إيران تغدر بالكويت: صواريخ وشائعات عن “الغزو”..

مدة القراءة 6 د

بكثير من العدائية والحقد، تواصل إيران “حرق الجسور” مع الكويت، غير آبهة بالتكاليف الباهظة والتداعيات المستقبليّة لاعتداءاتها التي تتمدّد من البرّ إلى البحر، وغير مُكترثة بترك أيّ خطّ للرجعة في علاقاتها مع دولة لم تُقابلها، طوال العقود الماضية، إلّا بسياسة حسن الجوار والتهدئة والانفتاح، والحرص على احتواء الخلافات، وتغليب الحوار، وإبقاء أبواب التواصل مفتوحة، حتّى في أكثر المراحل الإقليميّة توتّراً.

 

من ضرب المنشآت الحيويّة المدنيّة، وآخِرتها محطّات الكهرباء وتقطير المياه وقبلها المطار، إلى استهداف ناقلة النفط “كيفان” في مضيق هرمز، يسلك متشدّدو إيران سلوكاً ميدانيّاً متهوّراً مع الكويت ترافق في الآونة الأخيرة مع حرب إعلاميّة ونفسيّة موازية أطلقتها ماكينة الأبواق والحسابات الوهميّة تعجّ بالشائعات والتهويل والسيناريوات المفبركة، في محاولة مكشوفة لإرباك الداخل الكويتيّ، الذي أظهر تماسكاً ووحدة شبيهة بأيّام الغزو العراقيّ، مطلع تسعينيّات القرن الماضي، فأصبحت كلمة “الغدر” الأكثر تداولاً مجتمعيّاً وإعلاميّاً.

أثمان قابلة للتّحمّل

بالنظر إلى خريطة الاعتداءات الإيرانيّة على دول الخليج والمنطقة، يتّضح أنّ الكويت والبحرين على لائحة الاستهداف اليوميّ، وانضمّت إليهما الأردن في الأيّام القليلة الماضية، وهو ما يعني أنّ “الحرس الثوريّ” يتعامل مع الاعتداءات على هذه الدول على أنّها “ذات أثمان قابلة للتحمّل”، مقارنة بأيّ عدوان على دول أخرى مثل المملكة السعوديّة والإمارات وقطر وعُمان.

من المفارقات اللافتة أنّ الكويت أظهرت حزماً شديداً في الموقف السياسيّ منذ بداية العدوان عليها في 28 شباط الماضي. فقد استدعت القائم بالأعمال الإيرانيّ مرّات عديدة، آخرِتها يوم الثلاثاء الماضي لتسليمه مذكّرة احتجاج على استهداف الناقلة الكويتيّة “كيفان” أثناء عبورها مضيق هرمز، والتسبّب بإصابة عدد من أفراد طاقمها.

ظهر موقف الكويت بشكل أكثر وضوحاً من جنيف، حيث عُقد اجتماع خليجيّ طارئ، بناء على طلبها، الأربعاء الماضي، بعدما بلغ “السلوك العدوانيّ الإيرانيّ مستويات غير مسبوقة من التصعيد والاستهتار المتعمّد بالقوانين والمواثيق الدوليّة”.

من المفارقات اللافتة أنّ الكويت أظهرت حزماً شديداً في الموقف السياسيّ منذ بداية العدوان عليها في 28 شباط الماضي

خلص الاجتماع، الذي شارك فيه سفراء وممثّلو دول مجلس التعاون، إلى أنّ “الاستهداف المتعمّد للمرافق الحيويّة والبنية التحتيّة المدنيّة تجاوز كلّ الأعراف والمواثيق الدوليّة، ويستدعي موقفاً دوليّاً حازماً يردع الاعتداءات ويفعّل آليّات المحاسبة الدوليّة بما يضمن عدم إفلات مرتكبيها من العقاب”، مع تأكيد أنّ “التضامن الخليجيّ والعربيّ سيظلّ راسخاً، ووحدة المصير والموقف هي الأساس في مواجهة العدوان الإيرانيّ الآثم”.

تجاوز الخطوط الحمر

جاء الحزم الكويتيّ أيضاً ردّاً على حملة التحريض الإيرانيّ، مع انتقال الرسائل من التهديدات العسكريّة التقليديّة إلى الحديث العلنيّ عن احتمال تنفيذ عمليّات برّيّة داخل الكويت.

الكويت

لم يقتصر هذا التصعيد على وسائل الإعلام أو حسابات التواصل الاجتماعيّ، بل صدر أيضاً عن شخصيّات رسميّة وسياسيّة. فقد دعا وزير الخارجيّة الإيرانيّ الأسبق والعضو الحاليّ في البرلمان منوشهر متّكي إلى تجاوز مرحلة استهداف القواعد الأميركيّة، مطالباً بالسيطرة على إحدى القواعد وأسر جنود أميركيّين ونقلهم إلى إيران كورقة ضغط سياسيّة، فيما ذهب عضو لجنة الأمن القوميّ في البرلمان أحمد بخشايش أردستاني إلى أبعد من ذلك عندما تحدّث صراحة عن إمكان تنفيذ عمليّات برّيّة ضدّ الكويت والبحرين، إذا تعرّضت إيران لهجوم برّيّ.

ماكينة شائعات التوغّل البرّي..

توازى ذلك مع تصريحات للإعلاميّ الإيرانيّ مهدي خان عليّ زاده، الذي سمّى معسكرات داخل الكويت أهدافاً محتملة لأي توغّل برّيّ، وهو ما منح الخطاب الإيرانيّ بُعداً أكثر تحديداً. هذا ورافق هذه التصريحات تداول واسع لسيناريوات تحدّثت عن استخدام وحدات خاصّة تابعة لـ”الحرس الثوريّ”، بينها وحدة “صابرين”، لتنفيذ عمليّات عبر جنوبيّ العراق باتّجاه الأراضي الكويتيّة.

لم تتوقّف الحملة عند حدود التصريحات الرسميّة، بل تحوّلت إلى ماكينة ضخمة للشائعات. فقد انتشرت أخبار عن حشود عسكريّة برّيّة، وتحرّكات لمركبات ودرّاجات ناريّة، وادّعاءات عن استعدادات لغزو جزيرة بوبيان، بل وصلت إلى ترويج مزاعم عن نزوح كويتيّين إلى مدن سعوديّة مثل الخبر والدمّام، قبل أن يتبيّن عدم صحّة هذه الروايات المفبركة، التي جاءت في إطار حرب نفسيّة هدفت إلى إثارة القلق وإرباك الرأي العامّ.

بالنظر إلى خريطة الاعتداءات الإيرانيّة على دول الخليج والمنطقة، يتّضح أنّ الكويت والبحرين على لائحة الاستهداف اليوميّ

برزت جزيرة بوبيان باعتبارها محوراً أساسيّاً في هذا الخطاب، نظراً لموقعها الاستراتيجيّ قرب العراق وأهمّيّتها اللوجستيّة. غير أنّ خبراء عسكريّين واستراتيجيّين أكّدوا أنّ تحويل الجزيرة إلى نقطة انطلاق لعملية غزو يبقى سيناريو بالغ الصعوبة. فإيران لا تمتلك حدوداً برّيّة مباشرة مع الكويت، وأيّ تحرّك عسكريّ سيتطلّب المرور عبر الأراضي العراقية أو تنفيذ إنزال بحريّ، وهما خياران يفتقران إلى عنصر المفاجأة ويخضعان لرقابة جوّيّة واستخباريّة مكثّفة، علاوة على الجاهزيّة الدفاعيّة الكويتيّة والدعم الخليجيّ والدوليّ المتوقّع في حال وقوع أيّ اعتداء واسع.

إقرأ أيضاً: الكويت تضع النقاط على الحروف الإيرانية في العراق

يرى خبراء استراتيجيّون أنّ قيمة هذه التصريحات تكمن في بُعدها النفسيّ أكثر منها في البعد العسكريّ، إذ إنّ تضخيم احتمال الغزو يهدف إلى التأثير في الحسابات السياسيّة ورفع مستوى الضغط على الكويت وحلفائها، من دون أن يعني بالضرورة وجود قدرة عمليّاتيّة حقيقيّة لتنفيذ تلك السيناريوات. ويشيرون إلى أنّ الفجوة بين الخطاب التصعيديّ والإمكانات العسكريّة الفعليّة تجعل الحرب الإعلاميّة جزءاً أساسيّاً من الاستراتيجية الإيرانيّة، بالتوازي مع العمليّات العسكريّة المباشرة

مواضيع ذات صلة

كي لا “تضيع” فرصة تطويب البطريرك الحويّك

يصعب في حضرة تطويب البطريرك إلياس الحويّك فصل القداسة عن التاريخ، أو عزل السيرة الروحيّة للرجل عن سيرة ومآلات الدولة التي ولدت من إرادته ومفاوضاته…

النّوويّ السّعوديّ: ما حقيقة شرط ترامب؟

وقّعت الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة بعد ظهر الأربعاء الماضي الاتّفاق النوويّ الذي انتظر أكثر من عقدين. في صباح اليوم التالي، كتب دونالد ترامب على “تروث…

الجنوب… امتحان لبنان وخصومه

في السياسة، لا توجد مناطق تجريبيّة، بل إرادات تجريبيّة. وما طُرح في روما يومَي 13 و14 تمّوز الماضيين، بحسب ما تردّد عن النقاشات، لم يكن…

المسيحيّون يبحثون عن “حويّك مؤسّس” جديد؟

بعد أكثر من قرن على إعلان “لبنان الكبير”، لم يعد السؤال: هل أحسن البطريرك الطوباويّ إلياس الحويّك قراءة خرائط المشرق؟ ولا هل كان المشروع الذي…