هل اكتملت استعدادات أنقرة لمواجهة محتملة مع تل أبيب؟ وهل تحوّلت ساحات سوريا وشرق المتوسّط ولبنان إلى حلقات مترابطة في صراع إقليميّ واحد؟ وأين يقف لبنان وسوريا في حسابات التوازنات الجديدة، في ظلّ تصاعد الرسائل المتبادلة بين تركيا وإسرائيل وتزايد الحديث عن اقتراب لحظة الصدام؟ وهل تنجح واشنطن في إبقاء المواجهة تحت السيطرة أم تتّجه المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً؟
تتحرّك العلاقة بين أنقرة وتل أبيب داخل شبكة مركّبة من الحسابات والتوازنات والمصالح المشتركة التي حالت حتّى اليوم دون الوصول إلى مواجهة عسكريّة مباشرة، لكنّها لم تدفع البلدين نحو شراكات وتحالفات إقليميّة حقيقيّة، فما يميّز التصعيد التركيّ – الإسرائيليّ الأخير ليس حدّة التراشق، بل تراكمه وانتقاله إلى ملفّات خلافيّة جديدة معظمها ذو طابع إقليميّ، وهو ما يُشير إلى أنّ عنصر التهدئة يتراجع بشكل سريع لمصلحة اقتراب موعد الانفجار.
لم تعد ملفّات سوريا وغزّة وشرق المتوسّط وقبرص ساحات منفصلة يمكن التعامل معها كلّ على حدة بالنسبة للبلدين، بل أصبحت أجزاء من مشهد إقليميّ واحد تتسارع فيه الرسائل السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة بوتيرة تتجاوز أحياناً قدرة أدوات الاحتواء التقليديّة على مواكبتها.
في ظلّ هذا التشابك، تذهب أبرز الإفرازات والاستنتاجات المتوقّعة باتّجاه أنّ موعد وساحة المواجهة العسكريّة المباشرة لم يعودا بعيدين على أكثر من جبهة ساخنة في المنطقة، وأنّ اتّساع رقعة التصعيد سيصل إلى القوقاز والبلقان حيث تتقاطع خطوط الطاقة بالأمن، وتتحوّل الجغرافيا البحريّة إلى مساحة تنافس جيوسياسيّ مباشر.
تسعى واشنطن إلى منع الاحتكاك التركيّ – الإسرائيليّ والحؤول دون انتقاله إلى وضعيّة خارج السيطرة، لكنّ هذا الدور يصبح أكثر تعقيداً كلّما تعدّدت بؤر الاحتكاك وتداخلت الساحات وكثر عدد اللاعبين
يتحوّل الدور الأوروبيّ، خصوصاً فرنسا، عبر شرق المتوسّط وقبرص اليونانيّة إلى عنصر ضغط إضافيّ يعقّد معادلة الاحتواء. فهل ينجح العامل الأميركيّ بوصفه مدير التوازنات في ضبط الحليفين كما فعل حتّى الآن؟ وهل تبقى الأزمة ثنائيّة فقط أم تتحوّل كما يحدث اليوم مع الحالة الإيرانيّة إلى جزء من إعادة رسم خرائط التحالفات والمصالح؟
لا يبدو التصعيد الأخير حدثاً منفصلاً بقدر ما هو امتداد لمسار طويل من إعادة التموضع الإقليميّ، حيث تتحوّل الملفّات من إدارة أزمة إلى إدارة توازنات.
اللافت هنا ليس حدّة الخطاب الذي وجّهه الرئيس التركيّ لتل أبيب مهدّداً ومتوعّداً، ولم تتأخّر الأخيرة في الردّ عليه، بل توقيت ما يجري وتزامنه مع تحوّلات متسارعة تشهدها ساحات عديدة في المنطقة، حيث يصبح أيّ خطأ في الحسابات كافياً لإشعال شرارة يصعب احتواء تداعياتها أو التنبّؤ بمسارها.
أمّا إدراج الساحة اللبنانيّة في رسائل إردوغان وتخصيصه الملفّ اللبنانيّ وهو يخاطب إسرائيل، فهو جزء من الخطاب السياسيّ التركيّ تجاه المنطقة العربيّة ككل، ولن يكون تفصيلاً عابراً أو موقفاً تضامنيّاً تقليديّاً. هو موقف سياسيّ تركيّ يعكس، بقراءة جديدة، حجم المخاطر المحدقة بلبنان نتيجة السياسات والممارسات الإسرائيليّة أوّلاً، وموقع لبنان داخل معادلة إعادة تشكيل التوازنات الإقليميّة القائمة ثانياً.
من هنا يمكن فهم الإشارة التركيّة إلى لبنان باعتبارها رسالة مزدوجة: الأولى لتل أبيب بأنّ أيّ محاولة لفرض وقائع جديدة على الساحة اللبنانيّة لن تمرّ من دون تداعيات إقليميّة أوسع، والثانية للقوى الدوليّة والإقليميّة بأنّ أنقرة تعتبر نفسها معنيّة بما يجري هناك، وأنّ لبنان عاد مجدّداً إلى دائرة الاهتمام التركيّ بوصفه إحدى حلقات الصراع على شكل النظام الإقليميّ المقبل، وليس ملفّاً جانبيّاً على هامش الأحداث.
لم يكن لبنان يوماً بالنسبة لأنقرة ساحة تعيش أزمة داخليّة مزمنة، بل شكّل دائماً نقطة تقاطع تجمع ثلاثة ملفّات حسّاسة بالنسبة لصانع القرار التركيّ: مستقبل المواجهة مع إسرائيل، إعادة رسم خرائط النفوذ في شرق المتوسّط، وشكل الترتيبات الأمنيّة الجديدة في الشرق الأوسط. لذلك استحضار لبنان في هذا التوقيت يعكس إدراكاً تركيّاً متزايداً لكون أيّ انفجار واسع على الجبهة اللبنانيّة لن يبقى محصوراً داخل حدوده الجغرافيّة، بل سيعيد خلط الأوراق في سوريا وشرق المتوسّط وربّما يتجاوزهما إلى ساحات إقليميّة أخرى.
تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها في محيطها البحريّ والجيوسياسيّ، فيما تعمل إسرائيل على توسيع شبكة توازناتها وشراكاتها مع اليونان وقبرص اليونانيّة وعدد من العواصم الأوروبيّة. ولم تنتج هذه الاصطفافات صداماً مباشراً حتّى الآن، لكنّها تفتح الباب أمام نشوء مناطق تماسّ جديدة قد تتحوّل في أيّ لحظة إلى ساحات اختبار للنفوذ والردع وتوازن القوى.
من هنا، تضع كثرة الملفّات الخلافيّة وتشابك الجغرافيا السياسيّة العلاقة أمام بيئة جديدة، حيث لم يعد ممكناً إدارة كلّ ساحة على حدة، بل ضمن منظومة واحدة مترابطة.
تُعدّ الساحة السوريّة من أكثر الملفّات تعقيداً في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافيّ الحسّاس بين الطرفين، بل لأنّها تحوّلت من ساحة صراع داخليّ إلى نقطة تقاطع لمجموعة من المصالح الإقليميّة المتداخلة، خصوصاً مع عودة سوريا إلى قلب التوازنات وفتح أبوابها مجدّداً أمام العالم الخارجيّ.
فيما ترى أنقرة أنّ وجودها ونفوذها في الشمال السوريّ يرتبطان باعتبارات أمن قوميّ مباشرة وملفّات حدوديّة واستراتيجيّة، تتحرّك تل أبيب ضمن مقاربة مختلفة تقوم على منع ترسّخ أيّ معادلات نفوذ إقليميّ معادٍ بالقرب من حدودها الشماليّة.
قد لا يعني هذا التباين في المقاربات اقتراب مواجهة مباشرة، لكنّه يكرّس حالة احتكاك تتداخل فيها الرسائل السياسيّة والعسكريّة والاستخباريّة، وتبقى قابلة للتوسّع أو للانكماش، بحسب تغيّر التوازنات المحليّة والإقليميّة المرتبطة بالمشهد السوريّ.
أمّا في شرق المتوسّط، فلا تقتصر المسألة على ملفَّي الغاز أو الحدود البحريّة، بل تتّصل بمنظومة أوسع من التحالفات المتقابلة التي تعيد تشكيل ميزان النفوذ البحريّ في المنطقة.
ساهم توسّع شبكة تحالفات إسرائيل في شرق المتوسّط، مقابل تحرّكات تركيّة لتعزيز حضورها البحريّ، في خلق بيئة تنافس تتغذّى على ملفّات الطاقة وأزمات ترسيم الحدود.
أمّا الملف القبرصيّ فهو يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ليس بسبب استمرار الانقسام القائم في الجزيرة منذ عقود فقط، بل ونتيجة تنامي الدور الأوروبيّ في دعم قبرص اليونانيّة، إلى جانب خطوات التعاون والتنسيق الأمنيّ والعسكريّ بين نيقوسيا وتل أبيب. وهو ما ترى فيه تركيا تجاوزاً للخطّ الأحمر في توازنات الجزيرة، من دون أن نهمل حسابات أثينا ورهانها على العواصم الأوروبيّة وإسرائيل للوقوف في وجه جارها التركيّ.
ما يجمع هذه الساحات الثلاث ليس فقط موقعها الاستراتيجيّ، بل وجودها في لحظة إقليميّة واحدة تعيد تشكيل شبكة علاقات الدول الفاعلة فيها. فعندما تتقاطع جغرافيا سوريا وشرق المتوسّط وقبرص ضمن ديناميّة واحدة، تتعمّق مسارات التباعد بين أنقرة وتل أبيب، وتصبح هذه العلاقة أكثر تأثّراً بتعدّد نقاط الاحتكاك وارتفاع منسوب المخاطر.
يبقى الدور الأميركيّ عاملاً حاسماً في وضع الأمور تحت السيطرة، لكنّ هناك أكثر من قناعة تذهب باتّجاه أنّ واشنطن نفسها قد تترك الأمور تنفلت قبل الدخول على خطّ التهدئة
في ظلّ هذا التشابك، تصبح القدرة الأميركيّة – الأوروبيّة على ضبط التوازنات أكثر تعقيداً، في بيئة تتداخل وتتشعّب فيها خطوط الاحتكاك، فتغدو إدارة الخلافات بين أطراف يفترض أنّها حليفة أكثر صعوبة من التعامل مع خصوم مباشرين.
لا يمكن قراءة ما يتشكّل اليوم في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب كامتداد طبيعيّ لتوتّرات سابقة، بل كمرحلة انتقاليّة في طبيعة البيئة الإقليميّة نفسها. ففي هذه المرحلة، لا تعمل كلّ ساحة بمعزل عن الأخرى، بل ضمن منظومة مترابطة تجعل أيّ تغيير محدود قادراً على إنتاج ارتدادات أوسع من نطاقه المباشر.
إقرأ أيضاً: الرّياض وأنقرة تقودان جغرافيا الممرّات الإقليميّة
تذهب الكثير من المؤشّرات في الداخل التركيّ اليوم باتّجاه أن لا مفرّ من المواجهة بين أنقرة وتل أبيب، بما يتعارض مع فرضيّة استحالة وقوع الصدام، على الرغم من أنّ جميع الأطراف تدرك كلفة الانفلات.
المجهول حتّى الآن هو حدود الاشتباك وساحته وأطرافه.
يبقى الدور الأميركيّ عاملاً حاسماً في وضع الأمور تحت السيطرة، لكنّ هناك أكثر من قناعة تذهب باتّجاه أنّ واشنطن نفسها قد تترك الأمور تنفلت قبل الدخول على خطّ التهدئة لأنّ مصالحها وحساباتها الإقليميّة الجديدة تستدعي ذلك.
لمتابعة الكاتب على X:
