لحظة الحسم الإقليميّ مع “السّلاح غير الشرعي”؟

مدة القراءة 6 د

تتّجه المنطقة، وسط التحوّلات المتسارعة في السياسات والتوازنات المحليّة والإقليميّة، نحو إعادة فتح أحد أكثر ملفّاتها تعقيداً: السلاح غير الدولتيّ، بما يحمله من تحدّيات ترتبط بمفهوم الشرعيّة واللجوء إلى استخدام القوّة خارج سلطة الدولة وقرارها.

 

في ظلّ متغيّرات سياسيّة وأمنيّة تتبدّل بوتيرة غير مسبوقة، ومشاريع متقاطعة تسعى إلى إعادة ضبط أدوار هذا السلاح داخل الدول وعلى مستوى الإقليم، لم يعُد النقاش يدور حول نزعه أو الإبقاء عليه فحسب، بل حول إعادة تعريف موقعه ووظيفته ضمن معادلات الدولة وحدودها السياديّة.

يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة قراءة شاملة لمعادلات القوّة غير الشرعيّة أو السلاح خارج سلطة الدولة، وهو يناقش مصير الأذرع وعشرات الميليشيات المسلّحة المنتشرة في أكثر من مكان.

حتّى لو اختلفت الحسابات حول الخطّة وأهدافها وآليّات تنفيذها نتيجة تضارب المصالح وتباعدها، فإنّ اتّجاه التعامل مع الملفّ يظهر في مقاربات العديد من العواصم الفاعلة.

أدوات النّفوذ والنّظام الإقليميّ

شكّل هذا السلاح، على امتداد أكثر من نصف قرن، إحدى أبرز أدوات إدارة النفوذ ورسم معالم النظام الإقليميّ. وتجلّت ملامح ذلك خلال التعامل مع الملفّ الفلسطينيّ، ثمّ اللبنانيّ، فالسوريّ والعراقيّ، وصولاً إلى اليمن وساحات آسيويّة وإفريقيّة أخرى.

ما يُطرح ويُناقش في الشرق الأوسط اليوم لا يمكن اختزاله في مسار واحد واضح المعالم، ولا في مشروع متكامل لنزع السلاح غير الدولتيّ، بل في حالة انتقال تتداخل فيها الاعتبارات السياسيّة والأمنيّة مع التحوّلات الاقتصاديّة. يتمثّل القاسم المشترك في تصاعد قناعة لدى بعض الأطراف المحليّة والإقليميّة بأنّ استمرار انتشار السلاح خارج الدولة لم يعُد يُنظر إليه كعامل حماية أو توازن، بل كعبء مكلف سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً يصعب تحمّله.

في هذا السياق، لا يعود التفريق بين السلاح غير الدولتيّ والسلاح غير الشرعيّ اختلافاً في المصطلحات وحسب، بل يعكس تبايناً في قراءة الظاهرة وحدودها. فالأوّل توصيف وظيفيّ لقوى مسلّحة خارج الجيوش النظاميّة، وأمّا الثاني فيرتبط بسؤال الشرعيّة ومصدرها داخل الدولة.

يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة قراءة شاملة لمعادلات القوّة غير الشرعيّة أو السلاح خارج سلطة الدولة

من هنا، لا يصبح معيار التقويم مرتبطاً بموقع السلاح فقط، بل بطبيعة المرجعيّة التي تمنحه حقّ الاستخدام وتحدّد حدود هذا الحقّ.

مستقبل دور الدّولة

في ظلّ هذا التحوّل المتسارع، تبرز مجموعة من الأسئلة لا تتعلّق بمستقبل هذا السلاح فقط، بل بمستقبل دور الدولة والسلطة السياسيّة في بيئة إقليميّة تتغيّر قواعدها تدريجاً:

كيف يمكن التحرّك لإعادة ضبط منظومة السلاح غير الدولتيّ في الإقليم؟ هل نحن أمام موجة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات أم مقدّمة لتفاهمات تتجاوز التكيّف مع واقع جديد؟ ثمّ من يمتلك الإرادة والقدرة معاً لتحويل هذا الملفّ من عنوان سياسيّ إلى مسار تنفيذيّ قابل للتطبيق؟

بالتالي لا تنطلق مقاربة هذا الموضوع من فرضيّة وجود خطّة مكتملة أو مسار واحد واضح، بل من قراءة ديناميكيّة لتقاطع مصالح وضغوط متشابكة تعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة والسلاح غير الشرعيّ داخلها، بما يعيد تأكيد مركزيّة الدولة في إدارة هذا الملفّ.

تمثّل الأذرع المرتبطة بإيران في المنطقة اليوم أحد أكثر عناصر التوازنات الإقليميّة تعقيداً، ليس فقط من حيث دورها العسكريّ، بل من حيث تحوّلها التدريجيّ إلى فاعل داخل البنية السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة في عدد من الدول.

على امتداد عقود، لم يقتصر حضور هذه القوى على وظيفتها التقليديّة كأدوات نفوذ عابرة للحدود، بل اتّسع ليشمل أدواراً داخليّة مرتبطة بموازين القوى المحليّة، فباتت عاملاً مؤثّراً في معادلات الدولة ومؤسّساتها في أكثر من ساحة.

ضغوط داخليّة وخارجيّة

اللافت أنّ هذه المنظومات تواجه راهناً ضغوطاً متزايدة داخليّاً وخارجيّاً تفرض إعادة النظر في طبيعة أدوارها ووظائفها داخل بيئة إقليميّة تتغيّر أولويّاتها. وهي مرحلة تعيد اختبار ما راكمته خلال سنوات التمدّد الأفقيّ والعموديّ، وتضعها أمام أسئلة تتعلّق باستمرار موقعها في معادلات لم تعُد قابلة للاستنساخ بالشكل السابق.

شكّل هذا السلاح، على امتداد أكثر من نصف قرن، إحدى أبرز أدوات إدارة النفوذ ورسم معالم النظام الإقليميّ

بينما تسعى هذه المجموعات إلى الحفاظ على قدراتها العسكريّة والتنظيميّة، باتت أنماط استخدامها لهذه القدرات محلّ إعادة تقويم، خصوصاً في ما يتعلّق بوظائف الردع وإدارة النفوذ، وانعكاساتها المتزايدة على البنى الداخليّة للدول التي تنشط فيها.

لا يقتصر ملفّ السلاح غير الدولتيّ في الشرق الأوسط على الأذرع المرتبطة بإيران، بل يمتدّ ليشمل بنى أكثر تعقيداً تمسّ تماسك الدول نفسها عبر إعادة توزيع موازين استخدام القوّة داخلها.

برزت في عدد من الدول، التي شهدت نزاعات طويلة أو تحوّلات سياسيّة وأمنيّة عميقة، قوى مسلّحة محلّيّة أصبحت جزءاً من الواقع الأمنيّ والإداريّ والاجتماعيّ القائم، بما فرض معادلات معقّدة داخل الدولة وخارج إطار احتكارها للقوّة .

السلاح

لا تتوقّف خطورة هذا المسار عند وجود سلاح خارج سلطة الدولة وما يفرضه من تهديدات داخليّة وخارجيّة، بل تتجاوز ذلك إلى سعي هذه القوى إلى فرض قرارها على كامل الجغرافيا الوطنيّة.

إذا كان البعد الإقليميّ للسلاح غير الدولتيّ يرتبط بشبكات النفوذ والتوازنات بين القوى الإقليمية، فإنّ البعد الداخليّ يكشف عن إشكاليّة أعمق تتعلّق بطبيعة الدولة وحدود قدرتها على احتكار القوّة داخل إطار الشرعيّة.

معادلات فرض التّوازنات

لم يعُد السلاح خارج سلطة الدولة في العديد من دول المنطقة حالة استثنائيّة، بل أصبح جزءاً من معادلات فرض التوازنات الداخليّة والخارجيّة، بما يجعل مسار ضبطه أو حصره بيد الدولة الواحدة عمليّة سياسيّة مركّبة ترتبط بإعادة بناء الدولة بقدر ما ترتبط بالقرار الأمنيّ.

ما كان يُدار سابقاً بوصفه شبكة مرنة من أدوات الردع، بات اليوم منظومة تحتاج إلى ضبط داخليّ بقدر ما تحتاج إلى إعادة تعريف لوظيفة الدولة ومؤسّساتها.

تمثّل الأذرع المرتبطة بإيران في المنطقة اليوم أحد أكثر عناصر التوازنات الإقليميّة تعقيداً، ليس فقط من حيث دورها العسكريّ، بل من حيث تحوّلها التدريجيّ

لا يبدو أنّ الجدل في المنطقة يدور حول استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة، بل حول ضرورة حسمه واستعادته بالكامل ضمن إطار الدولة ومؤسّساتها الشرعيّة. وأيّ مقاربة تتحدّث عن “إعادة تنظيم” أو “إعادة تموضع” لا ينبغي أن تتحوّل إلى مسار لإطالة هذا الواقع أو منحه شرعيّة جديدة، بل يجب أن تكون خطوة انتقاليّة واضحة نحو إنهائه.

بالتالي لا يُقاس مستقبل هذا الملفّ بقدرة هذه المجموعات على إعادة إنتاج أدوارها، بل بقدرة الدول على استعادة قرارها السياديّ الكامل، بما يضمن إنهاء حالة الازدواج في القوّة داخل الدولة، وإعادة ضبط التوازنات الداخليّة والخارجيّة على أساس شرعيّة واحدة لا شريك لها في احتكار القوّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

“إنّ من الحبّ “الإيراني” ما قتل”

يتمنّى اللبنانيّون لو أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة أحبّت بلدهم أقلّ، ولم تضعه في القلب كما فعلت سفارتها في بيروت عبر منشور ظهرت فيه خريطة لبنان…

إيران بين عصا فيينا وجزرة إسلام آباد

في وقت تدور رحى مواجهة دبلوماسيّة محتدمة في إسلام آباد بين الولايات المتّحدة وإيران بحثاً عن ترتيبات ما بعد الحرب التي هزّت الشرق الأوسط والعالم…

هل يعود الشرع من واشنطن إلى “فخ” بيروت؟

في اللحظة التي يؤكد فيها الرئيس أحمد الشرع أنّ أولوية سوريا هي تثبيت الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء الدولة، فإنّ تصريح الرئيس دونالد ترامب عن…

صواريخ إيران لإسقاط الدّولة والرّدّ على رئيسها

منّن السفير الأميركي ميشال عيسى اللبنانيّين بأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب “تخانق تقريباً” مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لأجل لبنان. وحين سئل: “لأجل لبنان…