الرّياض وأنقرة تقودان جغرافيا الممرّات الإقليميّة

مدة القراءة 7 د

لا يُقرأ الربط السّككيّ السعوديّ–التركيّ بوصفه استجابة ظرفيّة لأزمة عابرة، بل باعتباره جزءاً من إعادة تموضع أوسع يعيد تعريف وظيفة الجغرافيا بين الخليج وأوروبا، وينقل بعض دول العبور من هامش الحركة إلى مركز الفعل في معادلة سلاسل الإمداد الدوليّة.

 

ما يتشكّل اليوم على امتداد المسار التركيّ – العربيّ ليس مشروعاً جديداً في مجال الربط بالسكك الحديديّة بين المملكة السعوديّة وتركيا عبر الأردن وسوريا، بل تحوّل تدريجيّ في هندسة المجال الجيوقتصاديّ للمنطقة يعكس انتقالاً من منطق الممرّ الواحد المعتمد على المضائق البحريّة الحسّاسة إلى منطق الشبكات المتعدّدة القادرة على امتصاص الصدمات وتوزيع المخاطر، في لحظة أقرب إلى إعادة ترتيب البنية أكثر من كونها إعلان مشروع.

لا تنفصل هذه الديناميّة عن طبقات تاريخيّة سابقة شهدت تشكّل محاولات لربط هذه الجغرافيا ثمّ تعثّرها أو تفكّكها تحت وطأة التحوّلات السياسيّة الكبرى، وتعود اليوم بصيغة أكثر براغماتيّة تقودها اعتبارات إقليميّة تعيد تعريف وظيفة الربط بدل الاكتفاء بإعادة إحيائه.

لن يُنظر إلى المسار بوصفه تقليصاً للمسافات بين إسطنبول وجدّة عبر سوريا والأردن، بل باعتباره إعادة توجيه لخطوط الحركة بين آسيا وأوروبا ضمن تصوّر أوسع يعيد تموضع المنطقة داخل شبكات العبور العالميّة. وهنا يصبح الرهان مرتبطاً بمراجعة تعريف وظيفة الجغرافيا ذاتها، في عالم لم تعُد فيه المسافة هي المحدّد، بل القدرة على التحكّم في مسارات التدفّق.

صياغة موقع الإقليم

سيتحرّك هذا الممرّ داخل بيئة إقليميّة ودوليّة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع سلاسل الإمداد، وتتشابك فيها الحدود السياسيّة مع شبكات التجارة العالميّة، فيصبح السؤال أقلّ ارتباطاً بإمكان التنفيذ وأكثر ارتباطاً بطبيعة هذا الممرّ: هل هو بنية نقل إضافيّة ضمن منظومات قائمة أم محاولة لإعادة صياغة موقع الإقليم داخل النظام التجاريّ العالميّ؟

يصبح الرهان مرتبطاً بمراجعة تعريف وظيفة الجغرافيا ذاتها، في عالم لم تعُد فيه المسافة هي المحدّد، بل القدرة على التحكّم في مسارات التدفّق

هنا تحديداً تبدأ الجغرافيا بالتحوّل من كونها مسافة إلى كونها وظيفة، ومن كونها عائقاً طبيعيّاً إلى كونها أداة تنظيم داخل شبكة أوسع من الممرّات العالميّة المتنافسة.

في هذا الإطار، يبرز المسار السككيّ المنتظر كمشروع تتبلور ملامحه أكثر ممّا يُنظر إليه كحالة اختبار. فالأهميّة هنا لا تتوقّف عند حدود الجغرافيا أو طول المسار، بقدر ما تتّصل بطبيعة البيئة التي يُفترض أن يعبرها، وبقدرة هذه البيئة على التحوّل من فضاء تتقاطع فيه الحسابات السياسيّة إلى ممرّ وظيفيّ داخل شبكات أوسع للتجارة وسلاسل الإمداد.

لا يبدو هذا المسار امتداداً لمحاولات سابقة بقدر ما يعكس تداخلاً في مستويات الفاعلين والحسابات، فلا يتحرّك ضمن رؤية موحّدة أو إطار سياسيّ واحد، بل ضمن طبقات متجاورة من المصالح تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصاديّة مع التوازنات الإقليميّة. يبدو المسار أقرب إلى “إمكانيّة استراتيجيّة مفتوحة” منه إلى مشروع مكتمل البنية أو محسوم الاتّجاه.

تعريف وظيفة الممرّ

في هذا السياق، لا يبدو السؤال المركزيّ متعلّقاً بإعادة إحياء مسارات سككيّة تاريخيّة أو بناء خطوط نقل جديدة، بقدر ما يتعلّق بطبيعة التحوّل الذي يعيد تعريف وظيفة “الممرّ” في الجغرافيا السياسيّة والاقتصاديّة للشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد تدور حول بنية تحتيّة تربط نقطتين، بل حول فضاء أوسع تتداخل فيه شبكات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد ضمن معادلات إقليميّة ودوليّة معقّدة.

من هنا، يصبح النظر إلى “الكرونولوجيا” مدخلاً لفهم كيف تحوّلت فكرة “الممرّ” من خطّ تاريخيّ واحد إلى بنية متعدّدة الطبقات. لم تكن فكرة الربط السككيّ في الشرق الأوسط طارئة على الجغرافيا، بل ارتبطت منذ بداياتها الأولى بسياقات سياسيّة كبرى أعادت تشكيل وظيفتها أكثر من مرّة.

لا يُقرأ الربط السّككيّ السعوديّ–التركيّ بوصفه استجابة ظرفيّة لأزمة عابرة، بل باعتباره جزءاً من إعادة تموضع أوسع

خطّ الحجاز

مثّل خطّ الحجاز العثمانيّ في بدايات القرن العشرين محاولة لربط الأناضول بعمق الجزيرة العربيّة قبل أن يؤدّي انهيار الدولة العثمانيّة إلى تفكيك هذا المسار المصحوب بصراع ألمانيّ – بريطانيّ وتحويله إلى أجزاء منفصلة داخل حدود سياسيّة جديدة.

مع العقود اللاحقة، لم تختفِ فكرة الربط بقدر ما بقيت حاضرة بصيغ محدودة ومجزّأة ومحكومة بواقع دوليّ وإقليميّ لم يسمح بتحوّلها إلى شبكة متكاملة. أمّا اليوم فتعود هذه الفكرة في سياق مختلف تماماً، حيث لم يعد الأمر يتعلّق باستعادة خطّ تاريخيّ، بل بإعادة التفكير في موقع المنطقة داخل منظومة أوسع من الممرّات العالميّة وسلاسل الإمداد.

الجغرافيا

هنا تبرز الجغرافيا السوريّة كعنصر حاسم في أيّ تصوّر لإعادة وصل هذا الامتداد، ليس باعتبارها مساراً فقط، بل باعتبارها شرطاً لوظيفة الربط ذاتها.

تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة تزامن عدد من المشاريع السككيّة الممتدّة بين الخليج وشرق المتوسّط، لكنّ هذه المبادرات، على الرغم من اشتراكها في العنوان العامّ، لا تتحرّك ضمن إطار واحد أو رؤية موحّدة، بل ضمن مسارات منفصلة تتقاطع جغرافيّاً دون أن تتكامل بالضرورة وظيفيّاً.

يشير تزايد انخراط أطراف تمويليّة متعدّدة في دعم بعض مكوّنات البنية السككيّة في المنطقة إلى انتقال تدريجيّ من مستوى التصوّر إلى مستوى القابليّة التنفيذيّة، بما يعكس أنّ هذا المسار لم يعُد فكرة قيد النقاش، بل بنية تتبلور داخل معادلة إقليميّة أوسع.

تبدأ الجغرافيا بالتحوّل من كونها مسافة إلى كونها وظيفة، ومن كونها عائقاً طبيعيّاً إلى كونها أداة تنظيم داخل شبكة أوسع من الممرّات العالميّة المتنافسة

شبكة مستقرّة أو مسارات متجاورة؟

مع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً عمّا إذا كان هذا التراكم سيقود إلى شبكة مستقرّة أم إلى مجموعة مسارات متجاورة تعمل من دون مركز واحد؟

من هنا، يبدو أنّ هذا التباين يطرح إمكانيّة إعادة صياغته داخل إطار أكثر ترابطاً، في فضاء إقليميّ مفتوح على احتمالات أوسع لإعادة تشكيل الممرّات بين القارّات.

لا تتحدّد أهميّة الممرّات في الشرق الأوسط اليوم بطولها أو امتدادها الجغرافيّ، بل بقدرتها على العبور باتّجاه نقاط محدّدة تتحكّم في حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وتعيد ضبط اتّجاه التدفّقات وشروط العبور وكلفته وإيقاعه.

لم تعد المنافسة على امتلاك الطريق، بل على التحكّم في مفاصله الأساسيّة، حيث تتحوّل العقد الجغرافيّة إلى أدوات لإعادة تنظيم العلاقات بين الإقليم ومحيطه، وبين الدول نفسها داخل الشبكة الواحدة.

في هذا السياق، يبدو أنّ الممرّ الرباعيّ المحتمل يُطرح كإحدى محاولات سدّ هذا الفراغ، عبر إعادة وصل العقد المتباعدة ضمن تصوّر أكثر ترابطاً للممرّات الإقليميّة.

تبرز الجغرافيا السوريّة كعنصر حاسم في أيّ تصوّر لإعادة وصل هذا الامتداد، ليس باعتبارها مساراً فقط، بل باعتبارها شرطاً لوظيفة الربط ذاتها

لا يمكن فصل مشاريع الممرّات في الشرق الأوسط عن التحوّلات الأوسع في هندسة النظام التجاريّ العالميّ، حيث لم تعد هذه الممرّات مشاريع إقليميّة معزولة، بل باتت جزءاً من تنافس دوليّ على إعادة رسم طرق التدفّق بين آسيا وأوروبا.

أداة توزيع نفوذ

هنا ستعمل القوى الكبرى مثل الولايات المتّحدة والصين والهند وغيرها على المساهمة في إعادة صياغة وتعريف وظيفة الممرّ ذاته: من بنية نقل إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصاديّ، بما يكرّس موقع الشرق الأوسط كنقطة تقاطع أساسيّة في أيّ تصوّر مستقبليّ لشبكات العبور الدوليّة.

إقرأ أيضاً: لحظة الحسم الإقليميّ مع “السّلاح غير الشرعي”؟

لا يبدو أنّ المنطقة تتّجه نحو ولادة شبكة سكك واحدة مهيمنة، بل نحو نظام ممرّات متعدّد الطبقات، تتجاور فيه المشاريع وتتقاطع دون أن تذوب في بنية واحدة. وفي هذا المشهد المفتوح، لا تحسم القوّة بامتلاك الخطوط، بل بقدرة الدول على التكيّف مع شبكة متحركة تعيد توزيع وظائفها باستمرار. لا يُختصر المستقبل في مرونة البقاء داخل نظام يتغيّر، بل في القدرة على التأثير في قواعد تشكّله قبل أن تستقرّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

اللّيطاني يحوِّل لبنان… الضاحية أو دبي

حسمت الحرب، البادئة منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، وصولاً إلى عمليّة “الغضب الملحميّ” ضدّ إيران، الكثير من الخلاصات العسكريّة. فُكّكت البنية العسكريّة المباشرة…

أين لبنان في مفاوضات الستّين يوماً؟

ماذا سيحدث في لبنان خلال الستّين يوماً بين التفاهم الأميركيّ الإيرانيّ والاتّفاق النهائيّ؟ في الشرق الأوسط، لا تكمن أهميّة الاتّفاقات الكبرى في يوم توقيعها. تكمن…

الدّفاع عن طهران… يبدأ من بيروت

عندما وضع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي الإطار العامّ للموقف الإيرانيّ من الانتفاضة الشعبيّة التي اندلعت في سوريا، كان يدرك أنّ تداعيات ما سُمّي بثورات…

كيف يفكّر جوزف عون؟

يعيش الرئيس العماد جوزف عون منذ أسابيع أصعب وأدق أيام حياته. بعد يوم عمل طويل وشاق يبدأ من ساعات الصباح المبكرة، يتابع فيها أحوال أسرته،…