى قمّة الناتو بدعم تركيّ فقط، بل بدء اختبار العالم قدرة سوريا اليوم على الانتقال من موقع العودة إلى موقع التأثير، ومن استعادة الحضور إلى صناعة الدور

كيف ستتعامل سوريا مع المشهد اللّبنانيّ

في هذا السياق، يعني الدخول إلى المشهد الغربيّ عبر البوّابة التركيّة أنّ دمشق تحاول أن تبدأ علاقتها مع الغرب من أسئلة المستقبل لا من ملفّات الماضي.

ربّما لا يوجد ملفّ يختبر سوريا الجديدة أكثر من الملفّ اللبنانيّ. فالعلاقة بين دمشق وبيروت ليست علاقة جغرافيا وحدود فقط، بل علاقة تاريخيّة اختلط فيها الأمن بالسياسة والمصالح بالنفوذ، على المستويين الثنائيّ والإقليميّ.

لم يعد السؤال اليوم: هل تعود سوريا إلى لبنان؟ بل: كيف ستتعامل سوريا الجديدة مع المشهد اللبنانيّ؟

بقدر ما تحتاج دمشق إلى لبنان الجديد، يحتاج لبنان أيضاً إلى سوريا الجديدة. والهدف ليس التحرّك تحت تأثير رواسب الماضي، بل البحث عن فرص جديدة لتسريع التواصل والانفتاح، وبناء علاقة مختلفة تقوم على المصالح المشتركة.

لكنّ الاختبار الحقيقيّ أمام دمشق لن يكون في حجم حضورها في المشهد اللبناني، بل في طبيعة هذا الحضور وحدوده. فالفصل بين علاقة الدولة بالدولة وملفّات النفوذ الإقليميّ سيكون مؤشّراً أساسيّاً إلى شكل السياسة السوريّة الجديدة، وقدرتها على بناء علاقات مستقرّة مع الجوار بعيداً عن صراعات المحاور.

يبقى ملفّ “الحزب” أحد أكثر الملفّات حساسيّة في العلاقات السوريّة اللبنانيّة الجديدة، ليس باعتباره قضيّة لبنانيّة فقط، بل باعتباره جزءاً من إرث إقليميّ معقّد تشكّل خلال السنوات الماضية، وستحتاج دمشق إلى التعامل معه ضمن رؤية أوسع تعيد تعريف موقع سوريا وعلاقاتها الإقليميّة.

 إقرأ أيضاً: ترامب يحمل “التزامات” الشّرع إلى نتنياهو وعون

دور سوريا في المرحلة المقبلة

لم تعد المسألة السوريّة اليوم مرتبطة بسؤال الخروج من أجواء الحرب أو استعادة العلاقات الدوليّة فقط، بل بسؤال أوسع: ما الدور الذي يمكن أن تؤدّيه سوريا في المرحلة المقبلة؟

الدعوة إلى قمّة الناتو والانفتاح على الغرب عبر البوّابة التركيّة يشيران مجتمِعَين إلى أنّ سوريا لم تعد تُناقَش باعتبارها ملفّاً أمنيّاً أو إنسانيّاً فحسب، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع تتعلّق بأمن المنطقة ومستقبل توازناتها. لكنّ الاختبار الحقيقيّ لا يتعلّق فقط بعودة سوريا إلى المشهد الدوليّ، بل بشكل هذه العودة وشروطها، وبقدرة دمشق على إدارة شبكة معقّدة من المصالح والضغوط من دون أن تتحوّل مرّة أخرى إلى ساحة لتنافس الآخرين.

في أنقرة، لم تكن القضيّة وصول الرئيس السوريّ إلى قمّة الناتو بدعم تركيّ فقط، بل بدء اختبار العالم قدرة سوريا اليوم على الانتقال من موقع العودة إلى موقع التأثير، ومن استعادة الحضور إلى صناعة الدور.

مواضيع ذات صلة

انعطافة ترامب: هكذا أخطأت إيران في التّهديد بقنبلة المضيق

فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صفحة استراتيجيّة جديدة كتب في عنوانها: “أميركا حارسة مضيق هرمز”. تحتلف هذه الانعطافة جذريّاً عمّا كان يقوله قبل أسابيع من…

وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

أين هم أولئك الذين صدعوا رؤوسنا طوال الأسابيع الماضية بالحديث عن الانتصار الإيراني بعد اتفاق إسلام أباد؟ وأين ذهبت تلك التحليلات التي أكدت أن طهران…

بعد ليندسي غراهام من يهمس في أذن ترامب؟

ليست كلّ الأحداث التي تغيّر الشرق الأوسط تقع في الشرق الأوسط. أحياناً لا يبدأ التغيير من واشنطن بانتخاب رئيس جديد أو بتوقيع اتّفاق أو بإطلاق…

الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى…